ما زال الحديث عن طوفان الأقصى – السابع من أكتوبر/ تشرين الأول - محصوراً في أطر التحليلات السياسية التي تعقلن الفعل ورد الفعل ضمن ضوابط علاقات القوى في المنظومة الاستعمارية الإمبريالية القائمة – أو النظام العالمي الليبرالي الرأسمالي، وطبيعة مسار الاستراتيجيات الدولية الخاضعة للقواعد والحدود والقوانين ذاتها. ما بين تحليلات الفوز والخسارة، صوابية وسداد الفعل مقارنة بتبعاته، تحقيق الأهداف الاستراتيجية، واجترار الشعارات الثورية الجياشة، تبقى قراءة فعل الطوفان بعلاقته مع منظومة الاستعمار الاستيطاني وطبيعتها البنيوية مهمشة في القراءات والتحليلات.
يردد الكاتب والمؤرخ نورمان فِنكلستين في حواراته بأن من عبروا جدار الاحتلال في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول هم أولئك الذين ولدوا في غزة وتركوا لموتهم البطيء. كما يؤكد أن الفلسطينيين - وفي مقدمتهم حماس - حاولوا وسعوا بشتى الطرق والسبل لإنهاء الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، وقبلوا بخسارة أراضي الـ٤٨ لتحصيل حياة كريمة تليق بشعب كريم. رغم إن قراءة فِنكلستين سليمة ضمن أطر علاقات القوى داخل المنظومة القائمة على الهيمنة الغربية، ومركزية النظام الدولي، إلا أنها تفتقر إلى قراءة الطوفان خارج هذه الأطر، والتي أرى بأنها ستبقى قراءات ناقصة ما دامت تعتمد على منهجية التحليل العقلاني الذي يستند على الحقائق التاريخية والمادية، بينما فعل الطوفان هو فعل لا عقلاني، قام على كسر الأطر المفروضة على الشعب الفلسطيني المُستعمَر بفعلٍ مادي مضاد قائم على خلق فضاء يلغي منظومة الاستعمار الاستيطاني الصهيوني؛ أي فضاء محو مضاد للاستعمار الاستيطاني الذي يقوم بنيوياً على منطق إزالة ومحو السكان الأصليين. بتعبير آخر، طوفان الأقصى هو الفعل التحرّري الديكولونيالي الأول في تاريخ العرب، والمنطقة كاملة.
(أستخدم وأصرّف مفردة "ديكولونيالية" دون ترجمتها إلى "إلغاء الاستعمار" أو "محو الاستعمار" لأن دلالات الديكولونيالية تتجاوز الإلغاء. هي إلغاء وخلق وتجدّد وتفاعل وتجسّد بذات الوقت).
تقوم طبيعة الاستعمار الاستيطاني وتركيبته البنيوية على محو وتدمير النظم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للسكان الأصليين، مدفوعة بما يسميه باتريك وولف "منطق الإزالة". فالاستعمار الاستيطاني سيرورة محو متعددة الأبعاد والتمثلات، تتشكل ضمن آليات إحلال سياسية عنيفة ومتوحشة تعمل على اقتلاع السكان الأصليين من خلال تقويض وجودهم كوحدة متماسكة. أي أن نظام الاستعمار الاستيطاني إبادي في بنيته. فعملية بناء المنظومة الاستعمارية الاستيطانية هي بذاتها عملية إفناء السكان الأصليين، وهويتهم الوجودية. وليس مجازاً القول إن الاستعمار الاستيطاني إبادي في بنيته.
تعرّف الإبادة الجماعية في المادة الثانية في «اتفاقية جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها» بأنها أي من الأفعال التالية، المرتكبة بهدف التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية، بصفتها: أ) قتل أعضاء من الجماعة، ب) إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة، ج) إخضاع الجماعة، عمداً، لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كلياً أو جزئياً، د) فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة، هـ) نقل أطفال من الجماعة، عنوة، إلى جماعة أخرى.
