في فيلمها الجديد "فلسطين 36"، تسلّط آن ماري جاسر الضوء على فصل محوري من تاريخ بلادها: الثورة الفلسطينية الكبرى لعام 1936، والتي شهدت انتفاضة الفلسطينيين ضد الانتداب البريطاني والمشروع الكولونيالي الصهيوني. التقى موقع "أوريان 21" بالمخرجة خلال زيارتها لباريس بمناسبة بداية عرض الفيلم في دور السينما انطلاقاً من يوم الأربعاء 14 يناير/كانون الثاني 2026.
سارة قريرة: قبل أن نتحدّث عن الفيلم، في 24 ديسمبر/كانون الثاني، رحل الممثل والمخرج الفلسطيني محمد بكري الذي اشتغلتِ معه في فيلم "واجب" (2017)، إلى جانب شغلك المتواصل مع أبنائه، وخاصة ابنه البكر صالح.
آن ماري جاسر: الله يرحمو. منذ بداية مسيرتي كمخرجة، اشتغلت مع صالح في فيلم "ملح هذا البحر"، وكان هو بدوره في بداية مسيرته كممثل. ومنذ ذلك الحين، واصلنا العمل معاً. وفي فيلم "واجب"، كانت المرة الأولى التي يشتغل فيها الأب والابن مع بعض لأول مرة. كانت تجربة جميلة وعميقة جدًّا. أتذكّر عندما اتصلت به عبر الهاتف — وكان دور أبو شادي بالفيلم بعيداً جدًّا عن محمد — قلت له: "أنا عندي دور، والصراحة عم بفكر فيك بس مش عارفة، بدي أشوفك، خلينا نحكي على الفيلم والسيناريو وهيك." فأجابني: "أنا عم بستنى تليفونك من سنين، ليش تأخرتي؟".
خلال التصوير، كان محمد غاية في المهنية. وإن كان أثناء التدريب أو خلال فترة التصوير، كان يأتي قبل الموعد بنصف ساعة، فيجلس لشرب قهوة، وينتظر. لم يكن أبداً يتصرّف كـ"ديفا" أو كشخص مغرور. وقد اشتغل كثيراً على دوره الذي كان مستوحى من شخصية والد زوجي، أسامة بواردي، منتج الفيلم، فقضى معه ومع أصدقائه وقتاً طويلاً بالناصرة، وتقمّص الشخصية تماماً. وكان لديه نوعاً ما فضول الأطفال، كان يسأل ويريد أن يفهم كل شيء.
رحيل محمد بكري خسارة كبيرة للسينما الفلسطينية، لأنه كان له تأثير كبير على الجميع، إن كان من جيله أو من الجيل الجديد. الجميع يعرف أنه اشتغل مع إسرائيل قبل أن يأخذ موقفاً من ذلك، وأنه دفع ثمن التزامه.
(س.ق.): لم نتعود مشاهدة أعمال تاريخية لك، بل أكثر أفلام سياسية اجتماعية من الوقت الحاضر. لماذا هذا الخيار مع "فلسطين 36"؟
(آ. م. ج.): أخرجت في 2012 فيلم "لما شفتك" الذي تجري أحداثه بعد نكسة 67. لكن هذه المرة، كان مهمًّا بالنسبة لي أن أعود لما جرى قبل 1967 وحتى قبل 1948. ثورة 1936 لحظة مهمة جداً في تاريخنا، وأنا هنا أختلف مع من يختار أن يبدأ قصة الكفاح الفلسطيني من النكبة. والحال أنه من المستحيل أن نفهم ما جرى خلال النكبة إذا لم نفهم ما جرى سنة 1936، التي كانت أول انتفاضة فلسطينية، على كامل تراب فلسطين، وبمشاركة الجميع. طبعاً، كانت هناك تحرّكات قبل هذا التاريخ، ضد العثمانيين أو الإنكليز، لكن لم تكن بنفس الحجم.
طبعاً، نعرف ما جرى بعد هذه الثورة، وكيف صارت حياتنا أسوأ فأسوأ. لكنني أرى أيضاً أن علينا أن نفرح بهذا التاريخ، وبما فعله أهلنا في تلك الفترة، بقدرتهم على التنظيم وعلى القيام بأول إضراب عام. هذا من جهة. من جهة ثانية، من المهم أن نعود إلى ما جرى في تلك الفترة لكي نفهم أين نحن اليوم.
