(دار نوفل، بيروت، 2026)
[رنا حايك - صحافية لبنانيّة سابقة ومترجمة انتقلت إلى مجال النشر في العام 2011 حيث تولّت إصدارات نوفل العربية. تشغل منذ العام 2020 منصب المديرة التحريرية للدار. لها في مجال الترجمة ثلاثة إصدارات: «مجهولات» لباتريك موديانو، «الخريطة والأرض» لميشيل هولبيك و«الأميرة وبنت الريح» لستايسي غريغ. هذه روايتها الأولى].
جدلية (ج): كيف ولدت فكرة النص، ما هي منابعه وروافده ومراحل تطوّره؟
رنا حايك (ر. ح.): ولد النص، كما يشي في كل جملة منه، من اضطرابٍ وجودي عميق متأصل بي تاريخيًا وسؤال يؤرقني طوال حياتي حول الشرط البشري ذاته، ومن المحفّز الأكبر الذي غذى هواجسي تلك أكثر بعد في الفترة الأخيرة: الطفرة التكنولوجية الهائلة التي تستحوذ اليوم على عقول وأرواح البشر فتمسّ أعمق أعماق كينونتهم الإنسانية وأرواحهم.. في عالمٍ هزم المستحيل تقريبًا وبدأ إنسانه يعلن ارتباطه أو زواجه من روبوت، لا بدّ من أن فلسفة الوجود نفسها قد تزعزعت. هذا النص ولد من هذه المساحة المضطربة، وبنيَ عليها وسخّرَ موضوعه ووظفت شخوصه للبحث في هذه القضية.
(ج): ما هي الثيمة/ات الرئيسية للعمل، ما هو العالم الذي يأخذنا إليه النص؟
(ر. ح.): يحملنا النص إلى عالم أبوكاليبتي ولكن بنبرة خافتة، من دون عنف ودمار وخراب ظاهر. الخراب واقع وهو غير ملموس لأنه داخلي وحميم، يمسّ بالوجود الإنساني ذاته، بالتخبط الفظيع، وأحيانًا الغير واعي أمام عبث التكنولوجيا بنا وبكينونتنا، يمس بالاستلاب الذي يطال البشر في عالم اليوم الصاخب والعشوائي والمتفلت من القواعد القيمية على جميع المستويات. النص يأخذنا إلى التهديد الخطير الذي نتعرّض له كبشر.
(ج): كتابُك الأخير عبارة عن نوفيلا، هل لاختيارك جنسًا أدبيًا بذاته تأثير فيما تريدين أن تقولي، وما هي طبيعة هذا التأثير؟
(ر. ح.): هذا الكتاب هو نوفيلا، وهو نوع لا تعريف محددا وعلميا له في عالم الرواية. كان يُكتَب ولا يسمّى طوال سنوات في الأدب العربي. كمديرة النشر في دار نوفل، أطلقته منذ عامين كنوع وفئة ضمن الإصدارات وأسميته، معتبرة أنه رواية صغيرة بكل بساطة، فيها من تكثيف وبساطة القصة القصيرة، لمعتها واقتضابها، ومن عمق وجدّية موضوع الرواية. أنا محبّة للشعر، للهايكو، لنهايات القصص الصغيرة الحادة، ومتحيّزة للتكثيف. كذلك، يعنيني جدًا الإيقاع في الكتابة، وكي أكون صريحة، لا صبر لي على التطويل، بين المطر الرتيب والوابل المفاجئ بعد البرق أفضل النوع الثاني. لهذه الأسباب جميعها ارتأيت أن أكتب نوفيلا.
(ج): ما هي التحديات والصعوبات التي جابهتك أثناء الكتابة؟
(ر. ح.): هي التحديات العادية لكل من يكتب عملًا روائيًا، من حيث تركيب الشخصيات وتطور الحبكة. بالإضافة إلى ذلك كان التحدي الأكبر هو قلة الأحداث. فهذه النوفيلا نفسية، تقارب أسئلة فلسفية وجودية، وتحفر عميقًا في روح وذاكرة شخصياتها بدل أن تسرد أحداثًا. الرهان كان ألا تؤدي طبيعة العمل إلى نص مملّ. هنا لعب أسلوب الكتابة دورًا محوريًا، كعامل من شأنه أن يجذب القارئ، كما ساهم اعتماد شخصيتين غير إنسانيتين ككاميرا المراقبة التي ترمز إلى "الأخ الأكبر"، وAI THE GREAT، في إدخال صوت مختلف ونبرة مختلفة تكسر رتابة السرد والتحليل.
(ج): ما هو موقع هذا الكتاب في مسيرتك الإبداعية؟
(ر. ح.): هذه روايتي الأولى، سبقتها تجارب كثيرة في الشعر والقصة القصيرة اعتبرتها محاولات ولم ترضني بما يكفي كي أتخذ قرار نشرها. لكن على مستوى الترجمة، صدرت من ترجمتي ثلاث عناوين منها "مجهولات" للكاتب الحائز على نوبل باتريك موديانو، و"الخريطة والأرض" للكاتب الإشكالي ميشيل هولبيك، بالإضافة إلى رواية لليافعين من تأليف الكاتبة النيوزيلاندية ستايسي غريغ "الأميرة وبنت الريح".
