كاتب هذه السطور لا يعرف شيئًا عن أحمد قعبور غير أغانيه. أعرف أن من صنع هذه الأغاني لم يتنازل عن قلبه. أنَّ قلبه ظلّ شغوفًا بالتجربة، وأن التجربة لم تخن إيمانه الأوّل مهما تنوّعت.
أعرف من هذه الأغاني أنّها صُنِعَت في عالمٍ غير عالمنا، يسكنها الصدى الكنفانيّ عن عالمٍ ليس لنا. أسمعها أغاني تُصِرُّ على أن تبقى هنا، لتلفّنا بحمايةٍ أموميّة غير خجلة، أمام عنف الفن المعاصر.
لم يكن قعبور ساخرًا ولا عدميًا. ربّما هذا ما ميّزه. ربّما هذا ما يصعّب موضعته في سيرة الأغنية اليساريّة. هذا ما يجعله ظاهرة لا تشبه أحدًا. هذا أيضًا، ربّما، ما جعله أقل حضورًا في العقد الأخير.
عمق إيمانه لم يُشبه انهيارات هذه الحقبة. إصراره على الإنسانيّة لم يعد جذّابًا في زمن استذئاب الهويّات والطوائف. استطاع أن يبقي الحزن حزنًا، أن يبقي الغضب غضبًا. دون اختباءٍ سينيكيّ خلف النكتة و"الإفيه" والمجاز وكافة منظومات الإنكار. وظلّت الأغاني تحدّق بيأس المرحلة دون أن تخجل بالأمل.
تمتّع بشجاعة شبه مفقودة في هذه الحقبة الفنيّة: شجاعة ألّا تفرّ فزعًا من احتمال "الكيتش"، أن لا تصبح مهووسًا بالتنصّل من "الكليشيه" حتّى تفقد قلبك ولغتك ومعتقدك. وسمة الشجاعة هذه صارت شبه منقرضة في عالمٍ سجين فكرة التجديد. ففي أغاني أحمد قعبور، الوفاء قيمة فنيّة: أن تكون وفيًا لكلمات غنيّتها قبل عقدٍ، خير من الركض نحو التميّز المتكبّر. هذا، ربما، بحد ذاته ما يجعله مميّزًا.
تنوّع ضد زمن الهزائم والتزمّت
في عالم "المشاريع" والتخصصات والـ Niche، حين يصبح الفن مرادفًا للبحث عن خانة فارغةٍ والتمترس بها، التنوّع الذي استطاع أن يقدّمه أحمد قعبور، الإقدام على تجارب تتغيّر في ذات الألبوم أحيانًا وعلى مدى سنوات، كان تنوّعًا استثنائيًا في الموسيقى العربيّة.
القفز في ألبوم واحد ("صوتن عالي") من عسكريّة تنظيميّة في "إرحل" و"نشيد المقاومة"، إلى شاعريّة سينمائيّة في "شو بعاد" و"لكم أعود"، إلى بساطة وطنيّة في "يا ستّي"، إلى واقعيّة اجتماعيّة مدنيّة (حتى فصيحة!) في "ما اخترت سواك" و-"يا ليمون". اللعب في أغنية واحدة ("حبيبي")، ذهابًا وإيابًا بين نحاسيّات الجاز، وإيقاع سماعي ثقيل[1]، وقوة عوامل صوتيّة موسيقيّة أخرى، كطقش الأصابع واللهاث والموّال. وأن يأتي هذا في نفس الألبوم مع "والله وطلعناهم برّا" و"صوتن عالي" التي تحتفي بنهاية الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، والتي يمكن سماع صداها يتردد في أناشيد "فرقة الإسراء" وصوتيّات حزب الله لسنوات طويلة.
من المزاج المصريّ في "صبح الصباح" إلى موشّح "البلد" باللغة العاميّة (!) عن بيروت دخولًا في موسيقى آلاتيّة، تصويريّة الطابع، في عدّة مقطوعات من هذا العمل.