(س. ق.): متى وأين وفي أي ظروف تم إنتاج وتصوير الفيلم؟
(آ. م. ج.): كتابة الفيلم والبحث عن التمويل أخذ منا ثماني سنوات. والتحضير للتصوير أخذ منا سنة. مشروع الفيلم كان طموحاً جدًّا. كامل الفريق التقني كان فلسطينيًّا، والجميع كانوا يعيشون بفلسطين، وكنا نريد التصوير بفلسطين، أن نكون أحراراً خلال هذه التجربة، رغم الاحتلال.
وجدنا قرية، قريبة من سلفيت (شمال رام الله)، كان نصفها مدمّراً، فبدأنا بترميم بيوتها كما لو كنا بالثلاثينيات، وزرعنا التبغ والقطن، وبنينا ورشة حدادة. وكان من المفترض أن يكون أول يوم تصوير 14 أكتوبر/تشرين الأول 2023.. لكن كل ما قمنا بتحضيره ذهب هباء بعد السابع من أكتوبر. لم يعد بإمكاننا أن نصل إلى القرية بسبب الحواجز، كان تنقل أفراد الطاقم والممثلين صعباً – كريم عناية مثلاً، الذي يلعب دور "يوسف"، من قلقيليا، والتصوير كان ببيت لحم. وخاصة، كانت هناك – ولا تزال — إبادة، فأي أهمية للفيلم بينما الناس تُقتل؟
بعد كم من أسبوع، صار المنتجون – الذين واصلوا التزامهم بالمشروع — يحثونني على التصوير ويقترحون علي التصوير باليونان أو بقبرص، وكنت أرفض ذلك. فالفيلم حول الأرض. في آخر المطاف، ذهبنا للتصوير في الأردن. لكن نجحنا في تصوير مشاهد القدس ويافا في عين المكان، وكان ذلك مهما بالنسبة لي، لم أكن أريد لهذا الفيلم أن يكون لاجئاً.
بآخر شهر نوفمبر/كانون الثاني 2024، نجحنا في تصوير بعض المشاهد بفلسطين، مع فريق أصغر، وطبعاً مع تفادي طلب تصريحات من الإسرائيليين. فمثلاً، مشهد الطفل "كريم" الذي يمشي وسط المدينة العتيقة للقدس صورناه في مساحة كنيسة "سانت آن" التابعة رسميًّا لفرنسا، فطلبنا التصريح من السلطات الفرنسية. أما في يافا، فقمنا بالتصوير خلسة، كما نفعل عموماً في أفلامنا..
س. ق.: اشتغلت كثيراً على مشاهد من الأرشيف، من اختيارها، إلى تلوينها فإدراجها بالفيلم – من دون إدماجها تماماً.
(آ. م. ج.): كان مهماً بالنسبة لي استعمال صور الأرشيف، لأننا أولاً لا نمتلك أرشيفنا. المحتلّ قام بتصويرنا ثم رحل. والإنكليز صوّروا كل شيء: الحياة اليومية، الحواجز، الجرائم التي كانوا يقومون بها من تفجير بيوت وغيرها. هذا الأرشيف مهم لأن كل هذه الأماكن اختفت، فخلال النكبة، تم تدمير أكثر من 500 قرية. صور الأرشيف التي تعود إلى الثلاثينيات تمكننا من أن نرى كيف وأين كان الناس يعيشون في تلك الفترة. وكنت أتساءل: أين ذهب هؤلاء؟ ماذا حدث لهم خلال النكبة؟
إدراج الأرشيف في الفيلم كان الهدف منه أن يرى الناس العالم الذي كنا كفلسطينيين نعيش فيه. فمثلا، لما يترك "يوسف" قريته ليذهب إلى القدس، قد نتساءل، كيف كانت القدس آنذاك؟ وقمنا بتلوين الأرشيف كي يرى الناس الحياة – الملابس، التفاصيل.. ثم لو كان الأرشيف بالأبيض والأسود، لكانت القصة تعود إلى الوراء من حين لآخر، لكني أردتها قصة من الحاضر.