(ج): هل هناك نصوص كانت ذات تأثير خاص، أو قرأتها أثناء إنجاز النص؟
(ر. ح.): ليس هناك من كتاب أو نص أدبيين، كان يكفي أن أتأمل ما يحدث من حولي، وأن أمتص كل القلق الذي يخلقه ويغذي هاجسي الوجودي كي يخرج النص من هذا التفاعل الكبريتي.
(ج): هل تُفكّرين بقارئ محدّد أثناء الكتابة، صفيه لنا؟
(ر. ح.): أقيس على نفسي. فأنا أعمل في مجال النشر منذ 14 عامًا، وكل ما أفعله هو قراءة الأعمال التي تعرض على دار نوفل للنشر. أنا قارئة في المرتبة الأولى، إن لم يكن ضمن إطار مهنتي، فعلى المستوى الشخصي، لطالما كانت القراءة من أهم الركائز في حياتي. وبالتالي، كنت وأنا أكتب أشعر بمسؤولية أنّ عليّ أن أكتب ما يستحق القراءة. لكن لا أخفي أنه كان لديّ تصور ما للقارئ. لن يكون بالتأكيد من يحب روايات الإثارة والحركة على سبيل المثال، بل سيكون على الأغلب من لديه ميل للكتب النفسية ولتلك التي تبحث في الأسئلة الفلسفية الوجودية.
(ج): ما هو مشروعك القادم؟
(ر. ح.): لدي فكرة لكنها لا تزال جنينية، سأتركها للوقت يغذيها... أو يقتلها. فمشاريعنا أحلامٌ معلقة تحمل في طياتها حياة الفكرة، تبثها فينا فتمنحنا حافز الاستمرار، كما موتها، نقفل معه بابًا لنفتح ما بعده.
مقتطف من النوفيلا
نكتب كي لا نموت.
لا لا لا... كليشيييييه!!
نكتب كي نكتب. فقط.
أصلًا مَن يهمّه إن متنا أم عشنا؟
أو ربّما أنّنا نكتب كي يعيش الآخرون. نوثّق الخيبات والآلام التي أورثونا إيّاها، فنخلّد ما بقي منهم فينا.
لا، لا. نكتب كي يموت الآخرون. نتطهّر من آثامهم التي غرسوها في أرواحنا فنتخفّف من ندوبنا بقتلهم، ولو قليلًا.
غريبٌ كيف أنّ الموت هو أكثر الحالات طبيعية وبديهية، لكنّه يظلّ أكثر ما يصدمنا ويؤرّقنا في الوقت عينه. «حرام، مات!»، جملة تلقائية نسمعها، بل ونقولها فور سماعنا بخبر موت أحدهم، وكأنّها تعويذة اتُّفقَ عليها بنفاقٍ عامٍّ ضمني لدرء الشبح المخيف عنّا. للأمانة، ثمّة تحسّن صغير على هذا المستوى أتى أخيرًا مع تطوّر السفسطة والفلسفة والتفلسف، إذ أصبح لدينا لمّاحون متهكّمون أذكياء قد يقولون: «حرام، وُلد!»، لكنّهم يقولونها بينهم وبين أنفسهم. فأهل حديثي الولادة، والمجتمع، والكائن البشري عمومًا، يسبح في حالةٍ من النكران ما كان ليستمرّ من دونها في ممارسة فعل العيش بأيٍّ من تفاصيله، النفسية تحديدًا. الكائن البشري يطرد فطريًّا من رأسه فكرة أنّه كلّما احتفل بذكرى عيد ميلاده، فإنّه يحتفل بسنة أقلّ من عمره لا بسنة زائدة. أصلًا ليست الحياة سوى تدريبٍ طويلٍ على الموت. يكفي أنّه مع انتهاء كلّ قصّة حبّ يموت جزءٌ منك. وتخيّل يا رعاك اللّه أن تكون مثلي؛ ليس فقط أنّ أجزاءً منّي تموت في الآخرين بل إنّني أعجز عن دفنها ودفنهم. أنا منذورة للعيش مع أشباحي. محكومٌ عليّ بالإلفة مع الأموات الأحياء، وأنا أوّلهم في هذه الحسبة العجيبة. كلّهم يسكنوني ولا يمضون. أحيانًا تختلط الأزمنة والأمكنة في ذهني. أتوقّع رسالة من زمنٍ ماضٍ. أو أنسى للحظة أنّني أصبحت في مكانٍ آخر. ربّما لذلك تآلفتُ والموت. لم أعد أخافه. فهو ليس كاملًا عندي. يأتيني بالتقسيط المريح كما تقول إعلانات البنوك. نصف حياتي أعيشها في ذهني، كمقطع من رواية أو مشهد من فيلم. رأسي يضجّ بالسيناريوهات حتى يبهت ذلك الخطّ الفاصل بين الواقع والخيال. بالمناسبة، هذا الهذيان المؤذي كنتُ أجمّله أيضًا قائلةً: «أنا شخصٌ حالِم».
