بعد قرابة عام على سقوط نظام بشار الأسد وصعود إدارة انتقالية جديدة برئاسة أحمد الشرع، لا يزال الاستقرار والأمن في جنوب سورية حالة هشّة تتجاذبها تناقضات الميدان. تضم محافظات السويداء ودرعا والقنيطرة مشاهد متباينة لكنها مترابطة ترسم صورة معقدة؛ صراع نفوذ بين قوى محلية، وتصاعد دور التشكيلات الأهلية المسلحة، وتنامي التهديدات الخارجية عبر الحدود، وكل ذلك في ظل غياب فعالية الدولة المركزية، وفق ما تظهره تقارير رصد ميدانية ومصادر محلية تواصلنا معها على الأرض خلال الأسابيع الماضية.
شهدت مناطق الجنوب خلال الأشهر الأخيرة سلسلة من الوقائع التي أبرزت أن ضمان الأمن بات رهيناً لموازين قوى غير تقليدية. ففي السويداء، تصاعد التوتر بين فصائل محلية درزية والسلطة الانتقالية، بينما تمكنت درعا جزئياً من احتواء العنف عبر الأعراف العشائرية رغم استمرار الاغتيالات وعمليات التهريب والتفلت الأمني في الأطراف. أما القنيطرة ومحيطها على الحدود مع إسرائيل، فقد أصبحت مسرحاً لتوغلات عسكرية إسرائيلية متكررة، واجهها أهالي القرى بالسلاح أو بالاحتجاج العلني على وجود القوات الغازية. هذه التطورات المتزامنة تكشف مشهداً أمنياً مضطرباً في جنوب سورية، حيث يتداخل الداخلي بالخارجي في صياغة معادلة الاستقرار.
السويداء
في السويداء، لا يمكن الحديث عن "اضطراب أمني" فقط؛ ما يظهر من تقارير خاصة ومصادر محلية هو تفكك منهجي لمنطق الأمان نفسه. وفقاً لمعلومات حصلنا عليها خلال شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2025، بدت ليلة التاسع والعشرين من الشهر لحظة مفصلية؛ تشكيل محلي يسمّي نفسه "الحرس الوطني"، يشكّل ضباط وأمنيون سابقون من النظام السابق عموده الصلب وقد أعادوا تدوير أنفسهم تحت مظلة مرجعية دينية، ينشر حواجزه عند مداخل المدينة، يقتحم بيوتاً بأسماء محددة سلفاً، يعتقل شيخاً معارضاً مثل رائد المتني ورجال أعمال وقياديين محليين، ثم تُنقل جثة المتني بعد يومين فقط إلى المشفى الوطني. في روايات الأهالي التي وثقناها في تقارير رصد، يظهر المتني كرجل دين كان جزءاً من محاولة لتنظيم السلاح بعد سقوط النظام، اختُطف عملياً من بيته، وتعرّض للضرب والإهانة أمام الكاميرات المحلية، ثم خرج من هذه الحلقة جثة بلا تحقيق ولا رواية قضائية مقنعة. هكذا تتحوّل السويداء، في عين أهلها، إلى ساحة تصفية حسابات مغلقة بين تشكيل يستقوي بشرعية "حماية الجبل" وسلطة انتقالية تكتفي بإصدار بيانات متأخرة.
الفلتان ليس في السياسة فقط؛ إنه في تفاصيل الحياة اليومية. وبحسب معلومات ميدانية جمعناها من منطقة ظهر الجبل وريف السويداء خلال الأيام نفسها، سُجِّلت سلسلة من عمليات السلب المسلّح: سيارات تُوقَف تحت التهديد، مبالغ بالدولار تُسحَب من أصحابها، مزارعون يتعرضون لإطلاق النار وهم في طريقهم لقطاف الزيتون غرب المدينة، وراعي مواشٍ يُصاب بجروح بعدما حاول مسلحون سلب قطيعه قرب صميد قبل أن يتدخل شبان من القرى المجاورة ويجبروا المهاجمين على الانسحاب. بالتوازي، شهدت مناطق أخرى مناوشات بالرشاشات الثقيلة بين "الحرس الوطني" والقوات الحكومية "الأمن العام" فوق رؤوس المدنيين، مع تحليق طائرات مسيّرة في أجواء الريف الشمالي والغربي بحسب تقارير ميدانية وثّقت لحظات الاشتباكات.
