(المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، 2025)
[أستاذ الفلسفة ومناهج التدريس في المدرسة العليا للأساتذة في جامعة المولى إسماعيل بمكناس في المغرب، وباحث زائر في جامعة فاندربيلت بالولايات المتحدة الأمريكية ضمن زمالة فولبرايت. حاصل على الدكتوراه من جامعة الحسن الثاني. عمل مدرّسًا لمادة الفلسفة ومشرفًا تربويًّا في هذا الاختصاص، وقدّم أوراقًا بحثية عديدة في مؤتمرات دولية، ونشر مقالات وبحوثًا وفصولًا في كتب جماعية. تتوزّع اهتماماته بين فلسفة الأخلاق والدين، وإتيقا الاعتقاد، ونظريات الحجاج، وإدماج التفكير النقدي في المناهج، وتدريس الفلسفة للناشئة].
جدلية (ج): كيف تبلورت فكرة الكتاب وما الذي قادك نحو الموضوع؟
شفيق اكّريكّر (ش. ا): بما أن الكتاب هو في الأصل رسالة دكتوراة، فإن قصته هي تقريبًا قصة هذه الأخيرة. وهي قصة طويلة تمتد على مدة تقارب الثلاثين عامًا، يمتزج فيها مسار الحياة الشخصي بمسار الأفكار، فأرجو أن تسمحوا لي بحكايتها؛ لأن أطوارها تسلط الضوء في النهاية على أطروحة الكتاب.
بدأ الأمر باطلاعي على كتاب رسائل فلسفية لمحمد بن زكريا الرازي. كان ذلك سنة 1998! اقتنيت الكتاب من مكتبة كتب مستعملة بمدينة مكناس، بينما كنت أنتظر الحافلة التي ستُقلّني إلى حيث كنت أعمل مدرسًا للفلسفة بالثانوي في إحدى مدن شرق المغرب. كان ذلك بدافع الفضول ولم أكن ساعتها أعرف عن الرازي شيئًا. يتكون الكتاب من رسالتيْن وبعض القطع المتفرقة التي استخلصها محقق الكتاب، بول كراوس، من مخطوطات عدة. طفقت أطالع الكتاب طوال الساعات الست التي تستغرقها الرحلة، فإذا بعالم جديد ينفتح أمامي.
كانت الرسالة الأولى تحت عنوان الطب الروحاني، وقد كتبها الرازي استجابة لطلب الأمير منصور بن إسحق بن أحمد بن أسد، حاكم الرّي بين سنتيْ 290 و296 هـ. تتناول الرسالة كيفية حفظ صحة النفس ومداواة ما يصيبها من أسقام مثل الهم والحزن والطمع والشره والوسواس والحسد وإفراط الشراب... يبدأ الرازي بفصل خاص في مدح العقل بحسبانه هبة إلهية ينبغي تشريفها بجعله على الدوام حاكمًا لا محكومًا، ويختم بفصل مكرّس لدفع الخوف من الموت. وفي هذا الفصل يبرهن الرازي أن المرء العاقل لا يحسُن منه الخوف من الموت سواء كان مؤمنا بحياة بعد الموت أو غير مؤمن. فإن كان غير مؤمن، فليس عليه أن يخاف لأن الموت ليست سوى زوال الحس، ولا يمكن للمرء أن يتأذى وهو لا يحس؛ أما إن كان مؤمنًا، فلْيعم أنه سيصير إلى حال أفضل من حياته في هذا العالم، موقنًا بما أعد الله له من الجزاء إن عاش فاضلًا وفق ما تأمر به الشريعة الحقة. فإن افترضنا أنه لا يعرف هذه الشريعة الحقة، فما عليه سوى أن يبذل وسعه في البحث. فإن لم يجدها فالله يتجاوز عنه، لأن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها.
وأنا أطالع الرسالة، عنّت لي أسئلة كثيرة، مثل: لماذا يحتاج أمير مسلم إلى دليل مرشد في سياسة النفس ومداواة أسقامها مع أن التراث الديني حافل بأذكار وأدعية وطقوس لعلاج هذه الأسقام وتحقيق السكينة؟ لماذا يستهل الرازي وصفاته العلاجية بمدح العقل؟ ولماذا يكتب لهذا الأمير فصلًا في دفع الخوف من الموت؟ ولماذا يحرر وصفتيْن علاجيتيْن بحسب إمكان بقاء النفس بعد الموت أو عدمها وكأنها موجهة إلى كل إنسان بِغضّ النظر عن ملته؟
هذا عن الرسالة الأولى، أما الرسالة الثانية فهي بعنوان السيرة الفلسفية، وفيها يدافع الرازي عن نفسه ضد من اتهمه بالحيْد عن السيرة الفاضلة لسقراط، ويثبت استحقاقه رتبة الفيلسوف. بيد أن أهم أفكار الرسالة هي كونها تجعل التشبه بالله غايةَ الكمال الإنساني، وتحديدًا التشبه به في العلم والعدل والرحمة.
ظلت هذه الأفكار في حالة سبات إلى أن أيقظتها مشاركتي في مؤتمر العلوم الإنسانية والاجتماعية السادس الذي نظمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات سنة 2016، بورقة بحثية عنوانها: "إتيقا الحياة الدنيا الطيبة عند الرازي الطبيب: صيغة مبكرة للاستقلالية الأخلاقية ولفصل الأخلاق عن الدين". هذه الورقة تحولت، في السنة الموالية، إلى بحث ماجستير تحت إشراف الأستاذ عبد الإله بلقزيز. وقد تبيّن لي، بفعل توجيهات المشرف أنه كان حريًّا بي الحديث عن "تمييز"، لا عن "فصل"، للأخلاق عن الدين. وكما يظهر من الورقة البحثية ورسالة الماجستير، فقد تحولت الانطباعات الأولى، التي حصلت لي من مطالعة رسالتيْ الرازي، إلى إشكالية فلسفية تتعلق بالتوتر القائم بين ما هو أخلاقيٌّ، متمثلًا في مبدأ استقلالية الفاعل الأخلاقي المسترشد بالعقل، المتشبه بالله وفي مبدأ كونية الشِرعة الأخلاقية، من جهة؛ وما هو دينيٌّ متمثلًا في نظرية الآمرية الإلهية من جهة أخرى. وهو توتر، ينطوي على مفاهيم، قد أفصّل فيها القول بعد قليل.
