من الممكن أن نقول إن البراغماتية مصطلح فضفاض، وربما يُعدّ من أبرز المصطلحات التي يتّسع معناها للكثير من التأويلات وفقًا لاستعمالاتها المكثّفة في الحياة السياسية اليوم. وعلى الرغم من الاستخدام الواسع للمصطلح، إلا أنه قلّما نجد تفسيراً محدّداً له حتى لدى الباحثين والسياسيين. سأحاول في هذا المقال قدر الإمكان البحث في نشأة المصطلح وتحولاته وتقاطعاته مع مصطلحات أخرى، وكيفية انتقاله من حقل الفلسفة إلى حقول الإدارة والسياسة داخلياً وخارجياً، ليصبح أداة لتبرير جرائم حرب وجرائم بحق الإنسانية.
البراغماتية كفلسفة
ظهرت البراغماتية كمدرسة فلسفية في الولايات المتّحدة الأمريكية، وتُعتبر "أهم إسهام أمريكي في تاريخ الفلسفة الغربية"[1]. كما ترجّح بعض الدراسات أنّ المشاعر الشوفينية الأمريكية هي التي فرضت على البراغماتية تحوّلها إلى حركة فكرية[2]، وذلك بسبب الحاجة لوجود فلسفة أمريكية مميزة. الكلمة مشتقة من اليونانية (πρᾶγμα، بِراغْما) والتي تعني الفعل أو العمل، وأدخلها إلى مجال الفلسفة لأول مرة الفيلسوف الأمريكي تشارلز بيرس في سبعينيات القرن التاسع عشر. بعدها، اضطلع الفيلسوف جون ديوي في نهايات القرن نفسه بإعادة إحيائها والتوسع في تفسيرها. يرى بيرس أن البراغماتية كمفهوم فلسفي تشير إلى أن المعتقدات هي في الواقع قواعد للأفعال. أي أنّ معنى أية فكرة أو مفهوم لا يُفهم بمجرد تعريفه بالكلمات، بل يُفهم عندما نعرف ماذا يغيّر في الواقع وكيف ينعكس على تصرّفاتنا وتوقعاتنا. وفي حال لم يكن هنالك أي اختلاف على أرض الواقع أو بالنتائج، فإن الاختلاف في المعتقدات أو الأفكار لا يُعدّ حقيقيًّا أو ذا معنى. يوافقه ويليام جيمس بذلك، إذ يعتبر أنه "من المدهش أن نرى كيف تنهار العديد من الخلافات الفلسفية إلى حد التفاهة بمجرد إخضاعها لهذا الاختبار البسيط المتمثل في تتبّع نتيجة ملموسة"[3].
من منظور جيمس، فإن البراغماتي يبتعد عن الأفكار التي تبقى معلّقة في الهواء وعن الفصاحة اللغوية التي تُضمر خلفها ضعفاً في التطبيق العملي لهذه الأفكار، ولا يثق بالتفسيرات التي يُنظَر لها بأنها موجودة مسبقاً حتى قبل الشروع بالفعل. كما لم يحبّذ جون ديوي اتباع المبادئ التي تدّعي تفسير كل شيء مرة واحدة وإلى الأبد، والتي تُعامَل كحقائق نهائية لا يمكن مراجعتها. كما فضّل أن يُنظَر إلى الوقائع كما تظهر في الحياة، والتركيز على الفعل والتجربة، والاحتكام إلى النتائج. ووفقًا لجيمس، فإن البراغماتي يتّصف بالقوة التي تشير في سياق حديثه إلى القدرة على إحداث الأثر والتغيير وتحسين الواقع، ولا يعني بها القوة كفاعل قهري وممارسة تعسّفية للسلطة على من هم أضعف.
يؤمن البراغماتيون بوجود دافع جوهرانيّ لدى البشر جميعاً يدفعهم إلى جعل معتقداتهم متماسكة ومُقنعة. وهذا الدافع لا ينبع من حب البشر للحقيقة، وإنما لأنّ العقل البشري له قدرات محدودة في احتمال عدم الاتّساق. وعليه، فإنّ الحقيقة بالنسبة للبراغماتية نسبية، ويعرّفها ريتشارد روتري بأنها "مجرد إطراء يُقدّم للمعتقدات التي نراها مُبرّرة تمامًا لدرجة أننا لا نحتاج، في الوقت الراهن، إلى مزيد من التبرير"[4]. وذلك لأن البحث والاستفسار، سواء كان في حقل العلوم أو أي حقل آخر، لا يستهدف الوصول إلى حقيقة مطلقة، بل إلى عاملين، أولهما هو رفع كفاءة المبررات والدفوعات التي تدعم المواقف والآراء التي يتبناها البراغماتي، وثانيهما تقليل الشكوك والانتقادات حول هذه الآراء. من هذا المُنطلق، يمكن القول إنّ البراغماتيين مقتنعون بإمكانية التحسين الدائم على المعتقدات والأفكار إذا ظهرت أدلة جديدة تفرض عليهم تعديلها.