كذلك، كان للأرشيف دور مهم كذلك خلال تحضير وصياغة الفيلم، إذ حرصنا جميعاً – أنا كمخرجة، المنتج، مصمم الملابس – على أن نكون أوفياء لجميع تفاصيل تلك الفترة. فمثلاً، في المشهد الذي نرى فيه مظاهرة النساء أمام المندوب السامي البريطاني – وهو أمر حدث فعلاً —، كانت الممثلات يرتدين نفس الملابس التي كانت المتظاهرات يلبسنها على الصورة التي وجدتها بالأرشيف. آلة الكتابة التي تستعملها "خلود" أتينا بها من لبنان، لكي تكون فعلاً آلة من الثلاثينيات. كنا مهووسين بجميع التفاصيل.
(س. ق.): اخترت في الفيلم عدم التركيز على شخصية رئيسية، رغم أنك اشتغلت مع ممثلين معروفين، وقد نرى في هذا الخيار نوعاً من المخاطرة. جزء من هذه الشخصيات هم من "أهل الطرابيش" – أي برجوازية المدينة – والجزء الآخر من "أهل الكوفية"، أي الفلاحين بالضيع، لكن جميعهم في علاقة بحركة المقاومة الوطنية.
(آ. م. ج.): أردتُ أن يكون هذا الفيلم عملاً جماعيًّا، كما هي الثورة، وأن يتمحور حول عدد كبير من الشخصيات. العديد من الأشخاص قبلوا أن يشاركوا حتى بدور صغير، أو بمشهد واحد، لا سيما ممثلين مشهورين مثل ليام كونينغهام. ومن النادر أن تجدي ممثلين يقبلون بهذا. فالجميع كان يريد مساعدتي وتشجيعي على عمل هذا الفيلم. ظافر زين العابدين مثلا، عندما تحدثت معه عن الدور، قَبِل مباشرة من دون حتى أن يقرأ السيناريو.
فتقليدياً، وبالذات في سينما هوليوود، هناك قصة ونتابع خلالها شخصية ما من بداية الفيلم إلى آخره. لكن في هذا الفيلم، أردت أن أروي القصة من أكثر من منظور، حتى نفهم الثورة من خلال أكثر من شخصية: من "خلود" (ياسمين المصري)، الصحفية العربية التي تنتمي إلى الطبقة البرجوازية، إلى الطفل كريم. كل هؤلاء هم جزء من الثورة. حتى إن لم يقاوموا بطريقة مباشرة، لكن كان لكل واحد منهم دور.
موضوع الطبقات الاجتماعية مهم جدًّا. يبدأ الفيلم مع "يوسف"، في فترة الثلاثينيات التي كانت فترة الحداثة. كان بإمكان أحدهم أن يترك القرية ويذهب إلى المدينة لكي يصبح شخصاً آخر، ويدخل حياة أخرى، لينتمي إلى طبقة مختلفة. بمرحلة ما من القصة، يفهم يوسف أن ذلك مستحيل. وشخصية "خالد" (صالح بكري) هي كذلك لرجل يترك قريته ليذهب إلى المدينة ويشتغل في الميناء، وكان ذلك حال الكثيرين في تلك الفترة. في جميع الحالات، يبقى السؤال الأساسي هو: هل تريد أن تدافع عن هذه الأرض أم لا؟ كل شخصية في الفيلم ستجد نفسها مجبرة على أخذ قرار، في ظل الظروف التي تُفرض عليها. لما يتحدّث أبو عزمي عن المقاومة المسلّحة، يرفض خالد ذلك في بداية الأمر ويجيب: "بديش أقاتل". بس ما حدا بدو. لكن أمام ما يحدث، يجب على كل شخص أن يختار ما سيفعله.
(س. ق.): هناك أكثر من شخصية في الفيلم إما حقيقية أو مستوحاة من أشخاص حقيقيين.
