Follow Us

Follow on Twitter    Follow on Facebook    YouTube Channel    Vimeo Channel    Tumblr    SoundCloud Channel    iPhone App    iPhone App
Status
STATUS/الوضع: Issue 4.1 is Live!
Our 4.1 Issue of Status Audio Magazine is live! So much to go through! Click!
STATUS/الوضع: Issue 4.1 is Live!
This issue was curated to locate the voices that speak to communities in flux and see the local for what it is—simultaneously rooted & uprooted.
STATUS/الوضع: Issue 4.1 is Live!
Status does not observe radio silence on Yemen! We constantly speak to Yemeni journalists and activists about conditions in their country

الأحزاب السياسية ومسألة الهوية في الأردن: الهروب إلى الأمام

[المصدر موقع القدس العربي] [المصدر موقع القدس العربي]


"نهاية القديم ليست بالضرورة بداية الجديد" حنة آرندت

تشهد المجتمعات العربية منذ نهاية عام 2010 ما يطلق عليه بعض السوسيولوجيين والمؤرخين "المراحل الانتقالية بالتاريخ"، لكن من الصعب الإتّفاق على تعريف عام لما يسمى بالمراحل الانتقالية، بالذات إذا لم تُحدد ماهية المرحلة الانتقالية التى يتم الحديث عنها، ناهيك عن أنّ هناك إشكاليات كبرى في مفهوم "المراحل الانتقالية"، حيث كثيراً ما ينطوي على نظرات خلاصية للتاريخ يُعتقد أنّها تقوم على "حدث"، وأنّ التاريخ بالضرورة يسير نحو مرحلة (أفضل) مخلفاً وراءه مرحلة (أسوأ)، فيصور التاريخ كأنه مسار حتمي نحو الخلاص، من الباطل إلى الحق، من الشر إلى الخير، من الإستبداد إلى التحرر... الخ، لكن التحولات والتبدلات التى تحدث بالتاريخ هي ليست نتيجة لحدث مفاجئ، كما أنّ التغيير لا يتم على شكل حدث، بل إن الحدث يفجر مسارات، كل شيء فيها يبقى ممكناً ولا شيء فيها حتمي.

إذا قمنا بتوصيف دقيق لشكل المرحلة وبعيداً عن الرغبات والأماني والأفكار الخلاصية، من الممكن القول إنّ الشعوب العربية تعيش اليوم بين مرحلتين، "سُبات" بمفاهيم حنة آرندت، والشعور العام بالإضطراب والقلق والخيبة والإحباط، ما هي إلّا مؤشرات على هذا الشكل من الطور الانتقالي من مرحلة انتهت إلى مرحلة لم يتم تحديد معالمها بعد، وقد يقول قائل إنّ سقوط بعض الأنظمة هو المؤشر الأساسي لنهاية مرحلة، لكنني أعتقد أن التوصيف الأدق لطبيعة المرحلة التى انتهت، ليس سقوط بعض الأنظمة، بل تلف الانظمة السياسية العربية – سواء سقطت أم لم تسقط- وعدم قدرتها على الإستمرار بالحكم بالشكل الذى كانت عليه ما قبل 2011.

بنيت ورقتي هذه على سمة أساسية من سمات الأطوار الإنتقالية وهي "المراجعات الكبرى" التى تقوم على تجاوز الاقتناعات السائدة والوقوف على المرحلة السابقة وقراءتها، وطرح تساؤلات جديدة تحاكي واقعاً جديداً، بعد أن فشلت التساؤلات السابقة في محاكاته.

كنت قد تطرقت في ورقة سابقة إلى التحولات العامة التى طرأت على مستوى المجتمع والدولة في الاردن ما بين هبتي نيسان وتشرين، وفي هذه الورقة أحاول أن أسلط الضوء على انعكاس هذه التحولات على مسألة الهوية وارتباطها بالأحزاب السياسية في الأردن، معتمداً على مجموعة من المقابلات كنت قد أجريتها لغايات بحثية(1) مع مجموعة من الحزبيين الذين استقالوا من أحزابهم، تحديداً حزب الوحدة الشعبية، وحركة الإخوان المسلمين على أثر خلافات سياسية ظهرت على السطح قبل الحراك مباشرة وتفاقمت مع انطلاقته.