وكان قد حدث خلال بحث الماجستير، المخصص حصرًا -كما ذكرتُ- للمذهب الأخلاقي للرازي الطبيب (التصور الطبي للفضائل الأخلاقية وفكرة التشبه بالله)، أن وجدت أن أجزاءً من مذهبه هذا قد تسربت إلى، أو تصادت مع (أي كان لها صدى) نطاقات في تراث الإسلام أبعد ما تكون عن الفلسفة. فقد تسربت إلى الإسماعيلية مع حميد الدين الكرماني، وتسربت إلى السُّنة مع عبد الرحمن بن الجوزي وتظهر أصداؤها لدى الراغب الأصفهاني والحارث المحاسبي. وهذه الملاحظة هي التي دفعتني، بتشجيع من المشرف عبد الإله بلقزيز، إلى تطوير بحث الماجستير إلى بحث دكتوراه حتى أتوسع في البحث وأستكشف ضروب حضور فكرتيْ الأتونوميا الأخلاقية والكونية الأخلاقية في تراث الإسلام. تلك هي قصة هذا الكتاب.
(ج): ما هي الأفكار والأطروحات الرئيسية التي يتضمنها الكتاب؟
(ش. ا.): دعوى الكتاب هي عينها المعبَّر عنها في الشق الأول من عنوانه؛ أي "الوعي الأخلاقي الشقي". لكن فهم هذه الدعوى يقتضي أولًا تعريف القارئ بالإطار النظري الذي يحتوي الدعوى ويَهَبُها معناها. وقوام هذا الإطار تمييزٌ جوهريٌّ بين الأخلاقيّ والدّينيّ بموجب مبدأيْن هما الكونية والأتونوميا. لم تتأتّ الصياغة النضيجة لهذين المبدأين في الفلسفة إلا منذ عهد قريب مع إيمانويل كانط [انظر الجزء (1) من مقتطفات الكتاب أدناه]:
- كونية الشِرعة الأخلاقية: لَمّا كان الدّين ينزع إلى الملّية أي إلى إنشاء أمّة وجماعة من المؤمنين بالمِلّة المخصوصة، فإن الاعتبارية الأخلاقية (moral worth)، في الغالب، لا تَسَعُ من هم خارج الأمة، فضلًا عن أن الأخلاق تصطبغ بخصوصية العقائد والشرائع، فلا يتميز الحلال والحرام (الدينيان) من الحسن والقبيح (الأخلاقييْن). وفي المقابل، يطمح ما هو أخلاقيّ إلى الكونية، التي تعني أن القيم الأخلاقية، كحسن العدل وشكر المنعم وقبح الكذب والظلم، قيمٌ تعني الإنسان بما هو إنسان، ومن ثَمّ عابرة للحدود الملية؛ وبالنتيجة لا يختص الإسلام بشيء منها ليس متقرراً عند فضلاء الأمم وعقلائها.
- أتونوميا/استقلالية الشخص الأخلاقي ("أوتونوميا" مركبّة من Auto ذاتي، وnomos ناموس وقانون)؛ وهي، بِلغة عربية فصيحة: القَوامة الأخلاقية للمرء على نفسه. يقوم الدّين جوهريًا على قيمة الطاعة التي يُظهرها المؤمن من خلال أفعال العبادة المختلفة ثم تزدوج هذه الطاعة بفضيلة دينية أخرى هي التقليد والاقتداء والتسنن. هنا يغدو التخلق امتثالًا لأمر آمر قادر مستعلٍ يأمر بما يشاء، فلا يكون من حَسن إلا ما حسّنه الشرع فحسب، ولا من قبيح إلا ما قبّحه فحسب؛ وتلك هي نظرية الآمرية الإلهية (Divine Command Theory). ولكن ما يضيع هنا هو نبل الجهد الأخلاقي (Moral endeavor) الذي لا يتحقق إلا في استقلالية الفاعل الأخلاقي والقوامة الأخلاقية للمرء على نفسه، أي عند الالتزام الحر بقوانين يشرّعها الكائن العاقل لذاته، أو يضعها الله فيه فيتعرف عليها ويعترف بها، سعيًا منه إلى تحقيق إنسانيته وكمال نفسه بما لها من عقل واستعداد للخير.
أصل الآن إلى الدعوى الرئيسة لكتابي وبيانها كالآتي: على الرغم من أن فكرتيْ كونية الشِرعة الأخلاقية وأوتونوميا الشخص الأخلاقي تتعارضان، فعليًّا أو ظاهريًا، مع نظام الأخلاقيات الدينية، فإنهما قد خامرتا، مع ذلك، الوعي الأخلاقي لعدد لا يستهان به رجال الإسلام ومفكريه من مختلف الأطياف، فأفْضَيَتا إلى درجات متفاوتة من الحيرة والتردد، أسمّيها "الوعي الأخلاقي الشقي"، وهو مفهومٌ مستوحاةٌ صيغته، أكثر من مضمونه، من هيغل. يكمن سر هذا الشقاء في أن الإيمان بصواب دين معيّن والاعتراف -في الوقت نفسه- بأن الحُسن والخير الأخلاقييْن يوجدان أيضًا في غير (أو قبل أو من دون) هذا الدّين الحق هما قضيتان لا تَصِحّان ولا تجتمعان إلا بشَقّ الأنفس وشِقّها! وهكذا إن كان قد سهُل على الضمير المسلم الإيمان بعقيدة اختصاص الإسلام وحده بحق حصري على الحقيقة الدّينية (Exclusive claim to the religious truth)، أي أن الإسلام يجُبّ ما قبله في مجال العقائد والعبادات وشرائع المعاملات.. التي تغدو منسوخة أو حتى مُحرّفة؛ فقد كبُر وشقَّ عليه أن يقبل، بالوثوقية نفسها، إعلان اختصاص الإسلام وحده، أيضاً، بحق حصري على الفضيلة الأخلاقية (Exclusive claim to the moral virtue).
