[في كتابه The Nutmeg’s Curse، يقدم الكاتب الهندي أميتاف غوش سردية تاريخية عن التغير المناخي باعتباره ظاهرة استعمارية انطلقت في القرن السابع عشر مع الاستعمار الهولندي لجزر الباندا في أندونيسيا. يمزج غوش المصادر التاريخية والعلمية بحكايا محلية وتصاوير أو تمثيلات مرممة لتجارب من المحيط الهندي الذي سُخرت موارده وسواعده في خدمة وتشييد الحداثة الغربية والثورة الصناعية. ضمن هذا المحيط الذي يشير إليه غوش باعتباره "مسرح العالم" من حيث الاقتصاد والقوة العاملة والموارد، نجد أيضاً منطقة الخليج، الرقعة التي تربط قطع العالم ببعضها، بالوقود والسفن والعمالة المسترخصة وأنظمة المراقبة والقواعد العسكرية الأمريكية. في المقتطفات التالية من الكتاب، يمدنا غوش بأسئلة نقدية مهمة لاستقراء مفردات مثل "الطاقة" أو "الموارد" باعتبارها أدوات امبريالية تحد من فرصنا التحررية وتحافظ على الهرميات الموجودة التي تربط الحرب بالتجارة. في هذه السطور، تتضح جوانب كثيرة من سيرة "مضيق هرمز" الذي بات شخصية رئيسية في حياتنا اليومية في العام ٢٠٢٦].
من بين جميع السلع، لا يوجد ما هو أفضل من البقايا المضغوطة للغابات البدائية، التي نسميها "الوقود الأحفوري"، للتعامل معها على أنها "موارد". ويرجع ذلك، على الأرجح، إلى حقيقة أن الوقود الأحفوري يصلح بشكل استثنائي للتعداد، ليس فقط من حيث الكمية، بل بسبب ما ينتجه من طاقةٍ أيضًا. يمكن بدقةٍ عاليةٍ تحديد عدد الكيلوواط الذي تنتجه كميةٌ معينة من الفحم أو النفط أو الغاز الطبيعي؛ كما يمكن تحديد كمية ثاني أكسيد الكربون التي تنبعثُ من إنتاج هذا الكيلوواط، وبالدقة نفسها. علاوةً على ذلك، فإنه يمكن توليد نفس القوة الكهربائية دون إنتاجِ كمية مماثلة من غازات الدفيئة. وبما أن العلم قد أثبتَ بما لا يدعُ مجالاً للشكِّ، أن غازات الدفيئة تشكل تهديدًا خطيرًا للبشرية، يبدو من البديهي -بالنسبة لي، وللآخرين الذين يشعرون بالقلق إزاء هذا التهديد- أنه ينبغي بذلُ كلِّ جهدٍ ممكنٍ للانتقال، بشكلٍ مُلحٍّ، من الوقود الأحفوري إلى مصادر الطاقة المتجددة.
ولا يبدو التحول إلى الطاقة المتجددة حلمًا مستحيلاً، فقد رُسمت مساراتٌ لا حصرَ لها لمثلِ هذا التحولِ، ومن الواضح اليومَ أن طاقة المصادر المتجددة يمكنها تلبية ما يكفي من احتياجات العالم لتحقيق انخفاض كبير في انبعاثات غازات الدفيئة العالمية. وهذا التحول ليس ممكنًا من الناحية التقنية فحسب؛ بل يمكن أن يحقق أيضًا العديد من الفوائد الأخرى، مثل توفير الوظائف الجديدة. حتى أنهم اقترحوا أن التحول يمكن أن يؤدي إلى ثورة صناعية جديدة صديقةٍ للأرض.
