[تُعدُّ الشاعرة الفنلندية سايما هارمايا، المولودة بتاريخ 8 مايو 1913 في هلسنكي، واحدةً من أبرز الأصوات الوجدانية في الأدب الفنلندي خلال القرن العشرين. تميزت قصائدها برقةٍ متناهية وعاطفةٍ جياشة، حيث عكست في ثنايا كلماتها صراعها المرير مع مرض السل، ومشاعر الشوق، وقبول الموت بصبغةٍ روحانية ونفسية فريدة. وعلى الرغم من قصر رحلتها في هذه الحياة، إذ وافاها الأجل في سن الثالثة والعشرين بتاريخ 21 أبريل 1937 في هلسنكي، إلا أنها تركت إرثاً أدبياً بقي معنا إلى اليوم].
في لحظة دخولنا إلى ذلك المنزل المعلّق بالضباب، سرعان ما شاهدنا مخلوقات غريبة تشبه السناجب وهي تتقدمنا في المسير إلى السرير الذي كانت تنام فيه الشاعرة الفنلندية سايما هارمايا.كان السرير مفروشاً بأقمشة قطنية حمراء بخطوط غلب عليها اللون الأسود، وهي في غالبيتها مجسمات مطبوعة لبجع وسمك السلمون وتماسيح.
بعد المصافحة وتناول الشاي الأخضر مع قطع من البسكويت المحلى بالشوكولاتة، دخل علينا شاب وسيم ليوزع أوراقاً مطبوعة بقصائد الشاعرة سايما. تفحّصنا بعض تلك القصائد بقراءة سريعة فيما كانت دموع الشاعرة تنهمر دون أن نعرف سبباً لذلك. بعد دقائق من الذهول شعرنا بضرورة خوض الحوار. فالتفتنا إلى الشاعرة وطرحنا عليها السؤال التالي:
(س): على أي سطر من سطور حياتك القصيرة كانت طفولتك تقفُ؟
(ج): ربما على السطر الأخير من حياتي.
(س): ومن كان واقفاً على السطر الأول؟
(ج): شيء يتلّون ما بين الأحمر والأسود. أحمر في السعال وأسود في الأحلام.
(س): وهل بسبب بقع الدم المتدفقة مع السعال، تم القضاء على فارس الأحلام المرتقب ظهوره من أحد شقوق الليل؟
(ج): بالضبط. فلقد افتتح الخرابُ مقدمة حياتي بمرض السّل.
(س): هل كنت مُجرّدة من الحب آنذاك، ليقوى عليك المرضُ؟
(ج): كنت زهرة صغيرة ضعيفة ومغطاة بالثلوج. ولكنها كانت تلعبُ بالبرد دون توقف.
(س): ومن كان سندكِ آنذاك؟
(ج): ليس غير أبي الطبيب وأصوات كلماتي التي وجدت فيّ ما يشبه السلّة التي تُجمع فيها المحاصيل والأغاني وأوراق الترياق.
(س): هل مارست الكتابة بأقلام الجليد؟
(ج): أجل. وكنت آنذاك بعينين ثاقبتين، واحدة على الدبّبة، فيما كانت الأخرى تركيز على كتابة الكلمات بأحرف غير مرتجفة.
(س): ألمْ تقعي بغرام دبّ من الدببة يا سايما؟
(ج): لو كان شاعراً نعم.
(س): ما الفرق بين أن تحب شاعرةٌ دباً وتغرمُ أخرى بجحش؟
(ج): قبل أن أجيب على السؤال، وضِح لي ما هو الجحش أولاً؟
(س): الجحشُ هو الحيوان الذي عادةً ما يحملُ أثقال العالم، ويصعد إلى أعالي الجبال من أجل كتابة قصيدة عن الصبر.
(ج): لا. أنا ولِدتُ على الثلج، ولم تتسلّق قدماي جبلاً للكتابة هناك.
(س): ماذا تقولين عن تراكم الثلوج على القصائد؟
(ج): تلك من المناظر المرعبة هوّلاً وتشاؤماً. كنت أحلم بفنلندا أفريقية. حتى القصائد تريد أن تتشبّع من أعلاف الشمس، فكيف يكون الأمر بالنسبة للشعراء؟!
(س): ألمْ تمسّ الحرارةُ جسدكِ يوماً؟
(ج): كنتُ أفتقدُ للموقد الذي تأتي منه النارُ كالعادة. ولكنها لم تأتِ لأن موقدي تخلى عني للبرد والأحلام التي بنت فيها الغربان أعشاشها.
(س): هل كان ذاك الموقد مطفأً؟
(ج): لا. ولكنه استنكف أن يرسل بعضاً من أحطابه أو شراراتهِ، ليوقظ ما كان في جسدي من أحطاب رطبة ونائمة.
(س): وكنت تشكين من التنمر. أليس كذلك؟
(ج): أجل. فبشاعة بعض مناطق جسمي كما كنت أظنُ، قد تسببت لي بالكثير من المعارك الباردة في المجتمع الفنلندي.
(س): ويبدو أنك استثمرت ذلك التنمر شعرياً. أليس كذلك؟
(ج): لقد تم ذلك بالضبط. وحاولت الإفلات من تلك اللعنات دون جدوى.
(س): ولا بالحب؟!
(ج): ومنْ من الرجال يقيمُ جسراً مع فتاة مصابة بالسل الرئوي؟
(س): أليس بالضرورة التفتيش عن بدائل ولو افتراضية لسدّ الشاغر العاطفي مثلاً؟
(ج): حينما يتلصص الموتُ على وجودك من العين الساحرة للباب ،سرعان ما تبدأ تلك الأبواب بالإغلاق. وذلك ما حصل تماماً.