من أجل إقامة الدليل على وجود مثل هذا الوعي الشقي في تراث الإسلام، بنيْت كتابي وكأنه سيرة لهذا الوعي على مدى أقسام ثلاثة تُناظِر تمهيدًا فعقدةً ثم حلًا. أما التمهيد فيشغل القسم الأول من الكتاب، وينبش عن تكوينية هذا الوعي الشقي منذ فجر الإسلام؛ أما العقدة فمبسوطة في القسم الثاني، حيث يصل شقاء الوعي إلى ذروته؛ وأخيرًا الحل الذي أصل إليه في القسم الأخير، حيث يحصل تجاوز هذا الشقاء من خلال القبول الصريح بالكونية والأوتونوميا الأخلاقيتيْن.
بيّنت في القسم الأول البواكير الأولى للوعي الأخلاقي المسلم بدءًا من التلقي الأخلاقي للدعوة المحمدية، الذي كانت فيه الأخلاق (أي مكارم أخلاق الرسول ومكارم ما يأمر به) تاج دلائل النبوة، لكن الأمر سينقلب لاحقًا، رأسًا على عقب، عندما تنتصر الشرعانية. يُقصد بهذه الأخيرة تغطيةُ كل نطاقات الحياة بحجاب التشريع الفقهي، بما في ذلك حياة الضمير أي الحياة الأخلاقية. وقد صاغ الأشاعرة كلاميًا هذه الشرعانية في نظرية الآمرية الإلهية. وبين اللحظتيْن، صدح صوتان مشاغبان هما: القدريون الأوائل، الذين استبشعوا الجبرية باسم تصور أخلاقي للماهية الإلهية بما هي عدل؛ ثم الوثني الفاضل، ممثلًا في المجوسي والبراهمة، الذي حيّر المسلمين من حيث إنه يجمع بين الضلال (العقدي) والاهتداء (الأخلاقي). [انظر الأجزاء (2) و(3) من مقتطفات الكتاب أدناه].
يصل الكتاب إلى العقدة في سيرة الوعي الأخلاقي الشقي مع ثلاثة أعلام. أوّلهُم ابن المقفع، الذي كرّس تقليدًا راسخًا يستحق أن نفرده باسم "أخلاقيات الأدب"، التي مدارها على امتداح العاقلية الإنسانية وما راكمته من حكمة عابرة للملل والأزمان، وذمّ التقليد، ونشدان سكينة النسك العقلي، والاستمساك بالمشترك الأخلاقي بين الأمم عند تضارب العقائد؛ ثانيهم هو المحدّث بن ابن الدنيا الذي دافع، بأدلة النقل، عن أخلاقيات تعلي من شأن كرم النفس والمروءة والحياء بوصفها دواعي أخلاقية داخلية للإنسان العاقل؛ وثالثهم الغزالي الذي امتدح صراحةً، على الرغم من أشعريته، الاستقلالية الفكرية حتى اتُّهم بالوقوع في حبائل الفلسفة، ومال إلى تصور أخلاقي للألوهية في علاقتها بالعالم، واختار التصوف سبيلًا للعناية بالنفس وفرارًا من الشكلانية الأخلاقية، وصرّح بأن الأخلاق خارجة عن ولاية الفقيه.
وفي القسم الثالث والأخير من الكتاب، قدمتُ ما اعتبرُه حلًّا وتجاوزًا خلّاقًا لشقاء الوعي الأخلاقي عند فريقيْن: أوّلهما المعتزلة الذين انتصروا صراحة للاستقلالية الأخلاقية عندما جعلوا الحسن والقبح عقلييْن، وقالوا بتكليف عقلي جنبَ التكليف الشرعي، وأضافوا إلى الجزاءات المقررة في الشرع جزاءات أخلاقية هي المدح والذم، وأنكروا أن تكون الإرادة الإلهية خالقةً للقيم كي يضمنوا الطابع الموضوعي للقيم الأخلاقية ويحْموا الفاعل الأخلاقي من تقلبات المشيئة واعتباطيتها، إلى درجة أنهم رأوا أن الاسترقاق قبيح في العقل وإن جوّزه الشرع! [انظر الجزء (4) من مقتطفات الكتاب أدناه].
أما ثاني الفريقيْن فهو رجل واحد، محمد ابن زكريا الرازي، الوحيد بين الفلاسفة ممن نافح بكل جرأة عن الأوتونوميا الأخلاقية، مخالفًا بذلك أترابه من الفلاسفة ممن سلّموا بثنائية عامة/خاصة. قال الرازي بقدرة كل إنسان على قيادة نفسه بفضل العقل، الذي هو هبة إلهية لكل إنسان، ينبغي تشريفه بجعله إمامًا متبوعًا، لا مأمومًا تابعًا. أما منتهى التخلق عنده فهو التشبُّه بالله في العلم والعدل والرحمة [انظر الجزء (5) من مقتطفات الكتاب أدناه]. كذلك أقر الرازي الكونية الأخلاقية بفضل ميتافيزيقاه المهتجسة بمشكلة الشر بحسبانه تحديًّا أونطلوجيًا عابرًا للملل والنحل، مطروحًا على النفس الكلية المتفرقة في أفراد النوع الإنساني، ثم زاد الكونية الأخلاقية رسوخًا بفضل مقاربته الطبية للأخلاق التي تصير بموجبها الرذائل آلامًا تنبغي معالجتها وتَوَقّيها، لا آثامًا تستجلب التقريع.
