(دار الفرجاني للنشر، القاهرة، 2025)
[نذير ملكاوي كاتب وقاص أردني. يكتب القصة والمقالة والنقد الثقافي، ونشرت نصوصه في عدد من المنصات الثقافية والصحف العربية، منها الجمهورية، والقدس العربي، وجدلية. حاصل على بكالوريوس في اللغة العربية وآدابها من الجامعة الأردنية، ويكمل الدكتوراه في الأدب المقارن في جامعة St Andrews. عمل في التحرير الصحفي، وأسس مختبر الكتابة ضمن برامج مكتبة عمّان الصغرى. حصل على منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق) عام 2021. عيادة الأدب الرديء هي مجموعته القصصية الأولى].
جدلية (ج): كيف ولدت فكرة النص/النصوص، ما هي منابعه وروافده ومراحل تطوّره؟
نذير ملكاوي (ن. م.): مشكلتي مع هذا السؤال أنّه يرغمني التعاملَ مع نفسي، على الأقل مع صورتي أمام العالم، بجدّيّة أكرهها، وأنا أهتمّ بصورتي. أحسب أنّ هناك إجابتين ممكنتين. الأولى سرديّة تذكر تسلسل الأحداث الذي أفضى لخروج قصص المجموعة على ما هي عليه، والثانية تبسيطيّة، تدّعي أنّني لا أعرف كيف وُلدت القصص ولا إلى أين انتهت. لكن، بين هاته وتلك، طالما وقفتُ متردّدًا في الإجابة. المثل الشعبي يقول "إفّيه ونفسي فيه"، وأنا، رغم أنّ نفسي فيه، لا أرى أهميّة حقيقيّة لسرد قصّة الكتاب. الكتاب وحده المهمّ، وحتّى هذا لستُ متأكّدًا منه.
(ج): ما هي الثيمة/ات الرئيسية للمجموعة، وما هو العالم الذي تأخذنا إليه النصوص؟
(ن. م.): عمّان وهلسنكي هما المدينتان الأكثر حضورًا في المجموعة. بينهما، تدور مجريات الصداقة والحب والشعر والسياسة. هذه الموضوعات التي تهمّني، والتي أحبّ أن أقرأ عنها في الأساس. قد يكون هذا وصفٌ مخلّ، لكنّني لا أعرف كيف أتحدّث عن كتابتي سوى بالتعامل معها كأنّها ليست لي، بل امتداد لما ابتُدئ قبلي. دار النّشر ارتأت أن تصف قصص المجموعة بأنّها تتحدّث عن "جيل ما بعد الثورات، وما بعد القصائد"، ورغم ترحيبي بالوصف، لا أستطيع أن أنسبه لنفسي، لأسباب لغويّة وسياقيّة؛ فـ"ما بعد" هذه ليست دقيقة تمامًا، فالحاصل في فلسطين وسورية والسودان وتونس يعيدنا دومًا إلى لحظة البداية، عدا عن أنّ الأردنّ لم تكن جزءًا ممّا حصل، ما ينسبني بطبيعة الحال إلى جيلٍ من الكُتّاب العرب لا أتشارك معه سوى العمر واللغة وقراءتي له. لكنّه لم يؤثّر فيّ كتابةً، إذا ما استثنينا هلال شومان، فقد تأثّرتُ بكتابته كثيرًا، خاصّة بفكرة الأشخاص المُعلّقين خارج حدثٍ كبير، في "ليمبو بيروت" مثلًا. عمّان تحديدًا، مدينة ظلّت على الدّوام في قلب الأحداث الكُبرى، لكنّها خارجها في ذات اللحظة.