توضح شيري رُزِنبرغ في دراستها «الإبادة سيرورة وليست حدثاً» أن الإبادة كونها سيرورة تعتمد بشكل كبير على أساليب محو وتدمير غير مباشرة لتحقيق نجاحها. كما تحاجج رزنبرغ بأن الانشغال والتركيز على أعمال القتل الجماعي والعنف المفرط وأعداد الضحايا يخفي ويطمس آليات ما يسمى في دراسات الإبادة الحديثة بـ"الإبادة بالاستنزاف" أو "الإبادة البطيئة"، مثل سياسات وآليات التجويع والإفقار، وسلب المجموعة البشرية المستهدفة أبسط حقوقها ومقومات استمرارها. فالإبادة الجماعية لا تنحصر بفعل القتل والتدمير المادي المباشر، إنما تتجسد من خلال مجموعة السياسات والقوانين والممارسات التي توجد وتكوّن ظروفاً تؤدي إلى إفناء وتدمير الجماعة المستهدفة، سواء كان ذلك إفناء وتدميراً كلياً أو جزئياً. تقول رزنبرغ "إن الفشل في إدراك سيرورة الإبادة بالاستنزاف يعكس فشلاً عاماً في فهم العلاقة ما بين ظروف الحياة التي تؤدي إلى الإبادة الجماعية الجسدية والقرارات السياسية التي خلقت وشكلّت هذه الظروف".
في دراسته «إعادة صياغة مفهومي الاستعمار الاستيطاني والإبادة الجماعية مع إشارة خاصة إلى فلسطين وسريلانكا وأستراليا: تأملات في كتاب داميان شورت ‘إعادة تعريف الإبادة الجماعية: الاستعمار الاستيطاني والموت الاجتماعي والإبادة البيئية‘» يضيء جون دوكر الجوانب المعتمة من مفهوم الإبادة وعلاقتها بالاستعمار الاستيطاني، مستنداً على تحليل شورت في كتابه، والذي استند بدوره على تعريف رفاييل ليمكِن في كتاب «حكم قوات المحور في أوروبا المحتلة». يقول ليمكِن إن للإبادة الجماعية مرحلتين "الأولى تدمير أنماط الحياة [الوجودية والثقافية] للجماعة المضطَهَدَة؛ والثانية فرض أنماط حياة المُضطهِد. وقد يُفرض هذا الواقع [التدميري] على من بقي من السكان المضطَهَدين، أو على الإقليم [المستعمر أو المحتل]، بعد تهجير السكان واستعمار المنطقة من قِبل الجماعة المُضطهِدة". ويؤكد أن الإبادة الجماعية لا تنحصر أو تنطوي في عملية القتل الجماعي المتوحش، إنما تتشكل ضمن سيرورة من سياسات المحو البطيء والممنهج، كاستخدام قوانين الاقتصاد والصحة والماء والأرض والغداء لفرض واقع يستنزف وينتهك وجود الشعب المُستعمَر أو المحتَل.
حسب دوكر، تكمن أهمية كتاب شورت في تعقبه أثر سيرورة الاستعمار الاستيطاني الصهيوني منذ نهايات القرن التاسع عشر. منذ البداية عزمت الحركة الصهيونية على محو الوجود العربي من أراضي فلسطين، ووضعت مسار إبادة بطيئة تبلورت في خطة دلتا عام ١٩٤٨. فالقتل والتدمير الممنهج في النكبة كان نتاج سيرورة البنية الإبادية للاستعمار الاستيطاني الصهيوني. وما حدث على كامل الأراضي الفلسطينية في النكبة لم يكن حرباً ما بين جماعتين، بل تنفيذ مشروعٍ إباديٍ محكم ومحدد الأهداف. إنكار إبادة ١٩٤٨ أو التقليل منها هو إنكار لأحقية الوجود الفلسطيني نفسه. وعملية الإنكار والتقليل والتخفيف من هول النكبة هو مكون من مكونات الإبادة ذاتها. وبالتالي هو تواطؤ في محو التاريخ الفلسطيني العربي.