ومع ذلك، تظل الحقيقة هي أن المضيَ قُدمًا نحو التحول كان بطيئًا، وغير منتظم بشكل مؤلم. في الواقع، بدلاً من خفض الاستهلاك، كما هو مطلوب في حالة الطوارئ المناخية، استمرَّ استهلاك الوقود الأحفوري في الارتفاع خلال العقدين الأولين من الألفية الجديدة، مع انخفاضات عَرضية فقط. لم يحدث انخفاض حاد حتى عام 2020، وحتى هذا لم يكن بسبب السياسات أو الاعتبارات الاقتصادية، بل بسبب فيروس انبثقَ من حوافِّ الغابة بعنادٍ شديد داخل "جايا" التي لا حدود لها.
من الواضح أن العالم يمتلكُ كلَّ الأسباب للتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، والتحرك نحو اقتصاد "أكثر اخضرارًا". لماذا، إذن، يبدو بطيئًا جدًا في التقدم على هذا الطريق؟
لقد تناولَ العديد من كبار المفكرين هذه المسألةَ المهمة جدًا لمستقبل العالم. وفي العموم، تميلُ معظمُ إجاباتهم إلى الإشارة إلى الأنظمة الاقتصادية، ولاسيما الرأسمالية ودافع الربح، وتنطوي حججُهم على أن عددًا صغيرًا من الشركات والأفراد، الذين جنوا أرباحًا هائلة من الوقود الأحفوري، مصممونَ على منع التحول إلى اقتصاد أقل تلوثًا بالكربون، حتى يتمكنوا من الاستمرار في كسب المال، حتى لو استلزم ذلك تدمير العالم. وقد أظهرت ناعومي أوريسكس، وإريك كونواي، ومايكل سي مان، والعديد من الشخصيات أن شركات الطاقة استخدمتْ قوتها المالية والسياسية الهائلة لتقويض البحث العلمي حول تغير المناخ.1 كما أظهر ناثانيل ريتش أنه في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، عندما كانت الحركات البيئية الأمريكية تنمو بإيقاع سريع، استخدمت شركات النفط قوتها السياسية لمنع حكومة الولايات المتحدة من تبني سياسات من شأنها أن تثبط نمو صناعة الوقود الأحفوري.
ذهبت ناعومي كلاين إلى أبعد من ذلك، بحجة أن المشكلة هي الرأسمالية كنظام عالمي، لا سيما في الصورة الرمزية النيوليبرالية. لقد أثبتت، هي وآخرون، أن السوق الحرة المستقلة لن تقوم أبدًا بتشجيع اعتماد الطاقة المتجددة، فالأرباح من الوقود الأحفوري كبيرة جدًا بحيث تخلق حوافز هائلة لشركات النفط والفحم الكبرى في العالم لمقاومة هذا التغيير.
وهذه الحجج مقنعة وقائمة على أسس سليمة...
لا يوجد شكٌّ في رأيي بأنَّ الرأسمالية والنيوليبرالية عقبتان قويتان أمام تحوُّل الطاقة. ولكن من الواضح أيضًا، بالنسبة لي، أن التركيز الحصري على الاقتصاد يمكن أن يحجبَ بعض العقبات التي تحولُ دون تحوُّلِ الطاقة؛ ولكن يصعب تحديدُها لأنها ليست سهلة العد، كما أنَّها غير قابلة للقياس الكمي.
للتعرف على هذه العقبات، من الضروري الخروج من الإطار الذي يعتبر فيه الوقود الأحفوري موارد مماثلة، من حيث المبدأ، للموارد الأخرى التي تنتج الطاقة. وبعبارة أخرى، أصبح من الضروري تحديد الخصائص التي تجعل الكيلوواط التي ينتجها الوقود الأحفوري مختلفة عن نفس الكمية من الطاقة التي تولدها الألواح الشمسية وطواحين الهواء. ليس لأن الوقود الأحفوري راسخٌ في صميم إنتاج الطاقة التي تخدم الحياة الحديثة وحسب، بل لأن الطاقة التي ينتجها تتداخل مع هياكل السلطة بطُرق ترتبط حصرًا بالوقود الأحفوري. وهنا تكمن حيويته الغريبة.