باختصار: إن ما كان موضوع تنازع، خلال الأطوار التي مرت منها سيرة الوعي الأخلاقي المسلم، هو جواب السؤال: هل الله آمر يُطاع أم مَثَل أخلاقيٌّ أعلى يُتشبه به؟ وترتّب عن الإجابة تأويلان للماهية الإلهية: تأويل أخلاقي يصير اسم الله بموجبه مرادفًا للعقل والعدل والحكمة والرحمة (التي تسع العالمين)، وتأويل سلطاني يصير اسم الله بمقتضاه مرادفًا للأمر والاستعلاء والقدرة المطلقة التي الذي لا رادَّ لها ولا مدركَ لأسرارها.
(ج): ما هي التحديات التي جابهتك أثناء البحث والكتابة؟
(ش. ا.): التحدي الأول هو تحدي المتن المدروس: ما هي المواضع التي يمكن للمرء أن يعثر فيها على تعبيرات الوعي الأخلاقي الشقي في تراث الإسلام الفسيح؟ إن الموضع الذي يخطر على البال، لأول وهلة، هو المصنفات الأخلاقية المشهورة مثل تهذيب الأخلاق لمسكويه أو معالجات الفلاسفة لسياسة النفس ضمن الفلسفة العملية؛ ولكن المرء لا يظفر بشيء ذي بال في هذه المواضع. ولهذا تعيّن عليّ أن أستكشف طيفًا واسعًا من التآليف سواء كانت تفاسير القرآن أو مصنفات المحدثّين أو كتب المتكلمين أو الأصوليين أو المتأدبين أو المؤرخين، بل وحتى الرحالة أحيانًا كابن بطوطة! المشكلة هنا أنك لا تعلم مسبقًا أين يمكنك أن تعثر على ضالتك، لأن المفكر المسلم غالبًا ما يرخي العنان لفلتات وعيه الأخلاقي الشقي طيَّ جملة أو في منعطف فقرة أو في ثنايا استطراد أو سجال، كل ذلك في مواضع لا تخطر على البال أول مرة.
يتمثل التحدي الثاني في طبيعة الوعي الذي أدرسه، من حيث هو وعي مراوغ. قلنا إن المفكر المسلم وقف مترددًا بين حقيقتيْن، وما أراد التفريط في أيّ منهما لصالح الأخرى. ونظرًا لما يرافق هذا التردد من انشطار داخل الوعي، فإن تعبير المفكر المسلم عن انحيازه إلى الأوتونوميا والكونية الأخلاقيتيْن لا يكون دائما واضحًا أو صريحًا. من هنا كان التحدي الأكبر الذي واجهني هو كيفية اجتراح منهج يسمح لي بالكشف عن هذا التوتر بالرغم من خفائه، وهو أمر ليس بالهيّن. ولذلك لجأت إلى ما سميّته "الفكرة مجلوةً في مرآة نقادها أو المتحفظين منها". معنى ذلك، أحيانًا، أن المفكر عمرو قد لا يعبّر صراحة عن انحيازه إلى الأوتونوميا والكونية الأخلاقيتيْن، فيتولى خصمه، المفكر زيد، كشف النقاب عما هو مضمر في خطاب عمرو، وفضح ما تنكب هذا الأخير التعبير عنه بوضوح وصراحة؛ ينطبق هذا بالخصوص على الأشاعرة في سجالهم مع المعتزلة. وأحيانًا أخرى، تجد أفكار عمرو مصاغة عند المفكر زيد، الذي لا يعارض الفكرة لكنه متحفظ منها، فيلجأ إلى التخفيف من حدتها وتديينها (إضافة الشواهد الدينية)، فيتضح لك آنذاك أن ما استغنى عنه المفكر عمرو من سند ديني لمذهبه الأخلاقي، ارتأى عمرو إضافته. ينطبق هذا بالخصوص على عبد الرحمن بن الجوزي في علاقته برسالة الطب الروحاني للرازي الطبيب.