(ج): كتابُك الأخير عبارة عن مجموعة قصصيّة، هل لاختيارك جنسًا أدبيًا بذاته تأثير فيما تريد أن تقول، وما هي طبيعة هذا التأثير؟
(ن. م.): سُئلتُ أكثر من مرّة لمَ لم أعتبرها رواية، إذ إنّ القصص متداخلة بما يسمح لاعتبارها روايةً. والإجابة عندي لا علاقة لها بالشكل، بل بالنيّة التي كُتب بها النّص. الجنس الأدبي يعنيني بالطّبع، ورغم تكريس معظم الوقت لقراءة الرواية فقد قرأتُ الكثير من المجاميع القصصيّة. أكره تعريفات القصّة القصيرة التي تحصرها في الإيجاز والتقاط لحظة معيّنة. القصّة، كما الرّواية، بوسعها أن تكون الكثير. بورخيس يكتب قصّة قصيرة، قصيرة جدًّا أحيانًا، فيما يكتب تشيخوف أو جورج سوندرز، قصصًا طويلة، بعضها أشبه بنوفيلات لولا صعوبة تحديد الفارق بين القصة الطويلة والنوفيلا. عن نفسي، طالما كنتُ ميّالًا للقصّة الطويلة، لأنّني لم أملك نفس الرواية بعدُ، ولأن القصص كانت تصل مرحلة لا يمكن بعدها قول أيّ شيء أكثر، على المستوى النفسي قبل الفنّي.
(ج): ما هي التحديات والصعوبات التي جابهتك أثناء الكتابة؟
(ن. م.): الكتابة هي الكتابة، ولستُ في هذا مختلفًا عن أيّ كاتب أو كاتبة في العالم. إذا كان لي أن أسمّي شيئًا فهو حتمًا خارج الكتابة، في امتلاك الأفكار الصالحة للكتابة على وجه التحديد. لذا، كُتبت المجموعة، وهي ليست إلّا من خمس قصص، على خمس سنوات. أقرأ أكثر ممّا أكتب، لكن، حين تحضر الفكرة، أكتب بصورة طبيعيّة، أو ما أحسبه طبيعيًّا.
(ج): ما هو موقع هذا الكتاب في مسيرتك الإبداعية؟
(ن. م.): على المستوى المطبوع، فهذا أوّل عمل يحمل اسمي وحدي، لكن سبق أن نُشرت لي قصّة قصيرة ضمن أنطولوجيا "ما لم تقله أسمهان عن البحر" مع دار وزيز. أي هذه الخطوة الأولى، لكنّني لا أفكّر في المسيرة. إذا أتممتُ ما يمكن نشره، سأفعل بلا تردّد.
(ج): هل هناك نصوص كانت ذات تأثير خاص، أو قرأتها أثناء إنجاز النص؟
(ن. م.): على مستوى الشكل، أو قُل الرغبة في كتابة الشبيه، فأورهان باموق كان صاحب التأثير الأوّل. كنتُ مفتونًا باسطنبول كما كتب عنها، حتّى وصلتُ إلى أنّني لم أفهم منه سوى أمور سطحيّة، بمعنى أنّني تصوّرت أنّ كلّ كتابة عن المدن الكبرى تشبه كتابة باموق بالضرورة، وهذا تفسير يؤشّر إلى ضعف قراءاتي أكثر من أيّ شيء آخر، وضعف ما أكتب بالتبعيّة. إلى جانب السؤال أيضًا عن إمكانيّة اعتبار عمّان مدينة كُبرى من عدمها.
مؤنس الرزاز كان حاضرًا بقوّة بطبيعة الحال، لكنّ حضوره غير مؤثّر في النصوص إطلاقًا، من حيث الأسلوب على الأقلّ؛ لا أحد يكتب مثل مؤنس، لكنّني فكّرتُ فيه كثيرًا أثناء الكتابة، وهو موجود بوصفه شخصيّة في واحدة من القصص. على المستوى النفسي، تعرّفتُ إلى كارل أوفه كناوسغارد مع بداية الكتاب عام 2017، وأظنّه حاضرًا شعوريًّا لا أكثر. بأيّ حال، أظنّ أنّ المجموعة تشير إلى عدم نضجي كاتبًا أكثر من أيّ شيء آخر، ولا أقول هذا متأسّفًا أو حتّى مُقلِّلًا، بل آخِذًا بالنصائح النفسيّة المُطالبة بعدم رفع التوقّعات (مع ضحكة مكتومة).