***
ولأن الوقود الأحفوري يمتلك خاصية تعزيز هياكل السلطة على وجه التحديد، فقد تفوَّق على مصادر الطاقة الأخرى في القرن التاسع عشر. يتضح هذا من عمل المؤرخ أندرياس مالم، الذي أظهر أن السرد القياسي للثورة الصناعية ببساطة غير صحيح، وأن اختراع جيمس وات للمحركات البخارية التي تعمل بالفحم عام 1776 أدى إلى تحول سريع إلى اقتصاد الكربون في بريطانيا. ظلَّتْ المياهُ، لوقت طويلٍ خلال الثورة الصناعية، مصدرَ الطاقة الرئيسي للصناعة البريطانية والأمريكية.
لم يكن انخفاضُ كُلفة الفحم أو كفاءته، أوائلَ القرن التاسع عشر، السَّببَ في التفوُّقِ التدريجي لمصانعِ الفحم التي تعملُ بالطاقة على منافستها العاملة بالطاقة المائية. كانت المصانع التي تعمل بالطاقة المائية منتجةً بالقدر نفسه، وأرخص كلفةً من تشغيل المصانع التي تعمل بالفحم. لكن، لأسباب اجتماعية وليست تقنية، سادتِ الآلات التي تعملُ بالبخار. على سبيل المثال، سمحت مصانع الفحم لأصحاب المصانع بتحديد مواقع مصانعهم في المدن المكتظة بالسكان حيث كانت العمالة الرخيصة متاحة بسهولة. "كان المحرك [البخاري] وسيلة متفوقة لاستخراج فائض الثروة من الطبقة العاملة، لأنه، على عكس دولاب الماء، يمكن وضعه في أي مكان تقريبًا".
***
الخصائص المادية للنفط تجعله أكثر قوة من الفحم في قدرته على تعزيز هياكل السلطة. بالنسبة للطبقات الحاكمة، كان للفحم عيبٌ كبير، حيث يجب استخراجه باستخدام أعداد كبيرة من عمال المناجم الذين يعملون في ظروف تضمن تمردهم؛ لهذا السبب في أن عمال المناجم كانوا دومًا في طليعة الحركات العمالية في العالم خلال أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.
وكما أظهر تيموثي ميتشل، كان ذلك من الأسباب التي جعلت النُّخبَ الأنجلو-أمريكية تقرر هندسة التحول من الفحم إلى النفط كمصدر رئيسٍ للطاقة في العالم. فعلى عكس الفحم، لا يتطلب استخراج النفط، ونقله، أعدادًا كبيرة من العمال.5 إنه يحرر رأس المال من التعقيدات المحلية، ويسمح له بالتجول في العالم بحسب الرغبة.
باختصار، كان الوقودُ الأحفوريُّ منذ البداية متشابكًا مع حياة الإنسان بطرق تميل إلى تعزيز سلطة الطبقات الحاكمة. ويمكن التعبير الدقيق عن هذه الديناميكية بالمعنى المزدوج للكلمة الإنجليزية "power"، التي تجمع بين فكرة الطاقة، "كما هو الحال في قوة الطبيعة"، مع "السلطة" كما هو الحال في العلاقة بين البشر، والنفوذ، وهيكل الهيمنة".
من ناحية أخرى، فإنَّ الطاقة المستمدة من مصادر مثل الشمس والهواء والماء مشبعة بإمكانات تحررية هائلة. إذ يمكن، من حيث المبدأ، لكل منزل ومزرعة ومصنع أن يحرر نفسه من الشبكة عن طريق توليد الطاقة الخاصة به. لم تعد هناك حاجة إلى خطوط كهرباء طويلة وناقلات عملاقة -معرضة للتسرب- لنقل الطاقة؛ لم يعد العمال مضطرين إلى الكدح في المناجم تحت الأرض أو في الصحاري النائية والبحار الهائجة؛ ولن تكون هناك حاجة إلى سلاسل التوريد الطويلة التي يتطلبها الوقود الأحفوري.