لم يظهر هذا التنوّع في داخل الخيارات الفنيّة للأغنية والألبوم فقط. إنما في تنوّع العوالم والثيمات التي أحدث فيها تغييرًا. فهم هذه التجربة يحتاج نظرةً لفسيفساء التغييرات الصغيرة التي تشكّل الصورة الأكبر: من أغاني الأطفال، ولا سيما الأغاني التي كسر فيها الحدود بين الأطفال والكبار، مثل "علّوا البيارق" و"بيروت يا قصّة بصندوق فرجة" - وهو حدث نادر في عالم الأدب والموسيقى للأطفال. ثم أغاني المدينة، التي رسمت إيقاعًا ونغمة اخترت صوتًا بيروتيًا صار من ضلع العاصمة. ثم أغاني التعبئة الثوريّة التي ظلّت حاضرة وصمدت في امتحان الزمن، رغم هزائم اليسار بأواخر الثمانينيات وتسعينيّات أوسلو، وكان من الأصوات اللبنانيّة النادرة التي ظلّت حاضرة في صوتيّات الانتفاضة الأولى، كأننا لم نخرج أبدًا من بيروت. ثم تجربة الأغاني الرمضانيّة المعلمنة التي رسمت واقعيّة اجتماعيّة وتراثيّه بمنتهى اللطف حلّت محل الطابع الدينيّ المتزمّت، وغيرها الكثير من عوامل وخيارات فنيّة.
لا يمكن، في عالمٍ يُقاس بأحجام الحفلات وإحصائيّات المشاهدة، أن تفهم أثر أحمد قعبور على الأغنية العربيّة المناضلة. ولا أعتقد بوجود تركيبةٍ أعقد من التركيبة الفنيّة التي قدّمها هذا الرجل. تسمع فيه خالد الهبر لحظةً قبل أن تغمز لك فرقة الأرض. أوّل ما تُمسك فرقة صابرين في أغانيه، يداهمك زياد الرحباني. أول ما ترى شعر محمود درويش فيه، يضحك عمر الزعني، وكلّما غضب توفيق زيّاد، تهبّ نسمة محمد العبد الله الرقيقة.
تصفية حسابات مع المدينة
تجربة ألبوم "لمّا تغيبي" (2018) قد تكون صادمة لمن كبر مع قعبور. يقول الرجل فيها الكثير عن حياته الفنيّة، ويفرش تنوّعه وصدق مشاعره فيها بأثر رجعيّ، كأنه يصغي ويعلّق على زمانه الراحل.
يواجه الألبوم بشفافيّة وصدق حزنًا هائلًا. يتعامل مع النهايات والتعب بطيفٍ من الرضى اتجاه الأشياء. المرأة أو المدينة أو القضيّة المتبدّدة. يتراكم حزن لا يخبّئه قعبور، ولا يستطيع أحيانًا أن يكبت غضبه المتدفّق في أبياتٍ عديدة.
كلمات الأغنية الأولى في الألبوم "لما تغيبي" كتبها باسم زيتوني. شاعر لبناني توفّي عام 1995 في حادث طرق. ثم شاغب وتلاعب قعبور مع الشاعر عمر الزعني، ورفض أن يقول "يا ضيعانك" يا بيروت، وتمسّك بكونها "زهرة" ليس في "غير أوانها" وأصر على حبّها رغم كلّ شيء، ويعاود التمسّك بمدينة "ما بلبقك غير الضحكة، ولما تحاصرتي غنيّتي". وفي أغنية "مين أعطاك الحق" يكشف قعبور غضبًا، اتجاه عالمٍ ودوله وربما أحزابه ولكن ربّما أيضًا اتجاه نفسه. ويسأل: "فيك وبلاك بذوب الثلج، فيك وبلاك ببان المرج، وأنا مرجي أزرق أصفر أحمر كله ألوان وأنا قلب أطهر أكبر أخضر حب وإيمان واسمعني إن كان قلبك رق: مين أعطاك الحق؟"
في ذات الألبوم، تأتي بعدها أغنية "ناديني ولا تناديني"، وهي مهمّة لسببين: أولًا لأن فيها عودة واصطدام قعبور مع أغنية قديمة:
شوارع المدينة مش لحدا،
شوارع المدينة لكل الناس،
نحن الناس نحن شجر الشوارع
وفي "ناديني" المتأخرة يقول:
بشوارع المدينة
في ناس مغمضين
ما بيمشوا إلا دغري أوادم ومساكين،
بشوارع المدينة
في ناس وخايفانين
بيخافوا حتى يقولوا يا عمي خيفانين.