(ج): هل تُفكّر بقارئ محدّد أثناء الكتابة، صفه لنا؟
(ن. م.): طبعًا، بأصدقائي المقرّبين. لا يمكنني أن أفكّر أبعد من ذلك.
(ج): ما هو مشروعك القادم؟
(ن. م.): بدأتُ العام الماضي كتابة رواية. أنجزتُ ما أحسبُ أنّه القسم الأول من قسمين أو ثلاثة. الرواية استكمال لإحدى قصص هذه المجموعة: قصّة "تقرير عن الفن المفاهيمي"، أو ربّما إعادة كتابة لواحدة من أفكارها التي لم أركّز عليها كما أريد.
مقتطف من المجموعة
حياة مُعادة
تذكّر هذا جيّدًا: قيلولة المساء بؤرة للقلق، لا تكاد تستيقظ إلّا ويهجم أسرابًا من نملٍ أبيض على بدنك. استيقظتُ السّاعة السّابعة مساءً وطعمُ الخوف في فمي، شربتُ ماءً، ثُمّ شعرتُ بالأسى، فلبستُ ملابس رياضيّة ونزلتُ لأمشي. لمحتُ سارة تكتب وتدخّن في الصّالة، سمعتُ صوتها خلفي لكنّ صوت إغلاق الباب سبق صوتها. الليل طويلٌ في الشّتاء، والبردُ أنيسُ الوحيدين. تهمي قطراتٌ من الماء بشكلٍ متقطّع على الرصيف والأسفلت، قطراتٌ غير مرئيّة من بعيد لولا أضواء الإنارة ودخان شابّين يقفان عند ناصية الشّارع.
ثمّة سيرتان لشوارع عمّان، الأولى ترويها أسماؤها المتداولة بين النّاس، والأخرى ترويها أسماؤها المقيّدة في أمانة عمّان. حين كنتُ صغيرًا، كنّا نسكنُ في شارعٍ يدعى المجريطيّ: عالم رياضيات وفلك أندلسي. فوجئ أهلي باسم الشارع بعد عشرين عامًا من حياة مُعادة كل يوم، فقد كان يُعرف بشارع المقبرة. وها نحن نسكن في شارع ابن خلدون، ولا أحد يعرف له اسمًا سوى شارع الخالدي: شارع المستشفيات والمجمّعات الطبية.
عمّان ليست مدينة واحدة. يعني المدرّج الروماني وجبل القلعة هما عمّان، لكنّهما نسخة جذّابة منها تصلح أكثر بوصفها صورًا ملصقة على بطاقات بريديّة. شعرتُ بالغضب مرّة حين قرأتُ رواية معن أبو طالب "كلّ المعارك"، إذ تُكنّي الأماكن في عمّان باسمين لا أكثر: الشرقية والغربية، غافلةً حتّى عن ذكر اسم المدينة، كأنّها ابنة حرام، أستغفر الله. مضى وقتٌ قبل أن أستعيد الرواية، وإذ ذاك شعرتُ أنّني فهمتها: التّعامل مع هذه المدينة مربك، ولأنّ الرّواية لم تكن معنيّةً بكتابة تشبه هذه، فضّلت الاختزال: أن تقفز عن الأسماء كما يقفز البطل إلى الحلبة ليلاقي حتفه، فالأسماء تهمة.