كانت هذه الفضائل واضحةً حتى في أوائل القرن التاسع عشر. في عام 1824، دعا المهندس الهيدروليكي ذو الرؤية الاستشرافية، روبرت توم، إلى التصنيع الذي يعمل بالطاقة المائية لمدينة غرينوك الاسكتلندية بهذه الكلمات: "هنا لن يكون لديك محركات بخارية تتقيأ الدخان وتلوث الأرض والهواء على امتداد أميالٍ حولها؛ بل على العكس من ذلك، فإن "ينبوع الجبل" النقي، الذي يتدفق في وفرة لا تنضب حاملاً معه النضارة والصحة والقوة".
بالنسبة لتوم، كما هو الحال بالنسبة للعديد من علماء البيئة اليوم، كانت الطاقة الخضراء موضوع الأحلام الطوباوية، واتضح أن تلك هي المشكلة بالضبط. تظهر أبحاث أندرياس مالم أن أحد الأسباب التي جعلت المحركات البخارية تنتصر على الآلات التي تعمل بالطاقة المائية؛ هو حقوق المياه العائدة لعامة الشعب، والتي كان على مالكي المصانع الدخول في مفاوضات معقدة للحصول عليها. تطلبت هذه التعاملات بذل "طاقة عاطفية كان مستخدمو الطاقة البخارية في غِنىً عنها تمامًا". في المقابل، "مع المحرك والمرجل، يمكن لمالك المصنع أن يفعل ما يشاء، دون عائق تقريبًا".
بالنسبة لمالكي المصانع، كانت إمكانية الحصول على مصدر الطاقة -الفحم- لاستخدامه حصريًا، على عكس المياه، من المزايا العظيمة للمحركات البخارية مقابل الآلات التي تعمل بالطاقة المائية. نظرًا لأن الأنهار والرياح كانت تجري دائمًا عبر التضاريس الطبيعية، فلا يمكن تقطيعها ونقلها وتخزينها كملكية خاصة.
باختصار، انتصر البخار، وبالتالي الفحم، على الماء تحديدًا لأنه مكَّنَ طبقات المجتمع من الهيمنة، وكان أكثر ملاءمة لنظام الملكية المفضل لديهم.
***
إنَّ الإمكانات التحررية للطاقة المتجددة لها بعدٌ دولي، بالغُ الأهميةِ، في حال تبنيها على نطاق واسع، إذ يمكنها تغيير مسار النظام العالمي الحالي، بل وإحداث ثورة فيه. لم يعد يتعين على الدول الاعتماد على الدول النفطية التي لا يمكن التنبؤ بسياساتها؛ ولم يعد يتعين عليها تخصيص أجزاء كبيرة من ميزانياتها السنوية لسداد فواتير النفط؛ ولم يعد يتعين عليها القلق بشأن تعطل إمداداتها من الطاقة بسبب الحروب أو الثورات في البلدان البعيدة؛ وربما الأهم من ذلك، لم يعد يتعين عليها الاعتماد على القوى العظمى لإبقاء القنوات البحرية التي يجب أن تمر بها ناقلات النفط مفتوحة.
فلماذا إذن يتردد العالم إلى هذا الحد في تبني هذا الاحتمال؟ من الذي قد لا يرحِّبُ بهذه التطورات؟
من الواضح أن دول النفط مثل المملكة العربية السعودية وسلطنة بروناي لديها مصلحة واضحة في استمرار اقتصاد الوقود الأحفوري العالمي، لسببٍ بسيط يكمن في أن اقتصاداتها مرتبطة به. ولكن مثل الفحم، أصبح النفط بطبيعته متشابكًا مع التسلسلات الهرمية العالمية للسلطة بطرق أخرى أكثر مراوغة، مما يخلق مصالح خاصة ليست اقتصادية ولا يمكن حصرها. وحدث هذا بسبب جانب آخر من طبيعة النفط، بناء على حقيقة أنه يجب نقله عن طريق السفن أو خطوط الأنابيب من نقطة استخراجه إلى أماكن أخرى. من هنا تنشأ ديناميكية جيوسياسية تؤدي مباشرة إلى نشوب الصراعات نفسها التي تدور حول القرنفل وجوزة الطِّيب.