في يوم آخر، استيقظت إحدى بلدات الريف على خبر وفاة شابة في الثامنة عشرة ووالدتها داخل المنزل نفسه، بعد أن تحولت بندقية موجودة في غرفة الجلوس إلى مصدر ثلاث رصاصات أنهت حياتهما في ثوانٍ. سُجِّلت الحادثة رسمياً كسوء استخدام سلاح، لكنها في وعي المجتمع جزء من قصة واحدة؛ سلاح بلا ضابط، يدخل غرفة النوم كما يدخل الحقل والحاجز.
العنف القادم من "فوق" لا يقلّ قتامة. تقارير الرصد في الشهر نفسه تشير إلى أن قوات الأمن الداخلي استخدمت طائرات مسيّرة ورشاشات ثقيلة على محوري سليم وعتيل شمال المدينة؛ إحدى الضربات أصابت شاحنة نقل من نوع "انتر" كان يقودها عامل عائد من عمله في إحدى المداجن، فقُتل على الفور، وأُصيب ما لا يقل عن خمسة مدنيين آخرين في المنطقة نفسها. في 25 تشرين الثاني/نوفمبر الفائت، تحوّل الطريق بين اسليم وعتيل إلى خط نار لمجرّد أن نقطة أمنية قررت الرد على توتر عند حاجز بعيد.
بالتوازي، يُكشف عن مصير غسان نواف البدعيش، الذي خُطف من منزله خلال اجتياح تموز/يوليو الماضي، قبل أن تتعرف عائلته بعد أشهر على صور جثمانه في دمشق عبر هيئة الاستعراف؛ جسد يحمل آثار تعذيب بأدوات حادة إضافة إلى طلقات رصاص عدّة، ومدفون في مقبرة جماعية في منطقة إزرع بريف درعا الشرقي، وفقاً لشهادات أفراد من عائلته. هنا أيضاً، لا توجد رواية قضائية، بل مسار واحد متكرر؛ اعتقال في حملة "رسمية"، صمت طويل، ثم جثة في مقبرة بعيدة.
حتى الحقول ومراكز البحث لم تُستثنَ من هذا الانهيار. وفق إفادات مهندسين زراعيين نشرت على لسانهم تقارير إعلامية في المحافظة، تتعرض حقول مركز البحوث العلمية الزراعية ومحطات "مزارع الدولة" لعمليات استيلاء منظّمة؛ محاصيل تفاح وإجاص وبندق تُقطَف بالقوة، مبانٍ بحثية يُستوطَن فيها من دون أي سند قانوني، ونتائج تجارب استغرقت سنوات تضيع في موسم واحد. في الكفر، سُرقت ثمار نحو 300 دونم من التفاح كان قد اتُّفِق أن تُستثمر لصالح المحافظة عبر الجمعية الفلاحية بإشراف لجنة قانونية عليا، قبل أن يضع "بضعة أشخاص" يدهم على الأرض ويرفضوا الخروج أو دفع أي ضمانات. في مكان آخر، في مزارع مفعلة شرق السويداء، ينجح الأهالي في حماية نحو 600 دونم من التفاح باتفاق أهلي–تعاوني؛ المفارقة أن حماية الملكية العامة لم تعد وظيفة الدولة، بل وظيفة قرى تستطيع أن تفرض احترامها بالقوة الاجتماعية.
يُضاف إلى ذلك ملف الجثث المجهولة التي تُنتشَل متحللة بعد شهور من دفنها قرب بلدات مثل الثعلة، وتسليم الأردن جثامين شبان من عشائر السويداء قُتلوا خلال محاولة تهريب مخدرات عبر الحدود، وأخبار عن عشرات السجناء الدروز المضربين عن الطعام في سجن عدرا احتجاجاً على توقيف بلا مسوّغ قانوني. فوق هذا كله، يتغذى المشهد السياسي على انقسام حاد بين ما يوصف محلياً بـ"المشروع الإسرائيلي" المرتبط باسم حكمت الهجري، و"مشروع الدولة السورية الجديدة" الذي يُرفع حول شخصيات أخرى، وصراع رمزي–سياسي بين مرجعيات دينية يُختصر شعبياً بعنوان "طريف – الهجري". في العمق، تُنظَّم مراسم تأبين لـ"شهداء اجتياح تموز" تتحول إلى منصة دعائية لـ"الحرس الوطني"، وتُغلَق الطرق لحماية الفعالية، فيما يراقب السكان كيف يُعاد تركيب هرم القوة في الجبل بسلاح قديم وخطاب جديد.