إذا كان دوّار الداخلية يقسم المدينة نصفين حقيقةً، فإنّ شارع ابن خلدون/الخالدي يقسمها نصفين معنويًّا، فعدا عن كونه امتدادًا لمقرّ رئاسة الوزراء من طرف والسفارات الأجنبية من الطرف الآخر، تنتشر على ضفافه مجمّعات طبّيّة، أغلبها عيادات نفسيّة أقلّ جلسة في إحداها تُكلّف أربعين دينارًا. إنّه شارع الجنون، الغنى الفاحش الذي يبحث عن دينٍ جديد بعباءة بيضاء تُزيّنها سمّاعة، الأرصفة النظيفة، والهواء العليل، في مقابل الأزقّة الفرعيّة المعتمة التي تتفرّع عنه، تلك التي تتشبّث بأطراف البلد السّفليّة، حيث يجب أن يذهب كلّ مارٍّ إلى هناك ليتذوّق طعم الأردنّ الحقيقيّ: مطعم هاشم وكنافة حبيبة ومنسف القدس.
حدس
مشيتُ ما يقارب نصف السّاعة، لا شيء سوى الهدوء يكسره كلّ حين حفيف أوراق الشّجر. توقّفت لأشعل سيجارة حين أدركتُ أنّني أقف أمام المجمّع الذي احتضن عيادة الدّكتور صدّام القرعان، فأكملتُ السيجارة مشيًا صوبَ البيت. وجدتُ سارة على ما تركتها عليه، جالسة على الكنبة ضامّة قدميها أسفل جذعها محدّقة في التلفاز المُطفأ.
-
فاضي تقرأ إشي؟
-
مزاجي مش رايق.
جلستُ بجانبها، ووضعتُ رأسي على كتفها.
-
مالَك إشي؟
-
تعبان شوي.
لفّت ذراعها حولي وشدّتني إليها، وأخذت تمسّد شعري. رغم الرّاحة التي مدّني بها هذا القُرب، كنتُ متوجّسًا وخالطني شعورٌ بأنّني على وشك الانهيار. الانهيار تجريدٌ لا يفصح عن المعنى تمامًا، لكن ما البديل؟ انهياري الآن أخذ شكلًا صامتًا: لا صراخ، لا ضغينة، ولا تعبَ حتّى. وحده حضنها كان عزاءً ملائمًا. أدنَتْ رأسها وقبّلتني على نحري. اقشعرّ جسدي من ملمس شفتيها الباردتين، فأمسكتُ بيدها، وضممتها إلى صدري. بيدها الأخرى، أشعلت التلفاز، وفتحت مقطعًا على يوتيوب لطفلٍ لا يتجاوز سنّه عامًا واحدًا يُطعم أمّه قطعًا من الخبز. مع كلّ لقمة يضحك جمعٌ من النّاس، ووحده الطّفل يظلّ عابسًا، يُطعمُ أمّه بعصبيّة وسرعة، يفعل ذلك كأنّها مهمّة أُكره على إنجازها. حاولت أمّه استبدال الأدوار، فقرّبت بدورها قطعة من فمه. غضب، فضرب يدها حتّى سقطت. وكما لو كان يعاقبها على جرأتها، أخذ يزيد من سرعته كلّما ضحك أحدهم، وشرع بإطعامها بوتيرة أعلى حتّى كاد ينفجر فمها، فأخذتُ أضحك أنا أيضًا، ذاك الضّحك الذي يبدأ مكتومًا ثمّ يتعاظمُ بالتّدريج.
دون أن تنظر إلي، مرّرت مؤخّرة يدها على خدّي بحنانٍ لم أعرف أنّني بحاجة له. نظرتُ إليها بدوري وميّزت رائحتها. لحظة لقاء العينين كانت سريعة بما يكفي كي لا ألحظ الشّرخ فيهما، وعلى ذلك بقيتُ هامدًا في حجرها، مرتاحًا رغم الحزن، وبلا رغبة في مراكمته. قالت إنّ وضعي أفضل من تلك الأم على الأقل، ثمّ ابتسمت.