مجتمع أم جماعات؟

في كثير من الأحيان يتحرك المجتمع الاردني باعتباره مجموعة من جماعات، والجماعة (كوميونيتي) بتعريفها البسيط هي وحدة عضوية يولد فيها الإنسان ولا يختارها، بينما المجتمع (سوسويتي) يفترض وجود أفراد ينظمون أنفسهم عبر تعاقدات إجتماعية، وكما هو معلوم فإنّ وجود الجماعة في الأردن يسبق وجود الدولة، لكن نستطيع أن نقول إنّ الدولة خلقت الجماعة، فالعشيرة مُعطى إجتماعي يسبق وجوده وجود الدولة، لكن تسييس العشيرة و العمل على تحويلها إلى شكل من أشكال  "المجتمع" هذا فعل الدولة، فالعشيرة مُعطى إجتماعي والعشائرية صناعة هوياتية، إذ أنّ استخدام الدولة وتشجيعها وتوظيفها للخطاب الجماعاتي الهوياتي في مفاصل تاريخية عديدة، دفع بالناس في كثير من الأحيان –تحديداً عندما يشعرون بالخطر- إلى تنظيم وتعريف أنفسهم على أساس انتماءات الفرد الأولى. 

الإشكالية الأخرى يمكن لنا أن نسميها "إشكاليّة أردني - فلسطيني" التى ساهمت النخبة الحاكمة "الأردنية – الفلسطينية" بتكريسها وتعميقها في مفاصل تاريخية عديدة، أهمها كان في بداية السبعينيات عندما قامت هذه النخبة بتقسيم كامل للعمل على أساس هوياتي.

السؤال الذي تحاول الورقة الإجابة عليه هو: هل قامت الأحزاب السياسية الأردنية من خلال تجاهلها لمسألة الهوية حيناً والترفع عنها أحياناً بتكريس الخطاب الهوياتي السائد؟ وهل بقيت الأحزاب السياسية بالأردن رهينة لهذا الخطاب أم تمايزت عنه وخلقت خطابها البديل؟

الأحزاب السياسية ومهمة الاندماج الاجتماعي

يعتير حزب الوحدة الشعبية وحركة الإخوان المسلمين من الحركات والأحزاب السياسية "ما فوق الوطنية"، حيث أنّ العناصر الأساسيّة التى تحدد رؤية الحزب وفهمه لذاته وبرنامجه، جميعها عناصر سياسية – تاريخية لها علاقة بالصراع العالمي و قضية فلسطين والوحدة العربية أو الأمة الإسلامية، وبمصادفة محكومة بنشأة الحزبين من جانب ونشأة الدولة من جانب آخر، تقاطع الحزبين الاسلامي واليساري بفهم تاريخي متشابه لنشأة الدولة الأردنية وما يسمى ب"وظيفية الدولة"، وانعكس هذا الفهم للدولة على البنية التنظيمية لكلا الحزبين وبرنامجهما السياسي، ترافق هذا مع تبني النخبة السياسية الحاكمة لأيديولوجيا وطنية عن طريق مؤسسات وهيئات وحملات تقوم على فكرة "الأردن أولاً" والتى تم تكريسها أحياناً عن طريق خطابات شعبوية عديدة تدمج الوطن بالنظام بالمجتمع، وما يسمى بالأغنية "الوطنية" ما هي إلا مثال على هذا، وبالتأكيد لم يكن القصد من هذه الأيديولوجيا الوطنية للنخبة الحاكمة أولويات وقضايا المجتمع الأردني، بقدر ما هو هروب من قضايا الأمن القومي وعلى رأسها قضية فلسطين، وتمرير معاهدة السلام وتبرير استباحة الاقتصاد الأردني.  وسعت النخبة الحاكمة من خلال هذه الأيديولوجيا الوطنية، تثبيت فكرة التماهي القائمة على أن الدولة والمجتمع يتماهيان مع النظام السياسي في وحدة واحدة لا تتمايز، وأنّ النظام السياسي، هو الدولة والمجتمع، وانعكست فكرة التماهي هذه على فهم الأحزاب السياسية في الأردن للهوية الوطنية.

"شكل الالتباس في العلاقة مع النظام السياسي، إلتباساً في الهوية، واتهم أي أخ ينادي بالخطاب الوطني داخل الحركة الإسلامية، بأنه موالي للنظام الذي حاول تاريخياً أن يحتكر خطاب الشرعية الوطنية، وأن يحتكر اعادة انتاج الهوية الوطنية، فاتخذت الحركة الاسلامية موقف النقيض من هذا، فقالت لا يوجد شيء اسمه هوية وطنية اردنية، والأردن كيان وظيفي، وشاع هذا الخطاب بين الإسلاميين"(2)

 تمسكت هذه الأحزاب بالشعارات التى لها علاقة بفلسطين والأمة العربية أو الإسلامية بشكل نضالي من جانب ولكي تميز نفسها عن النظام من جانب آخر، دون أدنى ربط بين هذه الشعارات وواقع الناس الاجتماعي، لا بل قامت بإخضاع قضايا جزء من المجتمع تبعاً للموقف من شرعية الدولة وطبيعة نظام الحكم، دون الأخذ بعين الإعتبار أن مايسمى ب"قواعد النظام الإجتماعية" -إذا صح هذا التعبير- ليست قواعد إجتماعيّة ثابتة بل في حالة تبدل وتغير مستمر.