***
في الحرب العالمية الأولى، وضع نقصُ النفط ألمانيا في وضع غير مؤاتٍ جدًا ضد الحلفاء، مما ضمن هزيمتها إلى حدٍّ ما. أدى نقصُ النفط إلى إلغاء المزايا التكنولوجية التي كانت تتمتع بها ألمانيا في بداية الحرب. على سبيل المثال، رغمَ امتلاكها أسطول كبير، لم تتمكن من استخدامه بشكل فعَّال لأنَّ سفنها التي تعمل بالفحم كانت بحاجةٍ إلى التزود بالوقود كلَّ أحدَ عشر يومًا. على العكس من ذلك، فإن الإمداد المؤكد بالنفط الأمريكي منح ميزة كبيرة لبريطانيا وفرنسا لدرجة أنه "يمكن القول بإنصاف إن الحرب فازت بها ناقلات الحلفاء الغربيين". ومن هنا قيلَ عن الحرب العالمية الأولى: إنَّ بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة طفَت "إلى النصر على بحرٍ من النفط".
في الحرب العالمية الثانية، كان نقصُ النفط سببًا حاسمًا لهزيمة قوى المحور. اضطرت لوفتفافه الألمانية [القوات الجوية الألمانية] إلى الاعتماد على الوقود الصناعي المشتق من الفحم، الذي لا يمكن أن يوفر الطاقة العالية للأوكتان التي كانت ضرورية لمحركات الهواء عالية الضغط: "وبسبب هذه المحركات الرديئة في الطائرات الألمانية خسرت لوفتفافه معركتها مع بريطانيا". كما أنَّ نقصَ النفط أجبر ألمانيا على الاستراتيجية التي اعتمدتها في الحرب:
في عام 1942، ومن أجل الاستيلاء على حقول النفط في القوقاز، توغَّل الجيش الألماني شرقًا في أراضي الاتحاد السوفيتي، مما ألحقَ به هزيمةً نكراء في ستالينجراد لم يتعافَ منها أبدًا. وبالمثل، كان غزو اليابان لجزر الهند الشرقية الهولندية بسبب افتقارها إلى النفط.
باختصار، على مدار القرن العشرين، أصبح الوصول إلى النفط المحور المركزي للاستراتيجية الجيوسياسية العالمية، ومن أجل أن تكون أي قوة عظمى قادرةً على ضمان أو عرقلة تدفق النفط يجب أن تقبض بإحكامٍ على أعناق خصومها. في الجزء الأول من القرن العشرين كانت بريطانيا هي الضامن لتدفق النفط. وبعد الحرب العالمية الثانية، جرى تمرير العصا، جنبًا إلى جنب مع سلسلة من القواعد البحرية البريطانية، إلى الولايات المتحدة الأمريكية التي لا يزال دور الضامن لتدفقات الطاقة العالمية حاسمًا بالنسبة لهيمنتها الاستراتيجية ولموقعها كقوة عالمية.
"أصبحت سياسة الطاقة الأمريكية مُعسكرةً شيئًا فشيئًا وتحت حماية قوات البحرية، أكبر قوة في بحار ومحيطات هذا الكوكب". حيث شهدت حرب العراق عام 2003، على حد تعبير المؤرخ مايكل كلير، تحوُّلَ الجيش الأمريكي إلى "خدمة عالمية لحماية النفط وحراسة خطوط الأنابيب والمصافي ومنشآت التحميل في الشرق الأوسط وأماكن أخرى".