عاشت غزة تجربة خاصة بعد النكبة مع التطهير العرقي والتهجير القسري الذي أجبر الفلسطينيين للنزوح من قراهم، حيث استقبلت أكثر من ٢٠٠ ألف مهجّر، دمرت بيوت معظمهم بالكامل ومسحت من الخريطة. نتيجة لسياسات الإبادة بالاستنزاف منذ نشوء الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، شبّه مسؤول الأمم المتحدة إيدسون بيرنز غزة عام ١٩٥٥ بمعسكر الاعتقال القسري. اشتدت الظروف سوءاً مع النكسة عام ١٩٦٧، وتفاقمت مع فرض الحصار الكامل عام ٢٠٠٧. (لا يتسع المجال هنا للدخول في تفاصيل ما بعد النكسة حتى ٢٠٠٧، لكنه واقع انكشف مع سياسات الحصار الكامل).
منذ فرض الحصار الكامل على غزة، عمل الاستعمار الاستيطاني الصهيوني على فرض مجموعة مركبة من سياسات المحو البطيء والممنهج، مستخدماً آليات وقوانين تدهور الاقتصاد والصحة والماء والأرض والغداء لفرض واقع يستنزف أهل غزة وينتهك وجودهم. عام ٢٠١٢، نشر فريق الأمم المتحدة في الأراضي المحتلة تقريراً يفصّل أوضاع غزة آنذاك. خلص الفريق إلى استنتاج واضح وصريح: في حال لم تتغير الظروف المفروضة على الفلسطينيين في غزة، سيؤول القطاع إلى مكان غير صالح للعيش في حلول عام ٢٠٢٠. كان ذلك بناء على واقع ما قبل حربي ٢٠١٢ و٢٠١٤، ومسيرة العودة عام ٢٠١٨، ومعركة سيف القدس عام ٢٠٢١، وحرب عام ٢٠٢٢، إضافة لتشديد وتكثيف سياسات الاستنزاف الإبادي البطيء على أهل القطاع.
على سبيل المثال، عام ٢٠١١ كانت نسبة البطالة في القطاع ٢٩٪ لتعداد سكاني يقارب مليون و٦٠٠ ألف نسمة. كان أكثر من نصف السكان يعيش انعدام الأمن الغذائي، و٩٠٪ من المياه في القطاع غير صالحة للشرب. عام ٢٠٢٣، قبل الطوفان، بلغ عدد سكان القطاع مليونين و٢٠٠ ألف نسمة، يعاني ٦٥٪ منهم انعدام الأمن الغذائي. سجّل القطاع أعلى معدل بطالة في العالم، إذ يعيش ما يقارب ٨٠٪ من السكان في فقر. بينما ٩٥٪ من المياه في القطاع غير صالحة للشرب؛ علماً أن نصف سكان القطاع أطفال.
ليست التقارير والإحصاءات والأرقام مجرد مستندات ومراجع تزيّن الدراسات الأكاديمية والتحقيقات الصحافية. إنما انعكاس – وإن كان جزئياً - يظهر حياة الغزيين وواقعهم اليومي الذي يغذي منظورهم الوجودي وتطلعاتهم، كما يصوغ عقدهم الاجتماعي ونتاجهم الثقافي وأحلامهم التي يسعون لتحقيقها. وهذا يدفعنا للوقوف وإعادة التفكير بواقع يومي لجماعة بشرية عربية يجسّد سيرورة إبادة استنزاف مستمرة منذ أكثر من سبعة عقود. والإبادة هنا ليست مجازاً.
كتب أستاذ مساعد في قسم علم الجريمة والعدالة الجنائية في جامعة فريزر فالي الكندية مارك كرستن عن الإبادة في غزة مقالة بعنوان «الإبادة لا تحدث صدفةً»، مؤكداً أن جريمة الإبادة الجماعية ليست فشلاً في عمل المؤسسات وسياساتها، بل نتيجة نجاح العمل المؤسساتي القائم على السياسات العنصرية المصممة على تجريد جماعة بشرية من إنسانيتها، والتلاعب بالرأي العام، وبرمجة شعب الدولة المشرفة على سيرورة الإبادة إيديولوجياً لإنكار حق الشعب المقموع والمضطهد. بتعبير آخر، لا ترتكب دولة الفظائع والمجازر الوحشية بالخطأ؛ إنما محصلة سياسات مؤسساتية منظّمة ومدبّرة. فالإبادة سيرورة تجسّدُ سياسات واقع مادي، لا مجازاً خاطفاً، ولا انبثاق لحظة جنون وحشي.
