صلاةُ لبيروت، مِزمارُ لِبَعْلَبَك
في هزيعِ الليل أَتَوْنا
يجرُّونَ حَديداً وأُتُوناً
في الليل سَمِعْنا
قَعْقَعَةُ الهَيْجاء
وصريخَ الناس من تحت القِرميد
في الليل رأينا
سعيرَ النار في جُذْع الأرز
فزعنا، أرِقْنا، لا رُقْيَةَ لنا
شَمِيم البارورد هو الحُرز
نفخنا في الكِير طوال الليل
انحدرَ النجم إلى الغربِ
سَخّمنا الحيطان وأذرعنا
وانبلج الصُّبحُ......
.................
حين انبلج الصُّبحُ
انكشفتْ سوآت الرّبّ
سقطتْ أوراق التوتْ
بيروت تموتْ
.....................
انبلج الصُّبحُ
واتضح القُبحُ
قُبْحُ الحاطبين في الليل
انبلج الصُّبحُ وتَوضَّأنا
حَنَّأْنا التمثالَ وَصَلّينا
يا رب!
أيها الأبيّ
أتسمعُ الدّوِي؟
يا رب!
إن كان في خِرجِك من حجارة؟
صُدّ حاصِبَ الريح
رُدّ الإغارَة
يا رب!
أنا وأنتَ
كلانا مَهزومان
غَلبَنا الرّومُ في السَّحرَ
يا رب!
أحقاً تغلبُك الرُّومُ
ومن قبلُ دَحَرَكَ الفيلُ
والقالُ والقيلُ
أتذكرُهذا؟
أتنكرُهذا؟!
يا رب!
أنا أنتَ
يا رب!
يا أنا الذي أنشدُهْ
يا أنا الذي لم أجِدُهْ
يا أنا الذي لَسْتُ أسبرُهْ
حتى لو أتى العُزَير!
يا رب!
اعْقِلْها
وَتَشَجّعْ!
صلاةٌ لِهامَتِي
"وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ"[*]
يا طائِرِي!
مخالبُكَ في الأوْداج
وجؤجُؤُك يُطبِقُ على جُؤْجُؤِي
يا طائِرِي!
إنْ زَحْزَحْتَني إلى البرْزَخ،
سأنسلُ ريشتك وأكسرُ بيضتك الرّقشاء
يا طائِرِي!
حين حدّقتُ في بُؤبُؤِك الوَهّاج
تَذَكَّرْتُ أياميَ الأولى
تَذَكَّرْتُ الركضَ في السِّباخ
تَذَكَّرْتُ الحُباحُب تُنيرُ طُمَيْطاتِ العَوسج في الساقية
يا طائِرِي!
حين غَرَّدتَ في الظُّلُمات
تَذَكَّرْتُ صفيرَ أمِّ سالمٍ في الهجائر
يا طائِرِي!
أتَذْكُرُ حين سَخَرْنا من نِسوة يشدُدْنَ بيارق خُضْرٍ على جرّارةٍ عاطبةٍ في البطحاء؟
أتَذْكُرُ هذا؟
بعد أن حلَّقتَ بعيداً إلى الشجر يا طائِرِي
فَكَّرْتُ كثيراً
وفَكَّرْتُ وفَكَّرْتُ كثيراً
تلك ذرائع يلتمسْنَ بها وجهَ الربّ
تلك البيارق خِرقٌ من عباءته المرْعز
تلك نذورٌ يقتربْنَ بها من الرحمن
تلك حروزٌ يُهَدِّئْنَ بها الله
في غَيْهَبِه
أتَذْكرُ اللهَ الربَّ الرحمن؟
أتَذْكرُ بيتهُ على جرف القُلْزُم،
أتَذْكرُ صخرته السوداء
كيف بِضْتَ على مِحورها؟
حين ذهبتَ راهباً ومُعْتَمراً
يا طائِرِي!
لقد غابَ الربُّ عن البال طويلاً
أغِبْنا عن بالهِ أم غابَ عن البال
أين هو؟
أحقاً يَحْجِبُهُ غربال
ننادي ونستشفعُ
أين هو؟
في سماواته أم في خرائبنا؟
نطوف حول الأجداث وننشده
أَتَرى تِلك الأَخْيِلَةّ؟
أذلكَ عضده وتلك أذْرُعُه؟!
تمتدّ من لظى
لتسحبنا إلى النيران
يا طائِرِي!
نبخر أشياءنا كي نُهَدْهُدُه
نقترب من المحسوس كي نلمسه
أين هو؟
غائبٌ في الخرائب أم سابحٌ في المَجرّة
نعدُّ هزائمنا
نجسُّ أشياءنا
نتذكر دارنا قرب البُستان
نتضرع للرحى والمَيْجَنة
ونسأل رب الخرائب،
عما جنيناه وما جنى
يا طائِرِي!
كنا حيارى سادرين في الطرُقات
لم نقترفْ من كبائر أو موبقات
حين هبط رجلُ الشمال من جليد الألب وغرب الأرض
رمانا بالمنجنيق،
خسفَ المعبد ومَنْ فيه
ليس للبيت ربٌّ يحميه
يا طائِرِي!
الرومَ الرومَ
غَلَبَنا الرومُ
هذا تاريخنا وما جرى
أين جُنْد حيدرة؟
يا طائِرِي!
الحق أقولُ
ترمبُّ هو الربّ
يُسْمِنُ ويُغْنِي من جوع
ترمبُّ هو الربّ
في مِعْطَفِهِ حَلّ يسوع
ترمبُّ هو الربّ
يحبسُ الشمس في مغربها
يرسلُ شواظ من حديد
يُحيي ويميت
ترمبُّ هو الربّ
لقد أنهكنا التسبيحُ
فَحَوْقلْ
ترمبُّ هو الربّ
هوامش:
1. مجيء العُزَيْر: مثلٌ يستخدم في البلاد التي جئنا منها لوصف صعوبة أو استحالة حدوث الشيء. تقول لن أفعل هذا حتى لو أتى العُزَيْر: أي أنني لن أفعله أبداً لسبب أو لآخر (تحدياً أو عجزاً أو لسبب وجود مانع معين). ولا أعرف أصل المثل ولكن العُزير نبي إنجيلي/قرآني وله مرقد في أو قرب محافظة ميسان يحج إليه الناس وينذرون له النذور.
2. أم سالم هي طائر المكاء، وهو كثير الغناء والتغريد، يكثر في ربوع البلاد التي جئنا منها.
3. الهامة: وتسمى أيضاً بالصدى أو الهام : يقال أنها طائر يشبه البوم. إذا مات الإنسان قامت على قبره تصيح: أسقوني! أستقوني. قال ذو الأصبع العدواني:
يا عمرو إلا تدع شتمي ومنقصتي… أضربْك حتى تقولَ الهامةُ: أسقوني
* الآية 13 من سورة الإسراء.