تبدأ قصيدة حسين بن حمزة، الشاعر الكردي السوري المقيم في ألمانيا منذ سنوات، تبدأ من النهاية التي هي خلاصةٌ وإيجازٌ ووداعٌ. لكنَّ شعراً كهذا الذي في ديوان "كمن يريد أن يمحو"، الصادر عن دار النهضة العربية، بيروت 2025، ليس إيجازاً فحسب ولا هو تلخيص لما يصحّ أن يكون موضوعاً للقصيدة. ليس وداعاً بما هو تخلٍّ فحسب. قد يحمل من التخلي معاني الزهد والتخفف لكن ليس على الوجه الصوفي أو الروحاني الشائع والمعتاد.
القصيدة هنا ذات جوهر خاص. وجوهرها عميق وأليف بآن واحد: إنه الشعر نفسه الذي هو سؤالٌ وحيرة، غربة ويتمٌ، تجوال وترحال داخل النفس وخارجها، ورؤية للأشياء والأحداث كما لو كانت تحدث في الظل وتخرج الى النور بالهمس بالإشارة والتلميح الذي ليس خبراً ولا تصريحاً. تحدث القصيدة أو لا تحدث، تتأخر وتتباطأ لتُرى وتكتمل، تُحاط وتُبنى جملةً جملة ونفساً تلو نفس.
الجانب الطيفي والظليل والخافت هو ما يستدعي الكتابة: أثر التجوال على النفس وعلى الكلمات ومعانيها. التجوال الداخلي الذي خارجه وداخله هو الشعر بما هو تفسير وإيحاء وترجمة. لا الترجمة من لغة لأخرى إنما الترجمة داخل اللغة الواحدة نفسها. من هنا يأتي الغريب والأليف: "أعيش غريباً مثل قصيدة مترجمة" في مفتتح الديوان. جملة مفصلية وأساسية في ما يشتمل عليه الديوان ككل وربما نظرة الشاعر إلى نفسه والشعر على السواء. هذا قد يصلح أفقاً للشعر وتعريفاً وبياناً.
في قصائد "كمن يريد أن يمحو" وهي قصيرة وأحياناً جد قصيرة، وبها ما بها من تأثر بقصيدة النثر اللبنانية خاصة، نحن أمام تصوّر مختلف للشعر، أمام فكرة ترى الشعر في صمته وقدرة هذا الصمت على تحويل المعاني نحو الظل نحو إرجاء للمعنى والكتابة على قول لجاك دريدا، أو ربما نحو شبه بالتكرار والمعاودة حد العجز واللاقول، لكنها معاودة مطواعة سلسة وبها من الأناقة ما بها من القرب والحميمية. الكتابة هكذا إرجاء وتبطيء ومراوحة في المكان، ذهاب وإياب معتادان.
الشعر هو الموضوع الملح هو شاغل القصائد، هو التفكير بالشعر نفسه كعيش دائم كمرافقة ودودة كصداقة آهلة، وكأسلوب في الكتابة والعيش. هكذا تكون القصيدة صداقة في الشعر وبه.
كتابة القصيدة لدى حسين بن حمزة بسيطة سلسة. لا تأتي هذه السلاسة من الاستسهال أو التبسيط أو المفارقة شبه الجاهزة دائماً قدر ما تأتي وتنشأ أساساً مما هو في عداد الأليف والهامشي، مما لا يحتاج إلى جهد كبير ليقال ولا إلى بلاغة فخمة حتى يستدعي الانتباه والتأثير.
قلنا إن الشاعر يكتب ببطء وباختصار ذلك أنه مشغول بما يرى وبما يحول هذا الانشغال بالمرئي إلى ما يشبه ذكرى واستعادة. نحن أمام حالة من مضاعفة الزمن أو تغييبه والاحتفاظ منه بما يطفو ويغمره من جديد. هذا يشبه أيضاً عالم اللوحات والأعمال التشكيلية التي لطالما كتب عنها الشاعر وتابعها واهتم بها. اللوحات بما هي طبقات وأزمنة ولطخات لونية وتداخل عضوي وحسي. لطخة اللوحة هي إشارة القصيدة، والكلمة نوع آخر من التلوين والتصوير.
المسرعون والمتحمّسون لا يرون، عيونهم تخطفها السرعة. ربما تكون قراءات حسين الواسعة قد ألهمته هذا النوع من الإصغاء والانتقاء، هذا التمهل وزهد الكتابة . ربما عمله الطويل في الكتابة النقدية والصحافة الثقافية في بيروت. كل هذا قد يصلح سبباً خفياً وراء قوة المحو لديه وراء ما يجوز القول إنه زهد في التعبير وإمساك فطن عن قول المزيد.