بهذه الصورة، تبدو السويداء نموذجاً مكثفاً لانهيار الاستقرار؛ محافظة تُدار عملياً بمنطق المربعات الأمنية المتنافسة، لا بمنطق ولاية واحدة. من يَختطف، ومن ينهب مزارع الدولة، ومن يطلق النار من حاجز رسمي أو من تلة يتمركز عليها فصيل محلي، يتحرك في فضاء واحد عنوانه أن السلاح هو الضمانة الوحيدة، وأن القانون، حين يُذكَر، يُستخدم إما لتبرير حملة اعتقال أو لإقفال ملف جثة جديدة بلا أسئلة مزعجة.
درعا
على عكس المشهد المتأزم في السويداء، تبدو محافظة درعا أكثر هدوءاً نسبياً من الناحية الأمنية، وإن لم يخلُ الأمر من حوادث عنف موضعية. يؤكد سكان محليون تحدّثنا إليهم أن وتيرة الحياة اليومية في معظم مدن وبلدات درعا ظلت طبيعية رغم الأحداث المتفرقة؛ الأسواق نشطة، وحركة التنقل بين القرى والمدن آمنة إلى حد كبير، وساهم انتشار الدوريات الأمنية وتعزيز الحواجز بعد الحوادث في طمأنة الأهالي. يصف كثيرون الوضع بأنه "استقرار هشّ"؛ تتركز فيه المشاكل الأمنية في الأطراف والنواحي الريفية وعلى الحدود، من دون أن تتحول إلى انفجار شامل في المراكز الحضرية الرئيسية.
رغم هذا الهدوء النسبي، شهدت المحافظة خلال نحو ستة أسابيع سقوط عشرات الضحايا في حوادث متفرقة (قرابة تسعين بين قتيل وجريح)، بينهم أكثر من عشرة قتلى جراء عمليات اغتيال أو اشتباكات محلية، وفقاً لتقارير رصد ميداني. تنوّعت دوافع هذه الحوادث بين الثأر العشائري، كما في جريمة ثأرية في إزرع أوقعت ثلاثة قتلى، واستهدافات لتصفية حسابات مرتبطة بالماضي الأمني أو الجهادي لبعض الأفراد، حيث تم اغتيال عناصر سابقين في الأجهزة الأمنية أو مقاتلين سابقين في تنظيم داعش في حوادث متفرقة، فضلاً عن خلافات شخصية تحولت إلى عنف، إحداها في نوى قُتل فيها شخص إثر اتهامه بممارسات "سحر". كما بقيت بعض الجرائم غامضة الدافع، يُعتقد أنها نتيجة صراعات نفوذ محلية أو تنازع على موارد التهريب.
إلى جانب ذلك، نشطت في درعا – وخصوصاً في الريف الجنوبي والشرقي – شبكات تهريب المخدرات عبر الحدود الأردنية، مستغلة ضعف الرقابة واتساع مناطق الفراغ الأمني. وقد ضبطت الأجهزة الأمنية السورية خلال الفترة نفسها كميات كبيرة من الحبوب المخدرة في ريف درعا الجنوبي، فيما أعلن الجيش الأردني مراراً إحباط عمليات تسلل وتهريب من الجانب السوري. ويمثل انتشار تجارة المخدرات في الجنوب تحدياً أمنياً خطيراً يهدد استقرار المنطقة الحدودية بكاملها، ويحوّل مساحات واسعة إلى اقتصاد جريمة متشابك مع السلاح والفقر.
مصادر محلية في ريف درعا الغربي تحدثت أيضاً عن تزايد حالات التنقيب غير الشرعي عن الآثار والذهب في المواقع الأثرية والقرى، غالباً ليلاً، بواسطة معدات بدائية أو آليات خفيفة، في تعبير واضح عن بحث يائس عن الثروة في أرض تُستنزف منذ سنوات. هذا النمط الجديد من اقتصاد الظل يُفاقم الصراعات المحلية، إذ تحاول مجموعات مسلحة صغيرة فرض سيطرتها على "المواقع الواعدة" واقتسام العائدات، في غياب واضح لدور الدولة في حماية الموارد الأثرية والقانونية.
