في الفنّ كما في الحياة، هناكَ من يمتلكُ الجرأةَ ويسلكَ الطريقَ الصعبَ من أجلِ إبداعِ ذاته، وهناكَ من يكتفي بتكرارِ أسلافه، بين هاتَين النهايتَين الحديتَين، نتدرّجُ نحن البشر في قدرتنا على تجاوزِ الأنماطِ المُتعارفِ عليها من أجلِ إيجادِ نمطِنا الخاص، أو بصمتِنا الخاصة، ربما على هذا الطريقِ، بعضُنا أقرب إلى ذاتِه فيُشعّ، وآخرون بعيدونَ، فنراهم مُظلمين.
أمّا إذا كان الفنّ هو أحد أدوات إبداع أو اكتشاف الذات، أيكونُ إشعاعُ الفنان وليدَ هذه المسيرة صوبَ ذاته الفردية؟ وهل يكفي أن يعبّر الفنان عن فردانيّته كي يصلَ إلى القلوب، أم لا بدّ له كذلك من أن يعبّر عن الذات الجماعية؟ الجديرُ بالذكر، أنّه في مجتمعِ الفنانين كذلك، هناك من يكتفي بتكرارِ أسلافِه، أي إعادة إنتاج أنماط مُسبقة الصنع دون أن يتورّط معمَله الداخلي بهذا الإنتاج، فيبقى، فكراً وعاطفةً، حياديّاً أمامَ عملِه، في الفن التشكيلي مثلاً، فرضت مدارس الرسم الأوروبية تجربتَها على مجتمع الفن العالمي، فأصبحت قيمة الفنان تُقاسُ بانتمائهِ، فكراً وأسلوباً، لإحدى تلكَ المدارس، إضافةً إلى تصدير التجربة الأوروبية واستنساخِها في بيئاتٍ لا تشبهها، ولم تعِش سيرورتَها، ما أدى إلى فقدان الرسم بريقه، إذ لم يعُدْ فنّاً حيّاً قادراً على التعبير عن ذاتِه وملامسةِ مُجتمعه، المُفارقة أن مدارس الرسم الأوروبية تشكلّت نتيجة صيرورة إبداعية،انطلقت من ثقافة وتجربة، تجاوزت في كلِّ مرحلة الأشكال والمضامين القديمة من أجل إبداع ما هو أقرب إلى التجربة الإنسانية، وأصدق في التعبير عنها.
للشعرِ قصة مُشابهة ربما، إذ قيّد الشكل، أي البحر والوزن، الشعراء لعقودٍ طويلة، أتكلّم هنا عن الشعر العربي الذي يستمدّ جذورَهُ من الجاهلية، حيث حصر الخليل بن أحمد الفراهيدي الشعر في ستة عشر وزناً سُمّيت بالبحور الشعرية، ما أدى كذلك مع التكرار والزمن إلى تحوّل الشاعر إلى موظّف ينسجُ قصائدَ جديدة على منوال التقليدي والمُتعارف عليه، شكلاً ومضموناً، أما تجديد المعنى فربما يقتضي تجديداً في الشكل، وإلا تحول إلى صرخات تُطلق من داخل السجن.