(ج): كيف يتموضع هذا الكتاب في الحقل الفكري/الجنس الكتابي الخاص به وكيف سيتفاعل معه؟
(ش. ا.): قد يستغرب القارئ عدم اشتباكي مع كتابات تستقطب النقاش الأخلاقي المعاصر، من قبيل كتابات المفكر المغربي طه عبد الرحمن؛ بيد أن العجب يبطُل متى عُرف السبب، وهو أني لا أتناول في كتابي هذا أخلاق الإسلام أو ما ينبغي أن تكونه أخلاق الإسلام أو القرآن، بل أتناول الوعي الأخلاقي المسلم، كما عبّر عنه الطيف الواسع من رجال الإسلام ومفكريه. في المقابل، يتموضع كتابي داخل (ويشتبك مع) أمهات الدراسات في الجنس الكتابي الخاص به، أي دراسات الفكر الأخلاقي في تراث الإسلام، وهي ثلاثة من أمهات المراجع في هذا الحقل: الأولى هي النظريات الأخلاقية في الإسلام لماجد فخري (1923-2021)، وفيها نلفي صُنافة قطاعية للتيارات الأخلاقية: سمعية، ودينية، وكلامية، وفلسفية؛ مع تلميح عرضي إلى صلة الأخلاقيّ بالدينيّ عبر استخدام الزوج عقلانية/تقليدانية. ولكن خطوط الانقسام بين توجهات المفكرين لا تنضبط بالضرورة، كما أبيّن في كتابي، للحدود والقطاعات، بل تخترق جغرافيا المباحث الإسلامية من تفسير وحديث وأدب وكلام وأصول وتصوف وفلسفة. الدراسة الثانية هي العقل والنقل في الأخلاقيات الإسلامية لجورح حوراني (1913-1984)، وفيها تشديد صريح على أن قصة الأخلاق الإسلامية هي قصة بطل مأساوي اسمه العقل المستقل في مواجهة النقل والتقليد. ولكن حوراني لم ير من ممثل للعقل المستقل سوى المعتزلة فأهمل بذلك مفكرين مسلمين كُثرًا شاطروا المعتزلة الاحتفاء بالعقل المستقل وإن على نحو موارب. وقد سعيت في كتابي إلى توسيع دائرة أنصار العقل المستقل لتشمل فيلسوفًا هو الرازي الطبيب؛ ومفكرين لا يصنفون ضمن الفلاسفة، مثل ابن المقفع؛ وطائفة من المفكرين الموصوفين عادة بالتقليدانيين، مثل ابن أبي الدنيا أو الغزالي. أما الدراسة الثالثة فهي العقل الأخلاقي العربي لمحمد عابد الجابري (1935-2010)، وتمتاز بسعة استقصائها لمصادر الأخلاق في التراث وطرافة النمذجة الدائرة على قيم (سعادة، مروءة، طاعة، مصلحة، فناء)، وتفطُّنها إلى أن الطاعة (أو الكسروية كما يسميها أيضًا) هي الداء العضال للعقل الأخلاقي العربي؛ بيد أن الجابري أنكر أن يكون التنازع قد دار بين العقل والسمع، وحاجج بأن الطاعة والائتمار والسلبية قد دخلت على العقل الأخلاقي العربي من مصادر أجنبية (الموروثان الفارسي والصوفي). والحال أني أحاجج عن أن الائتمار هو أيضًا منتج أصيل للأخلاق الإسلامية، مستمدٌ من تأويل معين للدين وللألوهية. ويتمثل إسهامي في بيان أن الطاعة لا تقتصر على الكسروية، أي على الانقياد للحاكم والتسليم لأمره أو لحكمه أو لتغلُّبه، بل تشمل أولًا وأساسًا، الانقياد الأخلاقي، الذي بموجبه تكون السيرة الأخلاقية للفرد مجرد امتثال وطاعة لأمر خارجي، بدلًا من أن تكون امتثالًا للخير والحسن والفضيلة والكمال الكامن في الأمر.
ولئن كانت هذه الدراسات الثلاث قد مرّ عليها زمن معتبر (إذ أن أحدثها هو كتاب الجابري الصادر منذ ربع قرن)، فثمة دراسة حديثة جدًا يتقاطع معها كتابي، وهي كتاب شيرمن جاكسون، النطاق العلماني في الإسلام (The Islamic Secular) التي صدرت بعد مناقشتي لرسالة الدكتوراة، حيث يحاجج المؤلف عن وجود (نطاق) علماني إسلامي، أي نطاق واقع في ما وراء الشرعي، ويجادل عن أن دائرتيْ "إسلاميّ" و"شرعيّ" غير متماهيتيْن، إذ يمكن لقطاعات من الحياة أن تتميز من الشريعة من دون أن يعني أنها أصبحت غير إسلامية أو ضد الإسلام، أو متجاهلة للإرادة الإلهية. يستشهد جاكسون بآراء فقهاء، في مقدمتهم القرافي، ممن لم يكونوا يرون أحكام الشريعة شاملة كل شيء. وفيما يتعلق بالحياة المعاصرة، يضرب جاكسون أمثلة عديدة لقطاعات تقع (وينبغي لها أن تقع) في ما وراء الشرعيّ (أي العلماني) مثل التنظيم الإداري للدولة (سياسات البناء والتعمير، قوانين سياقة المركبات وسيرها..) والاقتصاد (إنتاج الثروة) والعلم وآداب الحب والتعبير عن العواطف. وإني أزعم، في كتابي هذا، أنه إن كان لدعوى جاكسون هذه أن تنطبق على نطاق ما، يمكن أن يُعدّ علمانيًا في الإسلام، فأوْلى بها أن تنطبق على نطاق الأخلاق.
(ج): ما هو موقع هذا الكتاب في مسيرتك الفكرية والإبداعية؟
(ش. ا.): الكتاب هو باكورة أعمالي في مجال دراسات الفكر الأخلاقي في الإسلام، جاء تتويجًا لسلسلة من المقالات التي نشرتها سابقًا في المجال البحثي نفسه، بدأتها -كما ذكرتُ- بدراسة تحت عنوان إتيقا الحياة الدنيا الطيبة عند الرازي، نشرت في الكتاب الجماعي لمؤتمر سؤال الأخلاق في الحضارة الإسلامية المنعقد سنة 2016، وآخرها سيصدر في بحر الشهر المقبل (يونيو)، وهو فصل بعنوان Personhood in the Qur'an: Investigating the Qur'anic Anthropology ضمن كتاب جماعي عنوانه Ethics and the Self in Islam: Historical and Contemporary perspectives. وحيث أن لي اهتمامًا بتدريس الفلسفة للناشئة، فقد نشرت أيضًا مؤلفات فلسفية لتقريب الفكر الفلسفي من الناشئة مثل كتاب عوالم الفلسفة وكتاب عن فن المقالة الفلسفية. وفي كلا الكتابين، لم أسع إلى تلقين النشء معارف عن الفلسفة أو قواعد جافة للمقالة، بقدر ما حرصت على قدح زناد التفكير الفلسفي في ذهن المتعلم ووجدانه، تساؤلًا وبحثًا وحجاجًا، تفكيرًا وكتابةً.