في المقابل، لعبت الأعراف العشائرية دوراً مهماً في الحفاظ على هذا الاستقرار النسبي. فشيوخ القبائل ووجهاء المجتمع يتدخلون فور وقوع أي حادث ثأري أو نزاع عائلي لاحتوائه عبر مجالس الصلح والعرف الاجتماعي، بالتنسيق أحياناً مع قوات الأمن المحلية. وقد ساهم ذلك في منع توسع دائرة العنف كما حدث في واقعة ثأرية بإزرع في تشرين الأول/أكتوبر الفائت، حيث فرضت السلطات حظر تجول مؤقت، وتدخل الوجهاء لتهدئة الوضع بعد سقوط ثلاثة قتلى. هذا النفوذ العشائري يحافظ على تماسك مجتمعي يردع – حتى الآن – ظهور ميليشيات محلية جديدة خارجة عن سيطرة الدولة، إذ يفضّل معظم الأهالي حل خلافاتهم بالطرق التقليدية وبالتعاون مع أجهزة الأمن، على الانخراط في حمل السلاح عشوائياً. لكن هذا النمط يحمل في ذاته هشاشته أيضاً، لأنه يبقي الأمن رهناً بتوازنات أعراف لا بمنظومة قانونية مستقرة.
القنيطرة
أما جبهة القنيطرة ومناطق غرب دمشق المحاذية لها، فقد شهدت في الفترة ذاتها تصعيداً خطيراً كان مصدره الأساسي تدخلاً عسكرياً خارجياً. لم تعد إسرائيل تكتفي بالمراقبة الجوية البعيدة وضربات الطيران السريعة، بل أخذت تنفّذ عمليات توغل بري واستخباراتي متكررة داخل عمق الجنوب السوري. يؤكد أهالي القرى الحدودية الذين تحدثوا إلينا أنهم باتوا يرون الجنود الإسرائيليين بأعينهم داخل محيط قراهم في بعض الليالي، بعد أن كان الوجود الإسرائيلي يقتصر سابقاً على الطائرات في السماء.
خلال شهري تشرين الأول/أكتوبر وتشرين الثاني/نوفمبر 2025 نفذت القوات الإسرائيلية سلسلة عمليات مباغتة في ريف درعا الغربي وريف دمشق الغربي، تمثلت في توغلات محدودة داخل قرى حدودية كمعرية وكويا، تخللتها مداهمات واعتقالات خاطفة، وقصف مدفعي لأهداف يُشتبه بأنها مواقع لتنظيمات مسلحة محلية أو نقاط رصد. لم تسفر هذه العمليات في معظمها عن قتلى، لكنها نشرت الذعر بين المدنيين الذين لم يعتادوا مشاهدة الجنود الإسرائيليين داخل بلداتهم، وحوّلت الحقول والطرق الزراعية إلى مناطق خوف دائم.
وفي 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 بلغت المواجهات ذروتها بعملية إسرائيلية كبيرة استهدفت بلدة بيت جن في ريف دمشق الغربي. تسللت قبل الفجر وحدة خاصة كبيرة مؤلفة من عشرات الجنود والآليات إلى البلدة لاعتقال مطلوبين محليين. ورغم نجاحها في اعتقال ثلاثة أشخاص في بداية الهجوم، قوبلت القوة بمقاومة شرسة من أهالي البلدة ومقاتلين محليين تداعوا للدفاع. دار اشتباك عنيف من مسافات قريبة داخل الأحياء الضيقة، أدى إلى إعطاب آلية إسرائيلية وإصابة عدد من الجنود المهاجمين، مما أجبر القوات الإسرائيلية على التراجع بعد حوالي ساعتين.
عقب انسحابها، شرعت المدفعية والطائرات الإسرائيلية في قصف أطراف بيت جن بكثافة لتأمين تغطية الانسحاب ولإيقاع أكبر ضرر ممكن بالمنطقة. وأسفر القصف عن سقوط ضحايا مدنيين ونزوح عشرات العائلات، فيما أفادت مصادر محلية وتقارير ميدانية بسقوط أكثر من 13 شخصاً من أبناء البلدة، بينهم أفراد عائلة كاملة، إضافة إلى عشرات الجرحى وتدمير عدد من المنازل والمزارع.