(آ. م. ج.): نعم. شخصية "خلود" مثلاً مستوحاة من أكثر من امرأة صحفية عربية في تلك الفترة – في فلسطين، وسوريا، ولبنان، ومصر. كنا يكتبن بأسماء مستعارة – أسماء رجال —، وكان ذلك لسببين: الأول، حتى يُأخذن على محمل الجدّ، والثاني حتى لا تتعرّف عليهم سلطات الاحتلال. شخصية "أمير" كذلك استلهمتها من رئيسي بلدية حيفا وطبريا، وقد أنشآ منظمات إسلامية بتمويل من المنظمة الصهيونية، تماماً كما نرى في الفيلم. صدمني الأمر عندما عثرت على وثائق تاريخية تثبت ذلك، وعندما أدركت أن فكرة "فرّق تسد" – والتقسيم بين الفلسطينيين المسلمين والمسيحيين – كانت حاضرة منذ الثلاثينيات.
المسؤولون الإنكليز الأربعة في الفيلم هم أشخاص كان لهم وجود تاريخي حقيقي. شخصية "توماس هوبكينس"، السكرتير الشخصي للمندوب السامي البريطاني، مهمة، لأنه شخص أتى للعمل في ظل الانتداب البريطاني لفلسطين، ثم ترك وصار ماركسيًّا، وقد اهتممت كثيراً به وقرأت مذكراته الشخصية. خلال العرض الأول للفيلم في لندن منذ أسبوعين، رفعت امرأة مسنة في الحضور يدها وقالت إنها ابنة أخ "توماس"، وأنها أحبّت الفيلم كثيراً وأنها متأكدة أن توماس كان سيحب الفيلم، لأنه كان يحب فلسطين، وقد صار ناشطاً مناهضاً للكولونيالية بفضل تجربته في فلسطين. كان ذلك مؤثّراً فعلاً.
(س.ق.): يبرز الفيلم الاستمرارية الكولونيالية، بين الوسائل التي استخدمتها بريطانيا في الهند وإيرلندا والتي طبقتها على الفلسطينيين من جهة، وإعادة تبني نفس هذه الأساليب من قبل الإسرائيليين – مثل أساليب العقاب الجماعي وغيرها.
(آ. م. ج.): البريطانيون هم من وضعوا أسس الاحتلال الإسرائيلي: التعذيب في السجون دون إظهار علامات التعذيب، أساليب العقاب الجماعي – ما يفعله الجنود البريطانيون في القرية حدث فعلاً سنة 1938 —، الدروع البشرية – من خلال ربط أشخاص بمقدمة السيارات —، تفجير البيوت والباصات، إلخ. عندما رأيت في الأرشيف البريطاني صور الحواجز والتفتيش، توقيف واعتقال الناس في الشارع، قلت في نفسي: هكذا كانت حياة جدي وجدتي، وحياة والدي، وحياتي اليوم بفلسطين، وحياة ابنتي كذلك. نحن نُعامل كمجرمين منذ 100 سنة فقط لأننا نعيش ونمشي في الشارع.
(س.ق.): ثورة 1936 انطلقت لسببين: ضد الانتداب البريطاني بفلسطين، وضد دور بريطانيا في مساندة الحركة الصهيونية وإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. لكننا نكاد لا نرى المستوطنين اليهود في الفيلم وكان التركيز بالأساس على البريطانيين. لِمَ هذا الخيار؟
(آ. م. ج.): صحيح، لا توجد بالفيلم أي شخصية يهودية، لكننا نرى، في البداية، مشاهد تدفق اللاجئين اليهود من أوروبا، وكان مهماً بالنسبة لي التذكير بالجريمة الأوروبية، فلسنا نحن من طرد اليهود وسفك دمائهم. نرى جيّداً في الفيلم كيف تتطوّر وتوسّع الحركة الصهيونية، والتفجيرات التي تقوم بها الإرجون.. لكن لم تكن هناك علاقة بين أهل القرى والمستوطنين. وكان مهما بالنسبة لي التركيز على الإنكليز لإبراز دورهم في تاريخ الاحتلال الصهيوني لفلسطين.
خلال مشهد بعث الإذاعة، يدّعي المندوب السامي أنه يريد "التقريب بين المجموعتين" أي اليهود والعرب، ثم تنقلب هذه الإرادة في آخر الفيلم لتفضي على فصل تام بينهما – وفي كلتا الحالتين، كان المقصود هو السيطرة عليهما.
[تُنشر هذه المقالة بموجب اتفاقية تجمع بين جدلية وموقع أوريان 21].