(ج): من هو الجمهور المفترض للكتاب وما الذي تأمل أن يصل إليه القراء؟
(ش. ا.): يتوجه الكتاب، أولًا وبطبيعة الحال، إلى جمهرة الباحثين المختصين في الفلسفة الأخلاقية وفي دراسات الفكر الأخلاقي في الإسلام، فيقترح عليهم تأويلًا جديدًا لهذا الفكر من خلال مفهوم جديد هو مفهوم الوعي الأخلاقي المسلم: تشكُّلاته وإحراجاته ونجاحاته وإخفاقاته وشقاءه. ولكن الكتاب يخاطب أيضًا الجمهور المثقف من غير المختصين، وهذا ما سعيت إلى إيضاحه والتشديد عليه في خاتمة الكتاب، متسائلًا: ما الذي يعنيه، بالنسبة إلى مسلمِ اليوم، أن يتعرف على كونية الشِرعة الأخلاقية وأتونوميا الفاعل الأخلاقي بوصفهما سؤاليْن أقلقا الوعي الأخلاقي ومن ثم الضمير الدّيني في الإسلام طوال الحقبة الكلاسيكية؟ ألا يزال هذان السؤالان ضاغطيْن على الوعي الأخلاقي للمسلم اليوم؟
يبيّن الكتاب أن الاعتراف بكونية الشِرعة الأخلاقية لازمة للمسلم اليوم كي يقبل خيرية الآخر ويثمّن فضيلته، حتى وإن كان يرى فيه هالكاً مغضوباً عليه من الناحية الدّينية-العقدية. بهذا المعنى يمكن للمسلم الوصول إلى كلمة سواء مع غيره، المشاطرين له في الإنسانية المخالفين له في الملة، ويُسْهم وإياهم في تدبر المشكلات الأخلاقية التي تواجه العالم المعاصر وإغناء المحادثة الأخلاقية العالمية الدائرة بصدد حقوق الإنسان وكرامته واستقلال الشعوب والحكم الرشيد والمساواة والعدالة الاجتماعية وقيمة التنوع البيئي … إلخ.
ويصح القول نفسه على أتونوميا الفاعل الأخلاقي أو القوامة الأخلاقية للمرء على نفسه. إذا كنا ننشد اليوم الديمقراطية، فالديمقراطية ليست إلا القوامة السياسية للجماعة على نفسها، بحيث تكون هي التي تحكم نفسها بنفسها وتشرّع لنفسها - من خلال ممثليها - القوانين التي تنظم وجودها غير مؤتمَرة منقادة. وهذه الاستقلالية تتوقف على استقلالية سابقة عليها، هي الاستقلالية الأخلاقية، بحسبانها قدرة الفرد على أن يكون المشرّع الأخلاقي لنفسه، لا مجرد مؤتمَر مطيع. ولذلك لا فرق بين أن يتصرف الناس في المجال السياسي بدافع الائتمار والخوف، وأن يتصرفوا بالدافع نفسه في المجال الأخلاقي. وإن حياة أخلاقية لا يمارس فيها الفرد قوامته على نفسه، لن تكرس إلا حياةً سياسية تلغي هذه قوامة الجماعة على نفسها: لا فرق بين الذات (الفردية) مسلوبة الإرادة الأخلاقية والذات (الجماعية) مسلوبة الإرادة السياسية، كلاهما في وضعية الائتمار المهين، أو القهر بحسب عبارة ابن خلدون.
(ج): ما هي مشاريعك الأخرى/المستقبلية؟
(ش. ا.): كما يتضح من أجوبتي عن الأسئلة السابقة، استكشفت في الكتاب الحالي الأنحاء التي وعى من خلالها مفكرو الإسلام صلات الدينيّ بالأخلاقيّ، والكيفيات التي استجابوا بها للتحديات التي طرحتها عليهم الأخلاقيات غير الدينية (الإنسية) في العصور القديمة، سواء تلك التي توسلت قِيَم الأدب والعقل (من الموروث الفارسي)، أو قِيم الفضائل الأرسطية ومثال ideal التشبه بالله (من الموروث اليوناني)، أو قِيم المروءة والمكارم والحياء (من الموروث العربي). وبالمثل، أنوي إصدار جزء ثانٍ أستكشف فيه الأنحاء التي وعى وِفقها المفكرون المسلمون المعاصرون صلات الأخلاقيّ بالدينيّ في ضوء لقائهم بأخلاقيات فلسفية أشد تحديًّا، مثل أخلاقيات الفطرة والدين الطبيعي لروسو أو أخلاقيات الواجب لكانط أو الأخلاقيات العواقبية بمختلف صيغها أو نظرية الأصل الاجتماعي للأخلاق عند دوركايم أو دهرية الفلسفات اللادينية أو منظور السيكولوجيا التطورية لنشأة الوازع الأخلاقي، إلخ. كما أني بصدد إعداد دراسة عن المفعول الأخلاقي المدمر للقهر السياسي عند ابن خلدون. ومن مشاريعي المستقبلية الأخرى، التي جمعت لها مادتها الأولية، دراسة عن ميتافيزيقا الشر في القرآن، وذلك لأن الشر يمثل أحد أشرس التحديات المطروحة على التدبر الأخلاقي ماضيًا وحاضرًا. وأخيرًا، فإني أسعى إلى تنظيم مؤتمر علمي دولي تحت عنوان "تدريس الأخلاق في نُظم التعليم الحديثة". وكما يظهر من عنوانه، فموضوعه يقع في تقاطع اهتماماتي بأسئلة الأخلاق واهتماماتي بأسئلة التربية والتعليم.