في نقده لهذا المنطق البراغماتي، يشير المفكّر زيغمونت باومان إلى أن قناعة المفكرين البراغماتيين، وتحديداً الجدد منهم، بالحقيقة النسبية القائمة على الحوار لا تأتي باعتبارها قبولاً بإنهاء دور الفيلسوف التقليدي الذي يقدّم التشريعات الثابتة والحقائق المطلقة للناس، والاتجاه نحو الاستماع للمجتمع أولًا وقبول التطورات التي تحصل فيه، إنما هي أحد "أشكال الدفاع عن نمط حياة المثقف الغربي في مواجهة التلاشي التدريجي لليقين الذي كان قائماً على ’تفوّق‘ المجتمعات الغربية الواضح"[5]. أي أن البراغماتية بحد ذاتها هي أحد أنماط التأقلم مع حالة عدم اليقين التي تسود مرحلة ما بعد الحداثة التي فرضها النظام النيوليبرالي على المجتمعات الغربية، وتهدف إلى ضمان استدامة دور المثقف الغربي وتقديم المبررات الأخلاقية التفسيرية لتصرفات المجتمع الغربي.
يطالب الفلاسفة البراغماتيون دوماً بالنظر إلى الجانب الأخلاقي من كل رأي أو معتقد أو قرار يُتّخذ، لأن البراغماتيين كما أشرنا سابقاً ينتظرون من هذه المعتقدات أن تُترجَم على أرض الواقع إلى إجراءات أو حلول لمشكلات حياتية تؤدي على المدى الطويل إلى تحقيق سعادة إنسانية أكبر. لذلك، فإن الأخلاق تعني توسيع دائرة التضامن الإنساني، بحيث يصبح "التطور الأخلاقي في الفرد، والتقدم الأخلاقي في الجنس البشري ككل، هو مسألة إعادة تشكيل للذوات البشرية، لتوسيع تنوّع العلاقات التي تشكّل تلك الذوات" إلى جانب "زيادة الاستجابة لاحتياجات مجموعة أكبر وأكثر تنوّعًا من الناس والأشياء"[6].
البراغماتية كمنهج عملياتي يومي
في الجانب السياسي، فإن الفلاسفة البراغماتيين يعتبرون البراغماتية أداة محايدة يمكن استعمالها من قبل جميع الأطراف على حدّ السواء، سواء كانوا في أقصى اليمين أو أقصى اليسار، على عكس أي مدرسة فكرية سابقة؛ فالماركسية، مثلًا، لا يمكن تطبيقها في نظام سياسي رأسمالي، والليبرالية لا يمكن تطبيقها في نظام سياسي شيوعي. كما أنّ البراغماتية لا تهدف إلى جعل الفلسفة تسمو على السياسة، بحيث لا يمكن للسياسي البراغماتي أن يجد أجوبته في النص أو الفكر الفلسفي، إنما عليه أن يجرّب ويتعامل مع كل موقف على حدة. مع ذلك، فإن البراغماتيون الجدد يتفقون مع منظور جون ديوي باعتبار البراغماتية تمهيدًا للسياسة الديمقراطية، وذلك لأن التوافق بين أكبر قدر ممكن من أعضاء المجتمع على رأي أو موقف مُبرَّر يكون بنقاش حرّ ومفتوح، ليس بالقهر وفرض السلطة.
تاريخيًّا، نشأت وتطورت الأفكار البراغماتية باعتبارها "واحدة من ردود الفعل الأمريكية الفريدة على الحداثة، والتي كانت بحالة نفور دائم من الصراع الأيديولوجي"[7]. بالنسبة لديوي، فالأفكار ما هي إلا أدوات أو حتّى أسلحة[8]. لذلك، فإن الأفكار ليس من المفترض لها أن تبقى جامدة، وإنما يجب أن تتأقلم مع ظروف الحياة المتغيّرة وفقاً للاحتياج الأدواتي في كل مرحلة. انعكست هذه التصورات الفكرية عملياً على الإدارة والمؤسسات الاجتماعية والسياسية، بحيث حصل انزياح في الاهتمام العام من التركيز على الاختلاف الأيديولوجي إلى التركيز على تقديم حلول للمشاكل بشكل فعّال. لذلك، من خلال عدسة البراغماتية،أصبح اهتمام هذه الفئات منصبًّا على النهايات بدلًا من الغرق في التحليلات المسبقة.