وفي تطور لاحق يؤشر إلى استمرارية نهج "التوغلات القصيرة والضغط البري"، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي في محيط بلدة خان أرنبة بتاريخ 9 كانون الأول/ديسمبر 2025، ونصبت حواجز مؤقتة عند مداخل البلدة الثلاث: جبا–خان أرنبة، خان أرنبة–الكوم، وخان أرنبة–عين النورية، بحسب ما وثقته مصادر ميدانية في القنيطرة. تزامن ذلك مع وصول رتل لـ"الأمن العام" من دمشق، حيث حاولت القوات الإسرائيلية عملياً عرقلة دخوله إلى مركز محافظة القنيطرة وإظهار قدرتها على التحكم بحركة القوات السورية الرسمية.
وعند المدخل الشرقي على طريق خان أرنبة–الكوم، أطلقت قوات الاحتلال النار مباشرة على مدنيين عبّروا عن رفضهم لوجودها في النقطة، ما أدى إلى إصابة اثنين منهم، قبل أن تنسحب القوة مستخدمة قنابل دخانية. كما أُصيب مدني ثالث في منطقة الحميدية بشظايا ناتجة عن رصاص متفجر أطلقته القوات الإسرائيلية في أثناء انسحابها.
شكلت معركة بيت جن وما تلاها من توغل في خان أرنبة اختباراً غير مسبوق للأوضاع الأمنية الجديدة في جنوب سورية بعد سقوط النظام. فللمرة الأولى تخوض إسرائيل اشتباكاً برياً بهذا الحجم داخل الأراضي السورية، ثم تكرّس نمطاً من التوغلات القصيرة المتعمدة لإرسال رسائل على مستوى الشارع والسلطة معاً، وتجد نفسها في مواجهة مجموعات أهلية تحركها دوافع الدفاع عن الأرض، دون ارتباط تنظيمي واضح بجهات خارجية. هذه المجموعات اللامركزية يصعب ردعها بالأساليب التقليدية (مثل الاغتيالات الجوية المحددة)، لأن سقوط أي فرد منها يستنهض سريعاً غيره من أبناء منطقته لحمل السلاح. وهكذا تتبلور ملامح معادلة أمنية جديدة في الجنوب؛ توغلات إسرائيلية أعمق وأجرأ تقابلها مقاومة محلية عفوية تزداد صلابة مع كل مواجهة، في ظل غياب سلطة سورية مركزية قادرة على ضبط هذه المساحات وإعادة تعريف "الأمن" بما يتجاوز منطق الأمر الواقع.
أخيراً، يبدو جنوب سورية بعد عام من التغيير السياسي في حالة فراغ أمني وصراع مفتوح على النفوذ. لم تتمكن الحكومة الانتقالية بعد من فرض سيطرتها الكاملة أو تقديم نموذج مختلف جذرياً عمّا سبقه؛ القوى المحلية تملأ الفراغ كلٌ وفق أجندته وسلاحه، فيما تستغل أطراف خارجية هذا الوضع لترسيخ حضورها وتحقيق أهدافها، كما هي الحال مع التدخلات الإسرائيلية على الحدود أو ازدهار التهريب وتجارة المخدرات والتنقيب غير الشرعي عبر خطوط التماس. وبين هذه وتلك يبقى المدنيون متعطشين لعودة استقرار حقيقي، لا استقرار مبني على الصمت والخوف.
يبقى مستقبل الجنوب مفتوحاً على عدة احتمالات؛ فإما أن تنجح السلطات الجديدة، بالتفاهم مع القوى المحلية، في بناء هيكل أمني–سياسي موحّد يعيد الاعتبار لمنطق الدولة والقانون، أو يستمر الوضع الحالي بتوازناته الهشة ومراكزه المتعددة وسلاحه المتنازع. وفي جميع الأحوال، فإن الحفاظ على استقرار جنوب سورية يستدعي أكثر من مجرد نشر حواجز ومسيّرات؛ يحتاج إلى قرار واضح بأن هذه الجغرافيا ليست حقل تجارب لعقائد أمنية، بل وطنٌ لمجتمعات تريد أن تعيش دون أن تُحاسَب كل يوم على خطيئة وجودها قرب الحدود.
[تُنشر هذه المقالة بموجب اتفاقية تجمع بين جدلية وموقع صالون سوريا].