عاش الغزّيّون سيرورة الإبادة بالاستنزاف وتشربها وعيهم وتشبعتها أجسادهم وتوسّمتها أرواحهم. فمسيرة العودة الكبرى كانت صرخة في وجه الاستنزاف، ووعيا به. وكانت المقاومة آن ذاك قد أدركت جيداً أن الحصار ليس حالة ضغط للاستسلام أو التسليم، بل تقويض ممنهج لوحدة المجتمع الفلسطيني. فلم يعد مسار الاستعداد لخوض معارك متفرقة كافيًا في مسار التحرير. فسياسات الاستنزاف الصهيونية تطبق على الهواء المتنفس في غزة. فقد حول الكيان القطاع إلى مختبر للتكنولوجيا والأسلحة والأدوية والتجارب البشرية البشعة. كما صمم سجونه لتكون جحيم الوجود الفلسطيني. جاءت معركة سيف القدس كردة فعل على سياسات الإبادة بالاستنزاف. فالفلسطيني المقاوم لا يفصل الأراضي المحتلة عن بعضها. فلسطين كلها محتلة. وبالتالي ما يجري على أي فلسطيني في العالم يجري على كل فلسطيني. هذا الوعي الحاد عند فصائل المقاومة في غزة فرض عليها مسؤولية المبادرة. لذلك بدأت بالاستعداد لفعلٍ مغايرٍ بعد سيف القدس. فعلٌ لا يصد أو يوقف الإبادة البطيئة وحسب، بل يلغيها ويوحد الفلسطينيين جميعاً. فجاء طوفان الأقصى.
طوفان الأقصى فعل وليس ردة فعل. هو مواجهة مضادة لآلة المحو الصهيونية بكونه فعلاً ملغياً لفضائها، لا ارتداداً لمجموعة الظروف التي فرضتها منظومة الاستعمار الاستيطاني على الفلسطينيين الغزيين. ما أربك جيش واستخبارات الكيان الصهيوني هو الفضاء الذي فُتح وهزّ الوجود الاستعماري لخلقه واقعاً مجهولاً ومنفتحاً على كل الاحتمالات. لقد صدع الطوفان، بكونه فعلاً تحرّريا ديكولونيالياً، المنظومة الاستعمارية الاستيطانية بنيوياً لأنه ألغاها في المساحة التي اخترقها المقاتلون الغزّيّون، ولأنه فعلٌ لا عقلاني بالضرورة. وهذا يعني أن فعل الطوفان بذاته خارج عن الضوابط والحسابات والقراءات والقواعد التي تفرضها وتحددها وتدفع بها علاقات القوى التي تضبط مسار التدافع والصدام والصراع السياسي- الوجودي. دخول المقاومة اللبنانية إلى المعركة وفتحها جبهة الإسناد ضمن استراتيجية حربية وسياسية منضبطة فعل عقلاني. دخول أنصار الله في اليمن وإغلاقهم مسار التجارة البحرية فعل عقلاني. حرب سيف القدس عام ٢٠٢١ فعل عقلاني. هي أفعال عقلانية لأنها تلتزم بموازين علاقات القوى، وتبني وتستقرئ النتائج بناءً على حسابات توازن أنتجتها علاقات القوى ذاتها. فكانت سيف القدس عام ٢٠٢١ ردة فعل مقاوم. وكان دخول المقاومة اللبنانية وأنصار الله فعلاً مقاوماً في مسار مشروع التحرير. لكنه – أي فعل حرب الإسناد - ليس ديكولونيالياً للالتزام بالضوابط والحسابات. وهذا ليس للتقليل من قيمة التضحيات وعظمة الأفعال، بل محاولة فهم لطبيعتها وبناها ومعناها ما أثر عليها.