إذ أنّ أي قراءة تاريخية للواقع الإجتماعي بالبلاد، سوف تشير إلى ظهور فئات اجتماعية بدت وكأنها ساكنة على مدار الثلاثة العقود التى سبقت هبّة نيسان، ومع التحول الذي طرأ على واقعها الإجتماعي انتقلت هذه الفئات من حالة السكون إلى حالة رفض واقع التفقير والتهميش التى تعرضت له على أثر سياسات الدولة الاقتصادية، القائمة بشكل رئيسي على تخلي الدولة عن دورها الاجتماعي المتمثل ببيع القطاع العام ومؤسساته، وبقيت الأحزاب السياسية بعيدة عن هذه الفئات، وبدا ذلك وكأن الأحزاب السياسية خضعت لمعادلة "العشائر خط أحمر" التي فرضتها النخبة السياسية الحاكمة في فترة تاريخية ما، ومع غياب التنظيم الذي من المفترض أن يبلور مطالب هذه الفئات ويتحدث باسمها، لم تجد هذه الفئات إلا الأطر الاجتماعية التقليدية –أقرب شيء الى مخيلتها- كالعشيرة لتلجأ اليها، ولنكن أكثر دقة، كانت هذه الفئات تلجأ في كثير من الأحيان إلى من يشبهها داخل العشيرة، وليس إلى العشيرة بمجملها، فالعشيرة لم تعد وحدة واحدة حيث تعرضت لتغيرات كبرى.

بالتالي، نستطيع أن نقول إنه نشأ وضع خلال الثلاثة عقود التى سبقت انطلاقة الحراك يشير إلى أن هناك فئات اجتماعية متضررة، لا جسور فيما بينها من جانب، ومن جانب آخر تستطيع النخبة السياسية الحاكمة من خلال هيمنة أدواتها أن تزرع في داخل كل منهما بذور الخوف من الآخر، فئات اجتماعية من الشرق أردنيين، تتمظهر أحياناً على شكل جماعات، وفئات اجتماعية من الأردنيين من أصول فلسطينية وجدت أحزاباً سياسية تلامس وجدانها على مستوى الخطاب أحياناً وتقدم لبعض منها الخدمات الاجتماعية أحياناً أخرى.

 لم يدرك هذان الحزبان خلال ثلاثة عقود أن مهمات المعارضة في دولة كالأردن، أشد تعقيداً من كونها معارضة للنخبة السياسية الحاكمة، وأنه في اللحظة التى تتخلى فيها الدولة عن مهمتها في بناء "الأمة" أو "الجماعة الوطنية"، عليها هي كأحزاب معارضة تقع مهمة الإندماج الاجتماعي وبناء الهوية الجامعة، عبر خطابها وبرامجها وهيئاتها وقياداتها، لتشكل كتلة اجتماعية متجاوزة للهويّات المتنازعة، وتكون هذه الكتلة هي الضامن الاجتماعي لمنع تشظي المجتمع إلى جماعات متحاربة، بحيث إذا انتفض المجتمع أو تحرك ، تضمن هذه الكتلة أن يتحرك كمجتمع، وليس كمجاميع سكانية، وألا يُفسِر جزء آخر من المجتمع هذا التحرك على أنه ضده.

على النقيض من هذا تحرك الحزبان بنفس عقلية التماهي التى خلقتها النخبة الحاكمة، القائمة على أن النظام والدولة والمجتمع هما وحدة واحدة يمثلها النظام السياسي، إذ تم إهمال الشأن المحلي الاجتماعي الذي من خلاله تُبنى الكتلة الاحتماعية الوازنة، واكتفى الحزبان بخطابات شعاراتية أو خطاب سياسي يقوم على مسائل لها علاقة بقانون الانتخاب والحقوق السياسية، دون وجود أي حامل اجتماعي متجاوز لمسألة الهوية، وبدا هذا الخطاب في كثير من الأحيان موجّهاً إلى طرف من المجتمع غير قادر لوحده أن يمضي قُدماً بهذا الخطاب السياسي ويقوم بتطويره، فانعكست عقلية التماهي هذه على تعبئة الكادر الحزبي من جهة وبرنامج الحزب من جهة أخرى.