من هنا، تطوّر منهج البراغماتية ليمتد أبعد من غرف النقاش الفكري والفلسفي ويصبح تعبيراً عن أي منهج عمليّ لحل المشكلات يخدم الغاية النهائية، والتي يجب أن تجلب المنفعة للناس والمجتمع. وقسّم علماء السياسة والاجتماع البراغماتية العملية إلى نوعين [9]، الأول هو البراغماتية الصغرى وتضم براغماتية الأفراد والفاعلين الصغار، والذين يسعون دوماً إلى التحرر من الأيديولوجيا أو القيم الراسخة بهدف تحقيق منافع ذاتية. والنوع الثاني هو البراغماتية الكبرى، وهو الذي ينعكس على تصرّفات الفاعلين الكبار مثل الدول والمؤسسات والشركات الكبرى التي تتخذ قرارات وإجراءات قد تُنافي قيمها أو أيديولوجياتها بهدف تحقيق منافع معينة.
في البراغماتية الصغرى، يمارس أغلب السياسيون الذين يسعون إلى إطالة أعمار مدة بقائهم في السلطة نوعاً من البراغماتية، مثل تلك البراغماتية التي تفرض على الرئيس التركي أن يبدّل تحالفاته داخليًّا طوال الوقت لضمان نجاحه بالانتخابات مرة تلو الأخرى. أما بالنسبة للبراغماتية الكبرى على مستوى الدول، فإن انفتاح أكبر نظام شيوعي في العالم على التجارة الحرة الدولية وانضمام الصين لمنظمة التجارة العالمية قد يكون أكثر الإجراءات الدولية براغماتية في التاريخ.
ولكن مثل كل الأفكار الفلسفية، لا تظهر مشاكل البراغماتية إلا عند التطبيق. من أجل إبراز هذه المشاكل، دعونا لا نكتفي بتقسيم البراغماتية إلى كبرى وصغرى، وبدلاً من ذلك لنربط ممارسة البراغماتية بحجم القوة والنفوذ المُتاحين سواء للأفراد أو للدول. من خلال الملاحظة المجرّدة، يمكن الاستدلال بأنّ هنالك فوارق بين ممارسة البراغماتية من واقع القوة أو من واقع الضعف. فمدير الشركة البراغماتي (القويّ بحكم مكانه وسلطته) يمكنه ببساطة إقالة عشرات الموظفين بهدف خفض النفقات كي يُحقق ربحاً للشركة أو كي يثبت لمجلس الإدارة قدرته على ترشيق العمل وضبط الإنفاق، يمكن لنا أن نأخذ أسلوب كارلوس غصن في تعامله الإداري مع موظفي الشركات التي أدارها كمثال على البراغماتية الإدارية،حيث انصبّ تركيزه على النتائج الرقمية الملموسة والإنقاذ المالي للشركات فوق كل اعتبار ولو على حساب مئات الموظفين الذين تعرضوا لضغوطات كبرى في عملهم. والموظف (الضعيف بحكم هزالة تأثيره الفردي) سيمارس ما يلزم من التلوّن وتقديم التنازلات الأخلاقية والفكرية كي يحصل على ترقية يصبح فيها قريباً من المدير ليحمي نفسه من الإقالة أو يحصل على ترقية عبر العلاقات الشخصية.
أما على مستوى الدول، فإن الدولة القوية ستُبرّر قراراتها بممارسة العنف والدمار ضد شعوب ودول أضعف بأنها إجراءات براغماتية للوصول إلى نتائج معيّنة. لنأخذ مثالاً العقوبات الاقتصادية الأمريكية على العراق بعد حرب الخليج الأولى، والتي تسببت بوفاة أكثر من نصف مليون طفل عراقي، بالنسبة لوزيرة الخارجية الأمريكية في حينه مادلين أولبرايت فإن التسبب بوفاة هؤلاء الأطفال هو ثمن يستحق أن يُدفَع كي لا يشكّل صدّام حسين أي تهديد للجيش الأمريكي ولأي دولة أخرى في منطقة الشرق الأوسط. أما على مستوى الدول الضعيفة، فإن تحمّل التنمّر والمبالغة بالتملّق للرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو إجراء براغماتي طالما يوصل تلك الدول إلى نتيجة عدم التعرّض لتعرفة جمركية كبرى.
لم يكن هذا التطور للبراغماتية غائباً عن إدراك الفلاسفة غير البيض من البداية. فالفيلسوف المكسيكي خوسيه فاسكونسيلوس قال منذ ثلاثينيات القرن الماضي إن البراغماتية ما هي إلا فلسفة عسكرة، وأداة للهيمنة، ومُيسّر للإمبريالية الأمريكية التي تنشرها الطبقة الاجتماعية الحاكمة في الولايات المتحدة[10].