إنها إذَنْ الأنا المتخففّة التي لا ماضي ثقيل يجنبها النظر المثري إلى حديقة مجاورة أو مشهد عادي أثناء جولة من جولات التنزه. الإقامة على الحافة أو جنب سور الشعر هي هنا إقامة الشاعر أو ديانته على قول مستعار من شاعر الهند طاغور. حسين لا يمضي إلى كسر الأسوار ولا يخاطب ليؤجّج المشاعر أو يبرهن أو يجادل، ليس داعية ولا منظراً ولا خطيباً. على العكس ربما هو يبني حوله وحول شعره نوعا آخر من السور الخفيض والشفاف. هكذا قد يكون الانكفاء عن القول، وعدم استخدام الصيغ النقلية أو الإخبارية في بناء الصور وتنحيفها ونحتها. لكن كل ذلك يتضمن دعوة سخية الى كتابة شعر مختلف. شعر يوازي الشعر يشتق منه غير أنه ليس نسخة على منوال نظام شعري مقولب ونمطي، شعر يأتي من المعاش والمعزول والفردي، مما هو خفيف وحي ورحب مثل الفضاء أو مثل اللون في لوحة.
يكتب حسين بن حمزة من خارج الحياة الصاخبة والضاجّة لأنه يسكن دواخلها الصامتة الصغيرة. يرى في الصمت مادة أثيرية، شيئاً يشبه الحواس في نقائها الأول في ارتعاشها الجواني، يشبه الهواء الطيب المحيط في ملمسه العذب. يلتقط التنفس البطيء ويحتفظ بأثر النظرة المتمهلّة المتأملة. كأنه يسعى إلى الإمساك بما يستحيل ضمّه واقتناؤه، من دون رغبة الاستحواذ، فالشاعر لا يملك إلا ما يَرى، والمرئي هو المتاح والأصل الذي لا يحتاج لشيء أو قوة حتى يُملك، على العكس ربما يكون المرئي هو المالك الأرحب، المالك الذي يحرّر الشاعر والكلمات من إرث ثقيل.
لكن الكلمات تقتني وتضم، تملك ما يمكن أن يكون من مادة المرئي نفسها، كما تكون بعض القصائد مؤلفة من مادة الأحلام ذاتها.
كلمات وحواف كلمات تبني بيتاً صغيراً من النظرات والذكريات ومعاني اللحظات، اللحظات بما هي رؤية سينمائية تشكيلية، وبما هي زمن مكثف.
الشاعر خفيف يتنزه وإن كانت مسارات التنزه متشعبة غير أن وحدة عميقة تجمعها فنجد أنفسنا على الدرب نفسها. يكتب بأقل عدد من الكلمات، ويعيد استعمالها، لكن نضرة من دون إرهاقها ولا إدخالها في سياق مستهلك. هذا الإقلال تثمين للكتابة والمعنى قبل أن يولد ويكتمل. يبحث عما ينضج داخله. هكذا تأتي الكتابة يسيرة تأتي كما لو أنه كُتبت دون جهد، لأنه عرفت الانتظار والصبر وحولتهما إلى ما يمكن أن يكون فناً وطريقة. لا أقصد أنها عفوية أو فطرية. إنما قد يكون مصدرها ما هو فطري وموهَب. موهَب من كونه هدية. الشاعر يُهدى ويتلقى ذلك، لأنه أشبه بممر للأشياء أكثر مما هو صانعها وخالقها.
هنا نعثر على بيان شعري أو ما يشبه دعوة إلى الشعر لكن على أسس ومفاهيم مختلفة. يكون الشعر أيضاً التفكير في الشعر وإظهار هذا الفكر الى العلن، يكون النقد والسؤال، الحس والعقل، الرفض والمجادلة، لكن دائماً دونما صخب ومن غير أي ضجيج حماسي أو بلاغي. حسين بن حمزة في هذا الديوان لا يدعو إلى ثورة في الشعر قدر ما يدعو مباشرة أو بالتلميح إلى إعادة النظر في جوهر الشعر بما هو أساساً كتابة وتأمل من الداخل وتمرد على الصيغ التقليدية الخارجية.
يكتب الشاعر قصيدة نقية، كما لو كانت نجت مما يصيب الحياة من عطب، قصيدة نثر بيضاء.