" في عام 2005 أُقِرت بالحزب مادة للتثقيف الداخلي وتم المصادقة عليها، كانت مادة التثقيف كالتالي : 1- نشوء وتطور القضية الفلسطينية 2- تاريخ الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين 3- المادية الجدلية 4- المادية التاريخية، تستطيع أن تتخيل، هذه مادة تثقيف حزبي من 2005 -2009 ولا شيء له علاقة بالأردن"(3)

أنا مسؤول الكتلة الاسلامية في الجامعة الهاشمية لمدة سنة، ومسؤول العمل الطلابي في الجامعات أيضاً لسنة، وكنت من الشباب الذين فصلتهم المكرمة الملكية لأني شاب حزبي، وصدرت بحقي أربعة قرارات فصل من الجامعة وكان معي إنذار نهائي، في كل مساحة عملي بالجامعة لم يكن هناك نشاط واحد يخاطب أي همّ وطني،.. وأذكر مرة في لقاء تنظيمي للكتلة حضره 30 طالباً قلت : أخشى أن نعيش في أبراج عاجية نقول للناس فلسطين والأمة والخلافة ووعد الله، والناس تقول لنا : لقمة عيش ابني، راتب آخر الشهر، تعليم أولادي، شبكات الصرف الصحي، ونصبح نحن بشكل أو بآخر منعزلين عن المجتمع، 3 اشخاص تبنوا وجهة النظر هذه والآخرون اتهمونا بأننا نريد ان نأردن التنظيم" (4)

في كتابهما "الحل الإسلامي بالأردن" رصد حسن أبو هنية ومحمد أبو رمان بيانات حزب جبهة العمل الإسلامي بين 2005 - 2007 وتبين أنه صدر عن الحزب خلال السنوات الثلاث تسعة بيانات لها علاقة بالشأن الاقتصادي المحلي، من أصل 208 . كان واضحاً أن هناك إهمالاً تاماً للشأن الإقتصادي، على الرغم من أن كافة استطلاعات الرأي التى أجريت خلال هذه السنوات تشير بوضوح إلى تصدر الشأن الاقتصادي اهتمامات المواطنين وأولوياتهم، ومن أصل 208 بياناً كان هناك سبع بيانات لها علاقة بالشأن الاجتماعي المحلي، بنسبة 3.36% من المجموع العام.(5)

لم تدرك هذه القوى السياسية أن الحزب باعتباره مؤسسة اجتماعية منظمة خارج العلاقات الطبيعية المولودة وخارج إطار النخب الحاكمة قادرٌ على صناعة هوية جامعة لفئات اجتماعية بعيداً عن علاقاتهم الوشائجية. فالهويّات ليست شيئاً ثابتاً عبرالتاريخ، بل تُفكّك وتُركّب وتُصنّع، ويستطيع الحزب عبر خطابه وبرنامجه السياسي الذي يمفترض أن يراعي ويمثل مجمل مصالح الشعب، أن يساهم في بناء الهوية الجامعة. لكن في كثير من الأحيان، فُهم خطاب هذين الحزبين بإعتباره خطاباً موجهاً إلى جزء من المجتمع، حيث بقيت حركة الإخوان المسلمين تجذب جمهور الطبقات دون الوسطى من الأردنيين من أصول فلسطينية، وذلك بحكم الخطاب السياسي الذي ترافق مع كم هائل من الخدمات الاجتماعية التى تُقدّم عن طريق جمعية المركز الإسلامي، وتراجع الوجود الجماهيري بشكل كبير جداً لحزب الوحدة الشعبية بالمخيمات الفلسطينية، وجزء لا بأس به من هذا الجمهور جذبته الحركة الإسلامية بعد ضعف الخطاب اليساري وازدياد شعبية الحركات الإسلامية من جانب، وعدم قدرة حزب الوحدة على المواءمة بين قضايا أبناء المخيمات اليومية وقضية فلسطين.  بالمقابل بدأت فئات اجتماعية من الشرق أردنيين وبحكم واقعها القائم على تجاهل الأحزاب لها، بالعمل على تنظيم ذاتها بأشكال تنظيمية مختلفة، وفي كثير من الأحيان تجاوزت دائرة العشيرة لتأخذ أشكالاً مناطقية أحياناً ونقابية أحياناً أخرى.

"أذكر في 2010 كان هناك اعتصام لعمل الموانئ،، وقصة العامل عاهد بلاونة، في ذلك الوقت سألت نفسي سؤالاً، هل نحن حزب يساري أم ماذا؟ وتحركنا يومها ككل الأحزاب التى تحركت تجاه هذه القضية، لكن التحرك كان غريباً علينا، وشيء غير مألوف لنا ككوادر،أذكر كان في مجموعة شبابية بالحزب، كان عنا نوع من الحماس لهذا الشيء الجديد علينا، لكننا لم نعرف ماذا نفعل، لا يوجد لدينا خبرة ولسنا مؤسسين حزبياً على هذه القضايا، وهذه الفئات الإجتماعية التى تتحرك بمجتمعنا نحن لا نعرفها، ولا نعرف كيف تفكر وكيف تتحرك، وكان من الصعب أن نجد لغة مشتركة بيننا وبينهم، نحن منذ خمس سنوات نتكلم عن فلسطين ولبنان والمقاومة وصدام حسين وعبد الناصر وحل دولة أم حل دولتين، هذا كان مجمل نقاشنا، كنا نناقش ماذا سيحدث عندما تطبق الاشتراكية بعد مئة عام ولم نناقش ولا تفصيلة اجتماعية واحدة لها علاقة بالوضع المحلي"(6)

شعرت هذه الأحزاب،و تحديداً الإخوان المسلمون، بأن الفجوة بينها وبين هذه الفئات أصبحت كبيرة، وبأنها لا يمكن لها أن تقود مشروع التغيير السياسي في بلد كالأردن وهي تمثل جزء المجتمع، وأدركت بشكل متأخر جداً أنها بحاجة لكتلة اجتماعية ممثلة للمجتمع وليس لجزء منه. 