من المهمِّ ملاحظة أن القيمة الاستراتيجية للتحكم في تدفق النفط ترتبط بشكل عَرضي فقط بمتطلبات الطاقة في الولايات المتحدة. والفترة التي تحوَّلَ فيها الجيش الأمريكي إلى "خدمة عالمية لحماية النفط" هي الفترة التي كانت فيها الولايات المتحدة في طريقها إلى الحدِّ من اعتمادها على النفط المستورد. وحقيقة أن الولايات المتحدة أصبحتِ الآنَ مكتفيةً ذاتيًا من الوقود الأحفوري، لم تقلل -بأي حال- من الأهمية الاستراتيجية للنفط كأداة لفرض القوة، فالقُدرة على حرمان المنافسين من إمدادات الطاقة لها أهمية مركزية من الناحية الاستراتيجية.
***
تدعم الهندسة الجيوسياسية للنفط أصولاً أمريكية مهمة أخرى مثل نظام البترودولار الذي وُصف بأنه "الركيزة الثانية" للهيمنة الأمريكية في العالم، و "اليد الخفية للهيمنة الأمريكية".
ولدَ البترودولار من الاضطرابات الجيوسياسية في سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية، والصراعات الاستراتيجية للحرب الباردة. في عام 1973، فرضتْ مجموعةٌ من الدول العربية حظرًا على النفط ردًّا على دعم الولايات المتحدة لإسرائيل في حرب يوم الغفران (أكتوبر 1973). ردًّا على ذلك، أرسل الرئيس ريتشارد نيكسون وزير الخزانة، ويليام سيمون، إلى المملكة العربية السعودية في مهمة حيوية.
كان من المقرر أن يقدم سايمون ضمانات أمنية بالإضافة إلى الوصول التفضيلي إلى سندات الخزانة الأمريكية، مقابل تعهد المملكة العربية السعودية بإجراء جميع مبيعاتها من النفط بالدولار. نجحت المهمة، وبسبب ثقل المملكة العربية السعودية في سوق النفط العالمي، كان على كلِّ دولةٍ منتجةٍ للنفط أن تجري مبيعاتها بالدولار منذ ذلك الحين. وبالتالي يجب على كلِّ بلد يشتري النفطَ أن يشتري الدولار أولاً، فأصبحت هذه الدورة من أسس الاقتصاد الأمريكي المعاصر.
يدعم نظام البترودولار الاقتصاد الأمريكي بطريقة أخرى مهمة للغاية، حيث تساعد المملكة العربية السعودية في تمويل ديون الحكومة الفيدرالية عن طريق شراء كميات هائلة من سندات الخزانة. لا يزال مقدار الديون الأمريكية في أيدي السعودية غير معروف، لأنه في سياق مفاوضات عام 1974 نجح الملك فيصل في انتزاع وعد بأن هذا الرقم سيبقى سرًا. لكن من المحتمل أن يكون المبلغ في حدود تريليون دولار، إذ في عام 2016، هددت الحكومة السعودية ببيع سندات خزانة بقيمة 750 مليار دولار إذا أقر الكونغرس مشروع قانون يسمح بتحميل المملكة المسؤولية عن هجمات 11 سبتمبر 2001. وغنيٌّ عن القول أن مشروع القانون لم يمر.
وقيل إن نظام البترودولار "هو في كثير من النواحي أكثر أهمية من التفوق العسكري الأمريكي". ليس من المستغرب، إذن، أن تُظهر حكومةُ الولايات المتحدة مرارًا قوتها؛ دفاعًا عن نظام البترودولار. ولعلَّ من أهم جرائم صدام حسين أنه بدأ في تداول النفط بعُملات أخرى غير الدولار. كذلك فنزويلا، تحت حكم هوغو تشافيز، ابتعدت أيضًا عن نظام البترودولار. وربما يفسر ذلك سبب إصرار الولايات المتحدة على محاولة إحداث تغيير في نظام ذلك البلد.
باختصار: إن إضعاف نظام البترودولار يعني خسارة الأصول الاستراتيجية والمالية الأمريكية التي لا يمكن تعويضها.