مقتطفات من الكتاب
[1]
حاجج كانط «بأن الاستقلالية جوهر الأخلاقية، [...] وأن الإرادة تسقط في الانقياد (heteronomy) كلما راحت تنشد القانون الآمر لها خارج ذاتها بدلاً من أن تحرص على التوافق بين مسلمات هذا القانون وتشريعها الكوني [...] ومتى لم تكن المبادئ والقوانين تشريعاً ذاتياً (self-legislated) فإنها تفقد سلطتها الأخلاقية.» وهذه القدرة على التشريع الذاتي هي الأتونوميا، وتقابلها الهيترونوميا أي الائتمار واتباع تشريع الغير. لا يحتاج القانون الأخلاقي إلى فكرة كائن أعلى تكون له أصلاً أو تزوده بقوة الأمر الملزم. ولكن هذه الاستقلالية التامة، وهنا المشكلة، تعني الاستقلالية عن الأمر الإلهي أيضًا، بمعنى أن الفاعل لا يأتي الفضيلة ولا يسعى إليها، لأن الله سنّها أو أمر بها؛ بل لأن عقله العملي يسنّها ويأمر بها وكرامته تقتضيها. فهل يعني ذلك أن كانط يدعو إلى إيمان أخلاقي في مقابل إلحاد ديني أو إلى الاستغناء عن الله؟ كلّا، فشِرعة العقل هي، في النهاية، الشرعة الإلهية فينا؛ وقد نبّه على ذلك اللّاهوتي بول تليتش فقال: «غالباً ما يشوّه اللّاهوتيون فكرة الاستقلالية، بالقول إنها من علامات شقوة الإنسان الذي يريد الاستقلال بنفسه، في حين أنه كله لله. والحال أن مثل هذا اللّاهوت أو الفلسفة البئيسة ينعقان بما لا يفقهان! الاستقلالية هي الناموس الطبيعي النابع من الله، والمنتقش في العقل الإنساني، والماثل في بنية العالم. ولطالما فُهمت الشِرعة الطبيعية، في الفلسفة واللّاهوت الكلاسيكييْن، بما هي شِرعة العقل، التي هي الشِرعة الإلهية. ناهض مفكرو عصر الأنوار كل عبث (Arbitrariness) قد يتسمى عندهم مثلاً باسم النعمة الإلهية وألحّوا على خضوع الإنسان للقانون الطبيعي المعبر عن طبيعة الإنسان والعالم. والمفهوم النقيض هنا هو الائتمار؛ لأن الخضوع للعبث ائتمار يناقض الأتونوميا. يحصل الائتمار كلما كانت الرغبة أو الرهبة هي المتحكمة في أعمالنا، سواء كانت علة رهبة الله أو المجتمع أو ضعف مستوطن في أعماق النفس.»
[2]
تحكي كتب السيرة أن قريشاً شرعت في إعادة بناء الكعبة والرسول ابن العشرين، فلما بلغت موضع الحجر الأسود اختلفت فيمن يرفعه إلى مكانه واشتد التوتر. فلجأوا إلى محمد بن عبد الله وارتضوه حكماً بينهم. وبذلك يكون قد اصطفي من قبيلته عدلاً، قبل أن يصطفى من الله نبيّاً. تنسجم هذه الرواية مع جملة المعايير التي اعتمدتها زوجة الرسول، خديجة بنت خويلد، في الحكم على الواقعة الاستثنائية، غير المسبوقة في المعهود العربي، التي جاء زوجها ذات يوم يحدثها عنها. جاءها الرسول خائفاً يرتجف، مرتاباً من نفسه ومن أمره، بعد ما جرى له في غار حراء؛ فأجابته في حديث مشهور مثبت في باب بدء الوحي من كتب الأحاديث: «أبشرْ فوالله لا يخزيك الله أبداً، والله إنك لتَصلُ الرحمَ وتَصْدُقُ الحديثَ وتَقْرِيْ الضيفَ وتَحمِلُ الكلَّ وتكسِبُ المعدومَ وتُعِينُ على نوائب الحق.» تعدّد السيدة خديجة هنا مآثر السيرة الفاضلة للرسول، فتأتي على أمهات المكارم الأخلاقية بالنسبة إلى المجتمع العربي آنذاك، الدائرة على معنى الإحسان: صلة الرحم وإكرام الضيف ومساعدة الضعيف وإعانة المعدم والمكروب، إضافة إلى خصلة لم يبلغ الاحتفاء بها ما بلغته المكارم السابقة، هي الصدق؛ التي تهد حاسمة في إثبات الشق الغيبي في دعوى النبوّة (تلقّي الوحي). وفضلاً عن ذلك، فإنها تقْسم قَسَماً دالاً على يقين أخلاقي مبني بدوره على افتراض معين حول الطبيعة الأخلاقية لله. فالله، في تصورها، مشارك في جماعة أخلاقية (Moral community) دستورها سَنن أخلاقي، لا يستقيم بموجبه مقابلة الكرم بالخزي، أو مجازاة الكريم بالمهانة. وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟
نحن، هنا، أمام أسبقية للأخلاق على الدّين، أسبقية تتكثف في قصة حديث السيدة خديجة نفسه. تتابع كتب السيرة قائلة إنها بعد أن أقامت الدليل الأخلاقي-العقلي على سلامة أمر زوجها كما مر معنا، أخذته إلى ورقة ابن نوفل الذي سيقدم المصادقة النقلية أو الكتابية (Scriptural validation) على صحة استدلالها من خلال ما درسه من كتب اليهود والنصارى. ومعنى ذلك أن كل ما تستطيعه السيدة خديجة هو التأويل الأخلاقي للتجربة النبوية، أما التأويل الميتافيزيقي لتلك التجربة فيقع خارج أفقها الذهني؛ لأن الثاني يقتضي إدراج التجربة النبوية ضمن تاريخ مقدس، تاريخ خلاصي، تختص به جماعات أهل الكتاب، في حين أنها من "الأمّيين".