"في عام 2010 تم جمعنا أكثر من مرة، لمحاولة اختراق العشائر وكان ينظر للعشائر أنها قواعد شعبية للنظام وكان السؤال عند الإخوان ، كيف نستطيع أن نخترق العشائر ؟ و"خلينا نركز على أبناء العشائر"، و"من يفاتح شخص من أبناء العشائر سوف نكافئه"، وكانوا يصنعوا بروبغاندا لما يسمعوا أنه في واحد من أبناء العشائر تنظّم بالإخوان المسلمين ، لكنهم فشلوا في ذلك، والسبب عدم وجود نظرية توافق هذه البيئة الاجتماعية والفئة الاجتماعية ، يعني عندما لا تمتلك خطاباً يراعي مصلحيات هذه الفئة ويراعي شعوريات ووجدنيات هذه الفئة لن تنجذب اليك"(7)

انعكست التحولات الاجتماعية والسياسية بالبلاد على بنية الأحزاب السياسية، وبدأت الخلافات السياسية الداخلية في الأحزاب، التى كانت بمجملها خلافات حول برنامج الحزب ومن يمثل، تتمظهر في كثير من الأحيان على شكل نقاش هويّاتي ذو طبائع سياسية.

"في المنظمة الحزبية التى كنت بها، طرح أحد الرفاق ضرورة التوسع بالعضوية الحزبية في المرحلة المقبلة خصوصاً في صفوف الشرق أردنيين، طبعاً رُفض نقاش الموضوع بالمطلق، عندها قلت : ألا يستحق ان نتسائل لماذا لم تتجاوز نسبة الشرق أردنيين بالحزب 2.5 % ؟ معنى ذلك أن هناك خطأ في الاستراتيجية التى يجب علينا أن نعدلها حتى نستطيع تمثيل هذه الفئات، طبعاً القيادة كانت ترفض هذا الطرح بالكامل تحت شعار إحنا عرب وحزبنا حزب عروبي ما عنا أردني – فلسطيني"(8)

" قبل الحراك بفترة بسيطة بدأت أشعر بالتناقض على مستوى عائلتي، واغترابي عن أبناء عمومتي الفقراء البسطاء، كان في داخلي نزاع كبير أدى بي إلى أن أسأل نفسي : انا طفيلي ولا اخوان مسلمين ؟ "(9)

لم تدرك هذه الأحزاب أن مجتمعاً كالمجتمع الأردني من المفترض أن تكون فيه الهوية العربية الإسلامية، عاملاً مساعد لبناء وتماسك الهوية الأردنية، وليست نقيضاً لها. شعار "نحن عرب" كثيراً ما استخدم كهروب للأمام، حتى تقفز هذه الأحزاب عن عجزها في تمثيل المجتمع وليس تمثيل جزء منه، وأحياناً أخرى تم تصوير دوائر متقاطعة في الانتماء لهوية واحدة كأنها نقيض لبعض، فلن تسأل امرأة نفسها "أنا امرأة أم أردنية" ؟ ولن يسأل عامل نفسه "أنا عامل أم كركي؟" الا إذا وضِعَت امامها/امامه هذه المستويات من تعريف الذات وكأنها هويات متناقضة وليست دوائر انتماء مختلفة في هوية واحدة مركبة، ومن جانب آخر، فإن كل خطاب يقوم على فكرة أننا لسنا أردنيين بل عرب أو مسلمون ما هو الا فرض لهوية أحادية سيخلق بالضرورة مشاكل اجتماعية جمة، تعمل على تفتيت ال"نحن" إلى مجاميع بشرية تحمل صفة "الأنا" و"الآخر".