بدأت حركة الحداثة في الشعر العربي، بحسب أدونيس، في العصر الأموي، نتيجة اللقاء بين الحضارة الإسلامية، وتلكَ السريانية والآرامية الشرقية من جهة، والبيزنطية الرومانية من جهةٍ أخرى، ليجعلَ من أبي نوّاس، وأبي تمّام روّادَها. أمّا في العصر الحديث، فقد بدأت بعد الحرب العالمية الثانية، مع قصيدة التفعيلة (الشعر الحر)، ويُقالُ أنّ من أهم روّادِها، بدر شاكر السيّاب، ونازك الملائكة، ثمّ ظهرت قصيدة النثر في منتصف القرن العشرين، وقد قادت هذا التيار، مجلة شعر التي أصدرَها الشاعر يوسف الخال، وانضمّ إليها أدونيس، وغيرهم من شعراء وأدباء الحداثة. السؤال الذي يطرح نفسهُ، هل كانت حركة الحداثة في الشعر العربي أصيلة، بمعنى هل انطلقت من طاقتها الإبداعية الذاتية كي تجدَ طريقَها، أم أنّها كانت مقيّدة كما في الرسم بمدارس ورؤى مُسبقة فُرِضت عليها من الخارج؟
من البديهي أنّ لكلّ عصرٍ نجومهُ التي تُشعّ، ربّما التجارب الجريئة، أو التي تتجاوز التقليدي والمتعارف عليه في مسيرتها هي التي تصنع الفرق، أعتقد أنّ التجارب الصادقة التي تدافع عن ذاتيّتها ورؤاها في وجهِ التقليدِ والتزييفِ، تستطيعُ أن تغيّر المشهد، التغيير هنا ليسَ مجانيّاً، إنّما هو بهدف تحقيق غاية الفن كأداة تعبير، وأداة تغيير، تواكب النفس الإنسانية. أما مسيرة اكتشاف الذات، أو إبداع الذات، التي توّلدُ فنّاً أصيلاً، فتختلف عن الذاتية، أو النزعة الفردية التي رُوّجَ لها في أوروبا ما بعد الحداثة، حيثُ تمّ الإعلاء من شأن خصوصية الفرد وأهوائه وميوله على حساب الجماعة أو المجتمع، فأن يبدعَ المرءُ عن ذاتِه، يعني أن يكتشفَها، يصقلها ويثقّفَها، إلى أن تلمعَ مثل حجرٍ ثمينٍ، أو نجمةٍ، لها أن تُضيءَ سماء الجماعةِ وتُلهِمَها.
قد يكون سرُّ شهرةِ بيكاسو ليس ابتكارهُ للمدرسة التكعيبية فحسب، إنّما كونه قد قرّر في لحظةٍ من مسيرتِهِ أن يكسر قالب المثالية ويقول الحقيقة مهما كانت قاسية، يتحدّث البعض عن نبوغِ تجربةِ بيكاسو التكعيبيّة التي حرّرت الفن، وآخرون عن عبثيّتِها، إذ حطّمَت كل الأسُس التي كان على الرسّامِ أن يجيدَها كي يقدّمَ عملاً جيّداً، لكن وبعيداً عن الدراسات التي تناولت المدرسة التكعيبيّة التي ابتكرها بيكاسو مع صديقِهِ جورج براغ كبحث تقني جديد، فمن الواضح أن مسيرة بيكاسو الفنية إنّما هي نضال من أجلِ التحرر من الرسم كحرفةٍ وصنعةٍ رفيعةِ المستوى، كي تتحوّل موهبتُهُ إلى أداة تعبير تستجيب لكلّ التحوّلات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لعصرِه، لقد استطاعَ بيكاسو تحوير الخطوط وتبسيط الألوان وتكعيب الأشكال كي تصيرَ تشبهُه، كان يبحثُ عن الطريقة المُثلى للتعبيرِ عن ذاتِهِ أو فردانيّتهِ في مواجهةِ عالمٍ متوحّشٍ ومتغيّر،ٍ ومُستعدٍّ لطحنِهِ دونَ شفقةٍ، فأخذَ هو زمامَ المُبادرة وراحَ يغيّرُ شكلَ الوجودِ بما يناسبُ نوازِعَهُ ومخاوِفَهُ، لقد طحنَ بيكاسو العالمَ وأعادَ تشكيلَهُ، لم يعُدْ يهتَمُّ بجمالِهِ المثالي وإنّما بحقيقتِه مهما كانت فجّة، وطبعاً حقيقةُ العالمِ وحقيقةُ الفنانِ هما وجهانِ لعملةٍ واحدةٍ. من الواضح أن بيكاسو رفض أن يكرّر أسلافه، وراحَ يبدعُ ذاته، لكن هل انطلق من أهوائه، ونزعته الفردية بالمعنى المابعد حداثوي،أم تابع المسير صوب جوهره المتألق، الحرّ؟ هذا سؤالٌ وبحثٌ مختلف.
رحلة الفنّ إذن مرتبطة بالتحرّر، والتحرّر هو الانعتاق من كلّ قيدٍ يعيقُ تدفّق النفس ونموّها، أمّا القيود كما هي خارجية، هي كذلك داخلية، هنا يبرزُ دائماً سؤال الفنّ والأخلاق، فإذا كان على الفنان أن يكون صادقاً أمام عمله، فهل اصطدامه بجوانبِهِ التي قد تكون مُظلمة يعيقُ نمو تجربته وتفتّحها؟ بمعنى آخر هل الشرّ عائق على طريق الإبداع وبالتالي الإشعاع؟ أم يكفي الفنان أن يعبّر بصدقٍ عن حقيقته كي يكونَ نجماً.