(س): هل كان المرض ضرورة شعرية برأيك؟
(ج): لا ونعم. ونعم ولا.
(س): هل كنت تشعرين بأن الشعر يمكن أن يصاب هو الآخر بمرض ما من الأمراض؟
(ج): أجل. وكنت أخشى على اللغة المريضة أن تكون مصدراً للعدوى.
(س): ألا يمكن تطهير اللغة من هذا المرض أو ذاك؟
(ج): صعب. فتطعيم القواميس والمعاجم بالمضادّات الحيوية ضد الفيروسات الافتراسية، لهو أمرٌ بالغ التعقيد.
(س): كيف كان الشعرُ يتسلل إلى رأسك؟
(ج): كان الشعرُ يتسللُ إلى رأسي مثل فأرة صغيرة، ومن بعد ذلك يتضخم ويتضخم ليصبح تمساحاً صامتاً تستهدفني عيناه بنظرات فيها الكثير من الحزن.
(س): ويأمرك بالكتابة على الفور؟!
(ج): لا. كان يمنحنى دموعه عوضاً عن الحبر، فأدخل سريري لغمس إصبعي بتلك الدموع استعداداً لكتابة نصوص عن جلده الذي سيصبح في عداد الأحذية والحقائب والأحزمة.
(س): وهل توطدت تلك العلاقة ما بينك وبين تلك التماسيح؟
(ج): ليست بذلك القدر الذي كانت عليه علاقتي مع الدببة. هل تعلم لماذا؟
(س): ومن أين لي أن أعرف؟ هيا تفضلي وأخبريني.
(ج): طيب. سأخبرك بما فعلته في ذات ليلة شتوية بعدما اشتدّ علىّ المرضُ وكادت عصيات كوخ تأكلني تماماً. عندما قررتُ ترك نافذة غرفتي المُطلّة على الحديقة مفتوحةً لأي زائر من الذئاب أو الدببة يأتي، فيضع لمرضي نهاية وأستريح. لكن شيئاً مما كانت رغبتي به لم يحدث. فلا دب جاء في تلك الليلة ولا ذئب.
(س): وماذا عن النتيجة. هل تخليت عن الانتحار بتلك الطريقة؟
(ج): لا. ولكنني تركتُ قرار انتحاري لنافذة الغرفة وحدها، مما عجلّ من استفحال عصيات السيد كوخ بقتلي برداً مُثلجاً وسعال دموياً حتى أتى وقت الطيران، وغادرتُ.
(س): وكيف كانت المغادرة بالضبط؟
(ج): دخلتُ كخيط رفيع في كتاب ضخم، ثم اختفى جسدي هناك.
(س): وكيف اضمحلً جسدكِ واختفى؟
(ج): شعرتُ بمكينة تبتلع جسدي، وكأن لا روح لي غير النّفس. واستهجنت الأمرَ، معيباً على عزرائيل تأخره بضم نفسي للنار وشطب خطيئة الوقوف على أبواب المدافن أو بالتستر على ما كان مخبأ تحت السرير.
(س): كنت تُخبئين قصائدك تحت الفراش. أليس كذلك؟
(ج): بالضبط. ذلك ما كنت أعمله، طمر قصائدي بعيداً عن أعين الموت والبشر معاً.
(س): أنتِ. هل رأيتِ عيون الموت؟
(ج): أجل. كانت أعيناً كثيرة بلون الأرجوان، وعليها ماسحات مثل تلك التي تمسحُ الأمطار من على زجاج السيارات.
(س): أعينٌ تتفحصُ الوجوه بنهم فقط؟
(ج): لا. كانت أعين الموت تقرأ الوجوهَ قبل شطبها من الوجود.
(س): ما الذي كنت ترغبين بأخذه معك قبل الموت؟
(ج): بعض أطباق المعجنات فقط.
(س): ألمْ يتم لك التعويض عنها بشيء ما مثلاً؟
(ج): أجل. ففي الأحلام التي أعقبت رحيلي، وجدت الكثير من الأطباق والقبعات والأحذية والمجوهرات بانتظاري هناك. ذلك ما شكلّ لي حدثاً غير متوقع، حتى أنني شعرت بأن تلك الأحذية حاولت إعادتي إلى الحياة لولا رفضي لتلك الفكرة.
(س): كيف تقضين يومك هنا؟
(ج): أربّي الدجاج وأخيط ربطات العنق وأحكي مع الأمواج.
(س): وكتابة الشعر. هل أنت مستمرة على المنوال القديم أم حدثت تغييرات؟
(ج): حينما تتخلص كلماتي من الشحوب الثقيل، سأفتح للشعر أبواب جسدي كلها لأكتب وأنشر.
(س): هل يمكن التعويل على الشعر دون حبّ؟
(ج): بالتأكيد لا. لذلك أخرج للنزهة يومياً في حقول الشوفان، عسى أن يتورط عقلي بفتى من الشيطلائكة، فيقع الجسد في سرير الغرام.
(س): كأن لديك فكرة بإعادة زمن المراهقة من جديد؟
(ج): بالضبط. فيمكن استعادة كل شيء هنا. أي في السموات. لا أحد يمكنه أن يخدع أحداً أو يتسبب بهلاكه.
(س): بسبب انعدام المُورثات أم لأسباب أخرى؟
(ج): نعم على ما أجزم. فهنا تفكّ المخلوقات ارتباطاتها الجينية، لتستمر بالحياة الثانية دون خصائص بيولوجية محدّدة، وكأن يمكن أن يكون قلب الفتاة حافلة ركّاب لمراهقين أشاوس مثلاً.