حيث لم يعد بالإمكان اليوم حصر الفرد بهوية واحدة، فالإنسان يعيش في حياته اليومية عدة انتماءات في هوية مركبة.  في الأردن وفي المشرق العربي عموماً، لا يمكن الاستغناء عن البعد العربي، لكن ليس باعتباره بديلاً عن الهوية الوطنية، بل مكملاً لها، فحتى تتماسك الهوية الوطنية تحتاج إلى بعد اجتماعي طبقي وبحاجة إلى البعد العربي، لا  كقومية بل كهوية جامعة تقوم على اللغة والتاريخ والمصير المشترك والعداء للاستعمار، وغالباً ما كانت تُفرض العروبة كحالة "تقدمية" وتوضع في وجه الهويّات المحلية وكأنها نقيض لها، وفي هذه الحالة، يصبح "التقدميون" محافظين في تقديسهم لفكرة تتعارض مع مخيال الناس الجماعي الذي يتشكل بالواقع اليومي المُعاش ، فلا فرق بين من يقول نحن عرب ولسنا اردنيين، ومن يقول نحن اردنيون ولسنا عرباً، فكليهما خارج مسار التاريخ.

أحزاب عاجزة أم حراك مناطقي؟

ازدادات الخلافات مع انطلاقة الحراك بسبب العقلية التى دخلته بها هذه الأحزاب والكيفية التى تعاملت بها مع الحراك منذ اليوم الأول. فلم تعلن الأحزاب مشاركتها في مظاهرات الجمعة التى تلت جمعة ذيبان والمحافظات، وانعكس هذا على بعض الكوادر الحزبية التى اهتزت ثقتها بالقيادة، هذه الكوادر كانت ترى أن هناك مشهداً جديداً، ومن مسؤوليات الأحزاب ليس فقط المشاركة فيه بل تنظيمه وقيادته، لكن هذه الأحزاب تعاملت مع حركة الناس العفوية بعقلية الماضي التشكيكية، القائمة على أن أي حراك لا يقوده الحزب عليه علامة استفهام.

"موقف الحزب كان رافض لفكرة النزول إلى الشارع تحت دعوى عدم معرفة الحزب للجهة الداعية، "ممكن المخابرات هي وراء هذه المظاهرة"، كان هناك رفض كامل من قبل الشباب لموقف القيادة وإصرار عالمشاركة، وصلت الأمور إلى تسوية، أن نشارك لكن ليس باسم الحزب بل كأفراد"(10)

"أول مسيرة في الحراك في وسط البلد لم يشارك فيها الإخوان لكنني شاركت فيها كشخص عادي وكنت متأسي، يعني أين نحن؟ أين الحركة الإسلامية ؟ والمسيرة التي بعدها شاركت الحركة الإسلامية وكانت تطالب بإسقاط الحكومة والإصلاح والإصلاح والإصلاح، لكن الحركة الإسلامية لم تكن تعرف وقتها ما هو الإصلاح الذي تريده، نحن نزلنا إلى الشارع وننادي ما ينادي به الناس، بدل أن نكون نحن النخبة الطليعة التى تقود الناس وتوجههم "(11)

 لم تعجز الأحزاب عن تنظيم الحراك وبلورته في مطالب جامعة فحسب، بل أسقطت تصوراتها الرغبوية الأيديولوجية على واقع هذا الحراك، فالحراك كان أصدق انعكاس للواقع الاجتماعي والسياسي التى تعتبر الأحزاب شريكة في تشكله، فكيف سيكون شكل حراك، غابت الأحزاب السياسية عن مكوناته الاجتماعية و ُتركت هذه المكونات لوحدها تُعبئ لعقود على اساس هويّات فسيفسائية؟؟ 

"اتُهم الحراك من قبل الحزب بأنه حراك مناطقي، عشائري، ما –دون-وطني وشُكك فيه، وكنا نقول قد يكون الحراك حراكاً مناطقياً وفئوياً لسبب رئيسي، أن الأحزاب لا تلعب الدور المطلوب منها، ولا يوجد أية جسور بين الناس عمليا.ً الشاب الرافض للواقع في سحاب على اي أساس سيتوحد مع الشاب الرافض للواقع في ذيبان؟ لا يوجد جسم يربطهم، الشيء الوحيد الذي كان من الممكن أن يربطهم هو حزب يصيغ أهداف هذه الجماهير، حزب يستطيع أن يجعل شباب حوارة وشباب الكرك وشباب ذيبان وشباب مخيم البقعة يتحركون بوتيرة واحدة. لكن في ظل غياب حزب مثل هذا سيكون الحراك طبعاً فئوي ... ضلت الذهنية السابقة، ذهنية أنا من يملك شرعية قيادة الجماهير، وبدك تشتغل معي اهلاً وسهلاً لكن عليك أن تقبل بشرعية قيادتي، أنت لا تمتلك الشرعية، أنت حراك فئوي، أنت تمثل حارة ونحن من يمثل وطن وشعب."(12)