يذكر فرانز فانون في كتاب "معذبو الأرض" أن الفعل الديكولونيالي يغيّر الوجود تغيّيراً جذرياً، كونه فعلًا يلغي المنظومة الاستعمارية والأصول والقوانين والقواعد التي بنيت وأسست عليها. هو فعل محو مضاد لمنظومة المحو الاستعمارية. فلا يمكن فهم الفعل الديكولونيالي واستيعاب دلالاته وأبعاده إلا بمقدار إدراك الحركة التاريخية التي تمنحه الشكل والمضمون والمعنى. غير أن التغيير الجذري ليس وليد لحظة ولا عبور حاجز. بل سيرورة تشكّل وجودي للفضاء الديكولونيالي. أي أن الطوفان تهديدٌ وجودي للاستعمار الاستيطاني الصهيوني، وخلقٌ جديدٌ للتحرّر الفلسطيني. هذا لا يعني أن الفصائل الفلسطينية في غزة كانت تشكل تهديداً وجودياً لإسرائيل. إنما فعل الطوفان بما أحدثه من صدع في منظومة الاستعمار الاستيطاني خلق فضاء يهدد وجودها، لأنه أربك وأخل في بينتها وسياسات استمرارها بشكلها السابق للطوفان.
من الطبيعي ألا يعرف من عبر الجدار نتائج ما قد يحدث بعد عبوره. فعل الطوفان هو فعل محو مضاد لمنظومة الاستعمار الاستيطاني وأسس النظام العالمي، وبالتالي خلق فضاء بلا ضوابط ولا قوانين ولا حدود سوى ما يفعله المقاومون. أي فضاء تحرّرٍ ديكولونيالي، وليس فضاء تحرير. فالتحرير يعمل ويقنن ويتحرك بضوابط وأطر. لكن فعل التحرّر الديكولولنيالي – اللاغي لكل النظم القائمة – هو خلق جديد من عدمية الاستعمار الاستيطاني، أي فضاء حر وممكن بالمعنى الفلسفي للمطلق. وبالتالي من الطبيعي والمرجح ألا يتوقع ولا يعرف ما بعد هذا الفعل، وما النتائج التي ستبنى على إثره. فالفعل بحد ذاته بداية سيرورة. وما نعيشه اليوم هو سيرورة فعل الطوفان. خلق مرحلة جديدة مفتوحة على الاحتمالات. هي مرحلة الطوفان، لا ما بعد الطوفان. فالطوفان ليس حدثاً عابراً.
هل عرف السنوار ورفاقه أن فعل الطوفان هو فعل ديكولونيالي؟ الإجابة عن هذا السؤال لن تغير ولن تضيف شيئاً. فالفعل قام وحدث وخلق وكوّن وغيّر. ولأن الفعل التحرّري الديكولونيالي قائم بذاته، من الخطأ أن ترجع التحليلات والقراءات إلى نوايا أصحاب الفعل. فالتكهن بالنوايا لن يلغي أو يغيّر طبيعة الفعل. غير أن الوعي بضرورة الفعل، والإقدام عليه، هو وعي يتجاوز التحرير بالمنظور الجدلي المادي، لأنه تجاوز لضوابط الزمن السياسي الراهن. ومن الخطأ وصف الفعل الديكولونيالي بالجنون أو العملية الانتحارية. لأن مثل هذا التوصيف يخضع إلى عاملين. الأول، اعتراف مسبق بالهزيمة والخنوع نتيجة لقمع المنظومة الاستعمارية اللامرئي للوعي وهوية المكان. الثاني، إلغاء الشعب المُستَعمر وجودياً وسلبه من قدرته على الفعل. وهذان العاملان نتاج لسياسات المنظومة الاستعمارية الاستيطانية. بتعبير آخر، هذان العاملان مكون من مكونات سيرورة الإبادة بالاستنزاف. لأن استنزاف الوعي حتى المحو، أي محو الوعي بذاتية الهوية المحلية وقدرتها على الفعل، هو جزء أساسي من الإبادة – الثقافية - البطيئة. قراءة الطوفان بكونه فعلاً تحرّرياً ديكولونيالياً يفتح فضاءً ثقافياً جديداً لقراءات ودراسات تخلق وعياً بذاتية صيرورة الهوية والمجتمعات العربية في المرحلة الراهنة.