***
حقيقة أن النفط موزع بشكل غير متساو، ويجب نقله عبر المحيطات، يعني أنه يمكن التحكم في تدفقه بسهولة نسبية من خلال ممارسة الضغط على بعض نقاط الاختناق البحرية. وإن أهم نقاط الاختناق هذه موجودة في المحيط الهندي، لأن نزوة جايا هنا لا تختلف عن تلك التي دفعتها إلى إعطاء مالوكو براكينها وغاباتها، وقادتها كذلك إلى غمر جزء كبير من المنطقة المحيطة بالخليج تحت بحر ضحل يتوسع بشكل دوري، ويتقلص بطريقة مثالية لترسب المواد النباتية.
ونتيجة لذلك، تمتلك هذه المنطقة الآنَ أكبرَ احتياطيات من النفط والغاز في العالم، ومثلما أنتجت غابات حوض المحيط الهندي بعض السلع الأكثر قيمة في بداياتِ العصر الحديث، فإن أسلافها، في أشكالها الأحفورية، لا تزال تدعم الاقتصاد العالمي حتى يومنا هذا. ومن بين أكبر عشر دول مصدرة للنفط في العالم، نجد خمس دول منها في هذه المنطقة. ومن أجل الوصول إلى المستهلكين، يجب أن تمر صادراتهم من الطاقة عبر عدد من نقاط الاختناق البحرية. وأهمها مضيق هرمز (الذي يتدفق من خلاله 40% من صادرات النفط العالمية)، ومضيق ملقا، الممر الحيوي لنقل النفط إلى الصين وكوريا الجنوبية واليابان وتايوان، وهو منطقة تمثِّلُ للاقتصاد العالمي شريحةً أكبر من أوروبا أو أمريكا الشمالية. وثمَّةَ نقطتانِ أُخريانِ لهما أهمية استراتيجية كبرى، بسبب موقعهما على الطرق البحرية الرئيسية، هما رأس الرجاء الصالح والقرن الإفريقي.
من المؤكد أنه ليس من قبيل المصادفة أن هذه المواقع هي المواقع نفسها -بالضبط- التي تحاربت من أجلها القوى الاستعمارية الأوروبية عندما كانت أهم السلع في المحيط الهندي هي القرنفل وجوزة الطِّيب والفلفل. أدرك البرتغاليون مبكِّرًا إمكانيةَ السيطرة على التجارة في هذه المنطقة، من خلال الاستيلاء على القنوات، حيث تضيق عروق المحيط الهندي وصولاً إلى نقاط التركيز. بحلول منتصف القرن السادس عشر، كانت قبضتُهم تلتفُّ حولها كلها، من خلال نشر قواعد في هرمز وملقا وسُقطرى، ورأس الرجاء الصالح، وأيضًا ماكاو التي تطل على قناة أخرى ذات أهمية استراتيجية عند مدخل نهر اللؤلؤ. كانت العاصمة الآسيوية للبرتغال، غوا، أشبه بمركز شبكة العنكبوت متصلة بكل بؤرة استيطانية عبر خيوط غير مرئية.
بناء على تلك الأسس، استولى الهولنديون على ملقا وهرمز، وأنشأوا مستعمرةً كبرى في رأس الرجاء الصالح، في القرن السابع عشر. شدد البريطانيون -على مدى القرنين التاليين- القبضة الغربية على المحيط الهندي من خلال استعمار الهند وعدن وشبه جزيرة ملايو وجنوب إفريقيا وهونغ كونغ. مع كلِّ انتقالٍ كانت هناك تعديلات طفيفة في الموقع -حلت سنغافورة محل ملقا، وهونغ كونغ محل ماكاو باعتبارها الميناء الذي يسيطر على نهر اللؤلؤ- ولكن عمومًا، ومع مرور الوقت، استمرَّت الجيوسياسية التي أوجدها تشكيل جايا الملتوي للمحيط الهندي ثابتةً بشكل ملحوظ.