[3]
كان القدريون الأوائل أوائل فعلًا؛ من حيث إنهم كانوا أول الناطقين بلسان حال الوعي الأخلاقي الشقي في الفترة اللاحقة على زمن الخلفاء الراشدين. وبالتأكيد، فإن جراثيم الأسئلة، التي أجابوا عنها بشجاعة نادرة، قد نمت منذ فجر البعثة المحمدية كما رأينا في المبحث الأول من الفصل السابق. وليست الفكرة القدرية أقل من إعلان استقلالية الفاعل الإنساني عندما نصّبته مصدرًا حقيقيًّا للفعل، وهذا ما أرعب الضمير المسلم التقي الذي لم ير فيها غير إعلان استقلال عن السيادة الإلهية! والحال أن القدريين لم يعلنوا هذه الاستقلالية عُتواً وطغيانًا، بل وضعوها تحت راية العدل والرحمة الإلهية، واستنتجوها منطقياً من التكليف المناط بالإنسان والحساب الذي ينتظره. غدت الذات الإنسانية، وفق الفكرة القدرية، ذاتًا فاعلة أخلاقية بالدرجة الأولى، يصح على أفعالها المدح والذم والثواب والعقاب؛ في حين جعل الجبرية من هذه الذات ذاتاً عابدة متدينة فحسب، مركزين على جانب الخضوع للسيادة الإلهية بالدرجة الأولى.
[4]
وقبل أن نأتي على ذكر عموم البشر الذين فتح لهم المعتزلة باب الكون الأخلاقي، لا بأس أن نشير، أيضًا، إلى أنهم فتحوا بابًا مماثلاً للرقيق والبهائم، الذين لم يكونوا يحظون بأي منزلة أو استحقاق أخلاقي (Moral worth) في العالم القديم. ففي معرض نقضه لحجة من يقول إن الله مالك لنا فيحسن منه الأمر والنهي بما يشاء كما هي الحال في مالك العبد، رد القاضي [عبد الجبار]: " أمَا علمتم من قولنا إن خدمة العبد لا تحسن عقلًا؟ وكلامنا معكم في العقليات، فكيف يصح لكم الاستشهاد به؟ وبعدُ، فلأنه تعالى ضمن لهم عليه عوضاً، كقولنا في ذبح البهائم، لا من حيث ملكناه[م]. ولذلك يقبح منا قتلهم وتقطيع أوصالهم." بعبارة أخرى؛ تسخير العبد في حد ذاته قبيح في العقل أي في الأخلاق، وملكيتهم ليست وجهاً له يحسُن هذا التسخير؛ فلولا أن السمع جعل للتسخير عوضاً ما كان له وجهُ حُسنٍ. وهذه لَعمري محاكمة للاسترقاق وإدانة عقلية يندر وجودها في القدامة. أما عن البهائم، ففي الوقت الذي اكتفى فيه أهل ملتهم بفكرة تسخير الله الحيوانَ للإنسان وعدّوا ذبحه قربى إلى الله، لم يتردد المعتزلة في عرض قضية البهائم أمام محكمة "العدل"، فقالوا بأن الله يعوضها عن ذلك الإيلام عوضاً عظيماً في الآخرة، مثلما يقتص منها على ما تُلحقه بالإنسان من آلام كما هي الحال في لسعات العقارب والزنابير!
[5]
لكي نتقدم خطوة إضافية في فهم فكرة التشبه بالله عند الرازي، لا بد من التعرف على صفات الله التي يراد التشبه بها، وهي عند الرازي: إرادة الخير للكل والرحمة والعلم والعدل. الله عند الرازي، كما عند المعتزلة تماماً، معرّف من خلال ماهيته الأخلاقية بوصفه خيراً محضاً؛ إذ هو "المُفْضِل على الكل المريد الخير للكل." ولكن ماذا عن الآلام التي تصيب الإنسان؟ يجيب الرازي: "لما كان الأصل الذي وضعناه من أن ربنا ومالكنا مشفق علينا ناظر لنا رحيم بنا تبع ذلك أيضاً أنه يكره أن يقع بنا ألم. وأن جميع ما يقع بنا منه مما ليس من اكتسابنا واختيارنا، بل مما في الطبيعة، فلأمر ضروري لم يكن بد من وقوعه." يذكّرنا هذا بالتناول الاعتزالي لمعضلة الشر، الذي منه نوعان: شر إنساني مما تكسبه يد الإنسان الحر المختار الخالق لأفعاله، وشر خارج دائرة الفعل الإنساني (extra human) من فعل الله لقاء أعواض، وهو الذي نسبه الرازي هنا إلى الضرورة الطبيعية. وفي كلتا الحالتين، فالطبيعة الإلهية منزهة تماماً عن الشر بمعنى الكلمة.
وحيث إن الله مشفق رحيم، فأول ما ينبغي التشبه بالله فيه هو الرحمة: " وجب من ذلك أنه لا ينبغي أن نؤلم حاسّاً البتة من غير استحقاق منه لذلك الإيلام أو لغير صرْفِنا عنه بذلك الألم ما هو أشد منه. وتحت هذه الجملة أيضاً تفصيل كثير تدخل فيه المظالم جميعاً، وما يتلذذ به الملوك من الصيد للحيوان ويفرط فيه الناس من الكد للبهائم في استعمالها." لا ينحصر التشبه بالرحمة الإلهية في الامتناع عن إيلام الغير من البشر وجملة الكائنات الحاسة، بل ينسحب هذا الواجب الأخلاقي على علاقة الإنسان بنفسه؛ إذ "لما كان ليس للإنسان في حكم العقل والعدل أن يؤلم غيره تبع ذلك أنه ليس له أن يؤلم نفسه أيضاً".