من المؤكّد أنّه ما من خيرٍ خالصٍ ولا من شرٍّ خالص، لكنّ قدَرَ الإنسانِ على هذه الأرضِ أن يكونَ طرفاً في هذا الصراع، إنّه الصراعُ الوحيدُ الذي لا ينفعُ معه الحياد، أما الفنّ فهو في جوهرِهِ طريقٌ نحو الخير، لا أتحدّث هنا عن الخير بالمعنى الأفلاطوني، الذي يربطُ الجمالَ بالأخلاق، بمثاليةٍ مُتعاليةٍ على الواقع، إنما عن الخير الذي يزهرُ من تربةِ الواقع، المثالية قد تكون قشرةً جوفاء، وأحياناً قناعاً يخفي خلفهُ الكثير من الشرورِ والتشوّهات، الحياة في الحقيقة هي تجربة ورحلة تطوّر، وليست كمالاً مُنزلاً مُنزّهاً عن الخطأ، كذلك الفن، أمّا تطوّر تجربة الفنان وتألّقِها، فليست إلا انعكاساً لتطوّره ونموّه على الصعيد الشخصي، وهنا تكمنُ رسالة الفن، إنّه وسيلة تعبير عن مسيرةِ حياة لا بدّ كي تكون مؤثّرةً ومُلهمة، أن تحملَ قدراً أكبرَ من الفهم والتجربة، أجل يعبّر الفن عن المجتمعات، لكن لابدّ أن يسبقَها، ليس عليه أن يقدّم مثالية متعالية على الطريقة الأفلاطونية، ولا عبثاً خاوياً من المحتوى، إنّما هو تجربة حياة تحملُ قدراً أكبر من الوعي وبالتالي الخير، ألا تزدادُ مساحةُ الخير لدينا كلّما ازددنا في الوعي؟
يعتقد هيجل أنّ الدين والفن والفلسفة، هي أدوات الروح، أو الطريق الذي تسلكهُ الروحُ كي تَعي نفسها، كما يربط الفنَّ بالجمالِ وبالحرية، الفنّ من منظورِهِ هو تعبيرٌ عن الروح المُطلق، عن الحرية بأسمى صورِها، أو بالأحرى تعبيرٌ عن الإلهي الذي يسكُننا. من هذا المنظور يعودُ هيجل بالفنّ إلى المثالية الأفلاطونية، معتبراً أن كل ما يعبّر عن الضعف البشري هو فن لم ينضج أو ما قبل الفن،لكن أليسَ الكشفُ أو البوحُ بالحقيقة هو بحدّ ذاتِه حرية، قد نقفُ مشدوهينَ أمام الكمال، لكننا كذلك قد نقفُ مُحبطين، إذ سنشعرُ بحقارتِنا وضعفِنا، أعتقد أنّ الفنّ هو الإنساني الذي يبحثُ عن المطلق، فطريقُ البشري إلى الإلهي لم تكن يوماً سوى طريقَ جهاد، والفنّ أحد أدواتِها.
النجومُ الحقيقيةُ بالتالي لا تظهرُ في سمائنا صدفة، فهي تولَد وتنمو وتصنع نفسَها بالعلمِ والتجربة، والكثير من الألم، إنّها صيرورة يتوازى فيها صقل الموهبة، مع ازدياد مساحة الوعي، كما أنّها سيرورة تنطبق على كل العصور والأزمنة، منذ أن بدأ الإنسان يفكر ويَعي ويُبدع، وإذا كان الفنّ مرتبطاً بالوعي فهو أداة تحرّر، على المستوى الفردي كما على المستوى الجماعي، السؤال الذي يطرح نفسه، هل لابدّ من تشويه هذه الطاقة، طاقة الفنّ، وحرفِها عن مسارِها، من أجلِ كبتِ الإنسانية وتسييرِها حسبَ ما تقتضيه مصالح رعاة العالم؟ إذ على عكس ما يُروّج له اليوم بأنّنا في عصر الحريّات، فإنّ السياسات العالمية والمحلية، توظّف الثقافة والمثقّفين وكل منصّات التأثير وصناعة الرأي من أجل تَسييسِ الجماهيرِ وتَسييرها.