في ظل غياب الأحزاب التى تدعي يومياً أنها تمثل "الشعب"، تبحث الناس عن دوائر أخرى لتلجأ إليها، وأقرب شيء لمخيلتها قد تكون دوائر الانتماء الأولى. في تونس، تلك البلد التى لا تُعتبر فيه الهوية الوطنية محل خلاف، والمسألة الوطنية ناجزة أكثر بكثير من الأردن، بدأت فيها الأحداث على شكل "فزعة عشائرية" قامت بها عشيرة البوعزيزي في سيدي بوزيد، لكن سرعان ما تلقفت الأحزاب التونسية –التى تعتبر من أكثر الأحزاب العربية نضوجاً- هذا الحدث وحوّلته إلى قضية عامة، ناهيك عن وجود مؤسسات نقابية حقيقية لا تخضع للمصالح الحزبية الضيقة كالاتحاد التونسي للشغل الذي لعب دوراً كبيراً في تنظيم حركة الناس. بينما في الأردن لا يستطيع المشاهد أن يميز بين العمل النقابي والعمل الحزبي، وفي أية انتخابات نقابية يطغى الشأن السياسي بشكل فج، ويُعتبر الشأن النقابي هامشياً وليس العكس، وتخوض الأحزاب الأردنية الانتخابات النقابية بخطاب سياسي أيديولوجي تحريضي، أبعد ما يكون عن الهم النقابي. في انتخابات نقابة المعلمين آذار/ 2014 كان كاتب المقال عضواً في لجنة مؤازرة كتلة المستقبل(مستقلون)، وفي مركز الاقتراع الذي كان متواجد فيه، كانت مندوبة كتلة المعلم (إخوان مسلمون)، تحاول إقناع المعلمين الذين سيدلون بأصواتهم أن ينتخبوا كتلة المعلم، لأن الكتلة الخصم أي كتلة المستقبل "كفار" و"مخابرات".

الحركة الإسلامية التى كانت تستطيع أن تحشد عشرات الآلاف على أي قضية تتعلق بالأقصى أو فلسطين عموماً أو العراق وحتى قضايا الرسومات العنصرية تجاه الرسول، لم تستطيع أن تقنع قواعدها الشعبية تحديداً في عمان وإربد والزرقاء بضرورة المشاركة والتحرك لقضايا اجتماعية أو سياسية محلية داخلية، (13) مع وجود استثناءات بسيطة كمسيرة  "إنقاذ وطن" في 5 تشرين الأول 2012، لكن تبقى هذه استثناءات تأخذ شكل أحداث ولم تكن حالة مستمرة، ومقارنة بالحركات الإسلامية الأخرى في البلاد العربية، كانت الحركة الإسلامية في الأردن من اضعف الحركات الإسلامية من حيث القدرة على الحشد والتعبئة منذ انطلاق الحراك العربي نهاية عام 2010.

"في دراسة داخلية أجريناها داخل الحركة الإسلامية، لم تستطع الحركة الإسلامية أن تحرك داخل الحراك الشعبي أكثر من  20% من قواعدها خلال ثلاث سنوات من الحراك، والسبب أن الخطاب السابق للحركة الاسلامية كان يوجه لفئة معينة من المجتمع الأردني"(14)

تعرض الحزبان لاستقالات جماعية أو شبه جماعية، والانقسامات الكبرى تعرضت لها الحركة الإسلامية، بحكم أنها تنظيم كبير ومؤثر وفي داخله تيارات تتصارع، إذ أصبحت اليوم الحركة حركتين، وحزب جبهة العمل الاسلامي أصبح حزبين ومبادرة، بينما حزب الوحدة الشعبية حزب صغير وغير مؤثر، والاستقالات منه لم تأخذ ذاك الصدى مقارنة بالحركة الإسلامية، وبالإضافة لهذين الحزبين، تعرض كل من البعث العربي التقدمي والبعث العربي الاشتراكي، لأزمات نتجتت عنها استقالات وانقسامات. "يعني الموضوع لم يكن قضية معينة مختلفين عليها؟ الاختلاف كان على ما هي قضيتنا (قضية الحزب) لماذا الحزب موجود؟ وهذا كان الخلاف الأكبر وكانت احتمالية التلاقي مستحيلة، وكونهم في القيادة ونحن في الكوادر الوسطية فهم يملكون القوة الحزبية لقمعنا، وهم من يحددون مسار الحزب واستراتيجيته، فصرنا نحن معارضة داخل الحزب وغير قادرة على تغيير مسار الحزب، وغير قادرة على التعبير عن نفسها داخل الحزب بشكل فعال، فصار الوجود بالحزب عبارة عن هدر للطاقات ومضيعة للوقت، فكانت الاستمرارية مستحيلة".(15)