تبدو البراغماتية الضعيفة أكثر قرباً للانتهازية في كلتا حالتيها الكبرى (على مستوى الدول والمؤسسات) والصغرى (على مستوى الأفراد)، فالشخص أو الدولة على استعداد لاتخاذ قرارات تخدم مصلحة معيّنة، لكن هذه القرارات محمّلة بقدر كبير من التنازلات، وقد لا تكون على مستوى الأيديولوجيا فقط، إنما على مستوى الكرامة سواء الشخصية أو الوطنية. لم تعد البراغماتية الضعيفة تعبّر عن المرونة مقابل الجمود الفكري أو الأدواتي، فالمرونة مع ظروف مختلفة بلا شك هي ضرورة للبقاء حتى في الطبيعة، ومن لا يتكيّف مع الظروف الجديدة مصيره الانقراض.
ولكن، ما هي حدود التنازلات التي يمكن للبراغماتي تقديمها وما هي الأهداف لهذه التنازلات في النهاية؟ في حين تبدو البراغماتية القوية وهي تفصح عن نفسها بوقاحة أقرب إلى الميكافيلية، فالنتيجة النهائية هي الأكثر أهمية بغض النظر عن التبعات الأخلاقية للقرارات التي تُتّخذ.
ولتوضيح أنواع البراغماتية، يمكن الاطلاع على الجدول التالي:
كما تخلق البراغماتية كمنهج عمليّ فتوراً في الرغبة بتحدّي الوضع القائم، حيث تتوقع من أتباعها الاستفادة من الوضع القائم لتحقيق أكبر المكاسب المتاحة. إذا كان الفرد ضعيفًا فلن يحاول التمرّد لأجل التغيير، ولكنه سيجد طريقه بوسائل أكثر تملّقًا، وإن كان قويًّا فلا حاجة للتفكير بأي قيمة أخلاقية مثل العدالة والإنصاف طالما المنفعة الشخصية تتعاظم بالنسبة له.
ولأن الفلاسفة البراغماتيين كانوا على وعي بجزء من المشاكل المذكورة مسبقًا، فقد أولوا أهمية كبرى لضرورة أخذ الأخلاق بعين الاعتبار، لكن نقاش الأخلاق متأخر جداً، فما شرحه فريدريك نيتشه في كتابه جينيالوجيا الأخلاق يشير ببساطة إلى أن القوي هو من يتحكّم بالأخلاق ويبرّرها كما يشاء. وعليه، فإن البراغماتية تطبيقياً وعند استعمالها في الإدارة أو في السياسة، أي خارج إطار الأكاديميا والمنهج البحثي، تتحول إلى أداة تبرير خطيرة طالما النتيجة النهائية هي في مصلحة القوي أو المُتلاعِب فقط دون أي اعتبار آخر.
هوامش:
[1]: Democratic Hope: Pragmatism and the Politics of Truth. Robert B. Westbrook; Robert B. Westbrook Cornell University Press, Ithaca, 2015.
[2]: Brandom, Robert B. (2021). Foreword: Achieving the Enlightenment. In Richard Rorty, Pragmatism as anti-authoritarianism. Cambridge, Massachusetts: Harvard University Press.
[3]: Pragmatism: A New Name for Some Old Ways of Thinking. William James, 2018.
[4]: Objectivity, Relativism, and Truth: Philosophical Papers (Philosophical Papers, Vol 1) (Volume 1) Richard Rorty Cambridge University Press (Virtual Publishing), Philosophical papers;, v. 1, Cambridge, New York, England, November 30, 1990.
[5]: Marek Kwiek, Rorty’s Elective Affinities: The New Pragmatism and Postmodern Thought. Wydawnictwo Naukowe IF UAM. Poznań, 1996.
[6]: Pragmatism as Anti-Authoritarianism Richard Rorty Edited by Eduardo Mendieta Foreword by Robert B. Brandom THE BELKNAP PRESS OF HARVARD UNIVERSITY PRESS Cambridge, Massachusetts, and London, England · 2021.
[7]: Democratic Hope: Pragmatism and the Politics of Truth. Robert B. Westbrook; Robert B. Westbrook Cornell University Press, Ithaca, 2015.
[8]: نفس المصدر السابق.
[9]: Towards Strategic Pragmatism in Foreign Policy. Charles Chao Rong Phua, 2022.
[10]: MacMullan, Terrance (2015). Pragmatism as Gunship Philosophy: José Vasconcelos’ Critique of John Dewey. Inter-American Journal of Philosophy 6 (1):16-31.