وهكذا، لم أشعر يومًا باقتراب الموت. فهو يرافقني دومًا، في كلّ لحظة. حتى إنّني لم أتوقّع أن أتقدّم في العمر فأصل إليه. هو ينمو معي كلّ يوم. ولذلك، عندما بدأ جسدي منذ عام تقريبًا بالتآمر عليّ، عندما لم أعد أعرفه، عندما أصبحت أعجز أحيانًا عن السيطرة عليه، عندما خذلني، صدمت واستغرقني الأمر سنة كاملة كي أستوعب. حتى الأمس كنت أقول: كبير، عمره 50! اليوم، وبعد أن بلغت الـ47، صرت أقول: خسارة مرضها الفتّاك، ما تزال صبية في أربعينيّاتها...
مهما كنتَ ذكيًّا، متبصّرًا، حساسًا واعيًا مدركًا، لن تشعر بهذ الطفرة من التغيّرات إلّا في حينها. الزمن هو الشيء الوحيد الذي عجزتَ كبشري عن ترويضه (ربّما تكون تلاعبتَ بإيقاعه أحيانًا كلّما تحايلت عليه بسيجارة حشيش، لكنّك لم تملكه يومًا، لم تسيطر عليه، وظلّ إحساسك بالتفوّق آنيًّا وشخصيًّا، أحدَ أوهامك التي تتلهى بها).
الموت والحياة وجهان لعملة واحدة. الكليشيه مجدّدًا!
لكنّهما كذلك... ونحن عالقون في الوسط. تمامًا كما نحن عالقون بين كلّ قطبين من المعاني. وقواعد الفيزياء، لا أنا، تملي أنّ حصيلة الزائد والناقص صفر. فماذا نكون نحن إذن؟ نحن أبناء الشرط البشري الفتّاك، السجن الأبدي، الشبكة التي تظلّ تلتفّ عليها وعلى نفسك حتى الإنهاك والاستسلام. كم من حبرٍ أهدره الفلاسفة على موضوع الحرية وكم قيل فيها! في النهاية، ليس هناك من حرية. مهما اخترت، مكتوبٌ لك أن تختاره أكان ذلك في أدبيات الفلسفات الدينية أو الديانات السماوية. حتى في السياق العلمي، اِختر ما تشاء واشعر بحرّيّتك. لكن مآلك يظلّ الموت. وهذا الموت، لن تستطيع شيئًا حياله، لن تهزمه، إلّا في حالة واحدة: أن تستعجله. أفضل طريقة للدفاع هي الهجوم. انتحرْ، تهزمْ نزق الموت... لكن حتى في هذه الحالة، أنت لا تزال في دائرة مغلقة لا فرار منها، تبدأ بالولادة وتنتهي بالموت. أي الفراغ. أي اللاشيء. ومن هنا جاءت نظريّتي التي تحاكي الإخوة الـ«je m’en foutiste» في خلاصاتها. إلّا أنّها، اتساقًا مع إرثي العربي الرومانسي وأصولي الكربلائية، وطيبتي الحمقاء، وشخصيّتي القطبية، تلوّنتْ بالدراما، وعشقِ الجمال الآني والمتفلّت، من طبيعةٍ خلّابة إلى لحظةٍ إنسانيةٍ، كما حبستْ نفسَها لأسباب تربوية أورثتها عقدة الكمال وقدسية الانضباط الصارم، وعليه، لا أستطيع وصف نفسي باللامبالية تمامًا. حتى هنا يظهر التناقض الفظيع. ربّما يكون الاتّساق الوحيد الذي حقّقته في حياتي هو اتّساقي في عملية التناقض التي تشكّل عمودي الفقري النفسي.
كلّ شعورٍ ممتدّ إلى أقصاه يعطّل اللغة. لا أبلغ من الصمت ولا سلطان كسلطانه حين عن الجلد تفيض المشاعر من فرحٍ وحزنٍ وكرهٍ وإيمانٍ وعشقٍ ومرارةٍ واغتراب. هنا مقتل الكلام وعجز الحروف. الاستفاضة دربٌ منتهاها التقشّف. فلتصمتي قليلًا، قلتُ لنفسي، الموتى لا يحبّون الضجيج، فلتكفّي عن قضّ مضاجعهم. الضحايا يكرهون التعاطف، فيه مصادرة لوجعهم. في كلامك إهانة لمأساتهم وتسويف لمشاعرك. الأبناء يكبحهم حبّك، فلترحميهم منه قليلًا. الأحبّاء ينكفئون أمام سيل الكلام المعسول، يخافون الغرق، فلتبتلعي مشاعرك.
بهذا حدّثتُني للمرّة الألف.
ولكن، أيضًا، كلّ شعور ممتدّ إلى أقصاه هو سجن.