خاتمة 

إن الحزب السياسي شيء والنادي الثقافي والمركز التراثي والجمعية الخيرية شيء آخر، ما الهدف من الحزب إذا لم تكن لديه قاعدة اجتماعية يستطيع من خلالها أن يصل إلى السلطة أو يشارك فيها من أجل إدارة البلاد؟ هناك أحزاب سياسية تأبدت بالمعارضة –بحكم طبيعة الأنظمة العربية- حتى أصبحت غير قادرة على تخيل نفسها إلا كحزب معارض، فأصبحت المعارضة مهنة قائمة بحد ذاتها وعملية لا نهاية لها. هذه الأحزاب اختارت أن تكون جزء من المرحلة التى انتهت، فالحزب الذي يغلق باب الاستيعاب، يغلق باب التغيير معه، والتغيير الداخلي يقوم أولاً على الاستيعاب والاحتواء، والاحتواء ما هو إلا عملية تدريجية يتغير فيها من يقوم بفعل الاحتواء والطرف الآخر الذي يتم احتواؤه، ومن هذه العملية ينتج الجديد، وعدم القدرة على خوض هذه العملية هو أكبر دليل أن هناك بُنى تنظيمية تكلست وأصبح إصلاحها ضرباً من الخيال.

إنها مرحلة مؤقتة، قد تطول وقد تقصر، لكن المستقبل القريب قد ينتج تعبيرات سياسية جديدة، ستعيد إنتاج شكل الخارطة السياسية للأحزاب في الأردن، حيث ستندثر أحزاب، وتتهمش أحزاب كانت إلى حد قريب أحزاب كبرى، وستولد أحزاب جديدة لن تقطع مع الماضي ولن تبدأ من الصفر بل ستعتبر نفسها امتداداً لتجربة، أحزاب لا تؤمن بعقلية الزعيم والأتباع، أحزاب لا تؤمن بأن الحقيقة الوحيدة بالعالم هي الحقيقة الحزبية، أحزاب تدرك أن المرحلة تتطلب أقل قدر ممكن من الأيديولوجيا، وأكبر قدر ممكن من البرامجية.

يقول هيجل إن " الحاجة هي وعي النقص"، الوعي بغياب الـ"نحن" قد ينتج حاجة ضرورية لخلق بُنى تنظيمية تملأ هذا النقص، الـ"نحن" التى لن تقوم على أسطورة "كافة المنابت والأصول" ولا على مقولات "التعايش" الساذجة، بل على توسيع قاعدة المشاركة الشعبية من خلال برامج يدرك من يبلورها أن كل الشعارات الرنانة لا تعني شيئاً إذا لم تُعنى بقضايا الناس.

[يعاد نشرها ضمن اتفاقية شراكاة بين "حبر" و"جدلية"]

 

هوامش:

(1) أجريت المقابلات لغايات بحثية لإعداد دراسة حول الحراك الأردني مع الدكتورة والباحثة في مركز الدراسات الاستراتيجية – الجامعة الأردنية سارة عبابنة.

(2) مقابلة مع عضو سابق بالإخوان المسلمين أجراها كاتب المقال في شهر شباط / 2014 

(3) مقابلة مع عضو سابق في حزب الوحدة الشعبية أجراها كاتب المقال في شهر شباط / 2014 

(4) مقابلة مع عضو سابق بالإخوان المسلمين أجراها كاتب المقال في شهر اذار / 2014  

(5) محمد أبو رمان، حسن أبو هنية، الحل الإسلامي في الأردن، فريدريش ايبرت، عمان، 2012، ص 97-98

(6) مقابلة مع عضو سابق في حزب الوحدة الشعبية أجراها كاتب المقال في شهر اذار / 2014  

(7) مقابلة مع عضو سابق بالإخوان المسلمين أجراها كاتب المقال في شباط / 2014 

(8) مقابلة مع عضو سابق في حزب الوحدة الشعبية أجراها كاتب المقال في شهر اذار / 2014  

(9) مقابلة مع عضو سابق بالإخوان المسلمين أجراها كاتب المقال في شهر شباط / 2014 

(10) مقابلة مع عضو سابق في حزب الوحدة الشعبية أجراها كاتب المقال في شهر شباط / 2014  

(11) مقابلة مع عضو سابق بالإخوان المسلمين أجراها كاتب المقال في شهر اذار / 2014  

(12) مقابلة مع عضو سابق في حزب الوحدة الشعبية أجراها كاتب المقال في شهر اذار / 2014   

(13) مقابلة مع الاستاذ حسن ابو هنية، الباحث في الحركات الإسلامية أجراها كاتب المقال في شهر اذار / 2014   

(14) مقابلة مع عضو سابق بالإخوان المسلمين أجراها كاتب المقال في شهر شباط / 2014  

(15) مقابلة مع عضو سابق في حزب الوحدة الشعبية أجراها كاتب المقال في شهر اذار / 2014   

 

 

 


If you prefer, email your comments to info@jadaliyya.com.

Announcements

The 1967 Defeat and the Conditions of the Now: A Roundtable

SUBSCRIBE TO ARAB STUDIES JOURNAL

Pages/Sections

Archive