لا توجدُ اليومَ أي من نقاط الاختناق في المحيط الهندي تحت السيطرة الغربية المباشرة، كانت هونغ كونغ آخرها. لكنها لم تعد ضرورية على الإطلاق، لأن الجيش الأمريكي هو الذي يراقب الآنَ نقاط الاختناق في المنطقة، من "إمبراطورية القواعد" التي تمتد من غوام ودييغو غارسيا إلى توزع كثيف للمنشآت في الشرق الأوسط.
ورغم أنَّ هذه الإمبراطورية تحت السيطرة الأمريكية اليوم، فإنَّها نتاج قرونٍ من الجهود الغربية المشتركة التي تعود إلى القرن السادس عشر. ماذا سيحدث لهذا الهيكل الاستراتيجي الشاسع في حال الانتقال السريع في جميع أنحاء العالم إلى أشكال الطاقة التي لا تحتاج إلى نقلها عبر المحيطات؟ الجواب واضح: سوف تتضاءل قيمته بشكل كبير. لن تحتاج الصين والهند واليابان وغيرها من الاقتصادات الآسيوية الكبيرة إلى القلق بشأن مضيق هرمز أو ملقا، بل ستنتج طاقتها على أراضيها. ولعلَّ من النعم العظيمة للطاقة المتجددة، من وجهة نظر إيكولوجية، أنها لا تحتاج إلى نقلها عبر المحيطات. لكنَّ هذا الجانبَ تحديدًا هو أكبرُ عيبٍ من وجهة نظر استراتيجية، فالطاقة المتجددة لا تتدفق بطريقة تجعلها عُرضة لهجوم القوة البحرية.
إن احتمال أن تتمكن الهند أو الصين من تلبية جميع احتياجاتها من الطاقة عبر مصادر الطاقة المتجددة ليس سهلاً في القريب العاجل. ومع ذلك، من الواضح أن كلا البلدين لديهما أسباب استراتيجية واقتصادية للتحرك في هذا الاتجاه بأسرع وقت ممكن. ولا شك أن هذا أحد الأسباب التي جعلت الصين سريعة للغاية في ترسيخ مكانتها كرائدة عالمية في هذا القطاع، فهي اليوم أكبر مستورد للنفط في العالم، وتلك أكبر نقاط ضعفها الإستراتيجية على المدى الطويل.
وينطبق المنطق نفسه في الاتجاه المعاكس، على القوى البحرية المهيمنة في العالم، أي على الولايات المتحدة وحلفائها المقربين من الدول الناطقة بالإنجليزية... إذا كانت الآثار الجيوسياسية للاقتصاد النفطي قد خلقت حوافزَ للهند والصين والعديد من الدول الأخرى للتحرك نحو مصادر الطاقة المتجددة، فقد خلقت أيضًا مصالحَ استراتيجية خاصةً (غير اقتصادية) في اقتصاد الوقود الأحفوري للقوى المهيمنة في العالم. وبالتالي، فإنَّ الوقود الأحفوري هو ببساطةٍ الأساس الذي تقوم عليه الهيمنة الإستراتيجية للدول الناطقة بالإنجليزية (الأنجلوسفير).
والنتيجة النهائية: عالمٌ انقلبَ رأسًا على عقب.
خمسة قرون من التاريخ، بدءًا من المنافسات الجيوسياسية للسيطرة على القرنفل وجوزة الطِّيب والفلفل، أعطتِ الدولَ الأكثر "تقدمًا" في العالم مصلحة استراتيجية في إدامة نظام الوقود الأحفوري العالمي. على العكس من ذلك، أعطى هذا التاريخ القوى الصاعدة مثل الصين والهند حافزًا استراتيجيًا مهمًّا للانتقال إلى مصادر الطاقة المتجددة.
[هذا النص مقتطف من كتاب "لعنة جوزة الطيب" لأميتاف غوش الصادر بالإنجليزية عام ٢٠٢١، وبالعربية تحت عنوان "للحرب وجه آخر" بترجمة إيمان معروف عن منشورات تكوين ٢٠٢٤].