لا يخاف هنا قعبور أن يكون غاضبًا على مدينته، غضب حبٍ، خوف حب، حزن حب، عن مدنٍ لم تعد تشبه نفسها. هذا هو - الغضب الأموميّ على المدينة. من جهة أخرى مهمّة لما تستحضره من أغنية خالد الهبر فيها، من الغيتار والإيقاعات إلى أولاد شارع الحمرا التعبانين إلى مخاوف وقمع متردّدة في "زنابق لمزهريّة فيروز" - كأن أحمد قعبور يعترف بتعبٍ، لأوّل مرّة، بتعبٍ هبريّ.
كأنها مسك، كأنها ختام
يتمسّك بعدها قعبور في هذا المشروع بواحدة من أعظم وأحن أغانيه - "كل الأطفال أمراء، كل الأطفال شعراء"، ثم يعود إلى "يا ستي ليكي" بعتبٍ وتعليق هندسة صوتيّة وتوزيع مختلف، يراجع فيه قعبور على هذا الحزن المديد. ريم بنا، التي رحلت حاملة قلوبنا، غنّت معه آخر أغانيها في "مين":
بكفي نقطة مي حتى تزهر
أرض البور،
بكفي تفتح كفها شوي
حتى القدس تشعشع نور.
ثم يربط جبل عامل ببنت اسمها زينب، ولقبها فلسطين.
ملاحظتان أخيريتان عن هذا الألبوم الذي يساعدنا في استيعاب هذه التجربة الهامّة: الملاحظة الأولى حضور الأب في الألبوم، وهو ما تتفاداه الأغنية العربيّة عمومًا. وفي ألبوم واحد أربع أغانٍ عن الأب. تبدأ بواحدة من كلمات محمود درويش، وأخيرة اسمها "الكمان الناجي" (والده، محمود الرشيدي، من أول عازفي الكمان في لبنان).
الملاحظة الثانية تتعلّق بجماعيّة الألبوم. ليس في تعدد الشعراء فقط، بل أيضًا في التحرّر من الكبرياء، والحب الممتد من خلال التعاون مع الناس، من الجوقة إلى أصوات كثيرة، منها ريم بنا، وشانتال بيطار وأمل كعوش ونادين حسن وإيفون الهاشم.
صوت من الغابة
سأقول، نهاية، شيئًا لم أقله أبدًا من دافع الخجل. لا أعرف إن كان أحدكم سيفهم ذلك. لكن في أغاني أحمد قعبور ما يجعله بعيدًا: أسطوريًا، يُشبه الوعد المتخبئ خلف التلال وكونتينرات المرافئ. شيء في أغاني قعبور كان يعدنا بأشياء أخرى. كبرنا على هذا الوعد وننتظره.
هناك شيء أسطوريّ يربط واقعنا اليومي بغشايةٍ خفيفة من قصص الأخوين غريم. أسمع فيه "بيروت يا قصّة بصندوق فرجة كبير"، ونغمات "حرش بيروت" الساحرة الغامضة. "في الضفّة" تُعطي تلك العائلة عمقًا سينمائيًا بعيدًا. نداء "يا ليمون". "لمن عبروا" تصوّر أطفالًا مذبوحين في الغابات ينادون "تعال"، وغيرها وغيرها وغيرها…
ربما هي التوزيعات التي لم تكن مألوفة؟ ربما هندسة الصوت؟ الألحان المميّزة، لا أعرف. لا أعرف لماذا أسمع هذا الرجل شديد المدنية، شديد البيروتيّة، يغنّي دائمًا كأنه في قلب غابة. ما أعرفه، وأؤمن به، أن هذا الصوت الذي يأتي من غابات الخيال الطفوليّ، هو نداء أصيل عن فنٍ صار مهددًا بالانقراض في زماننا. عن تمسّك بالإنسانيّة والطفولة والتجربة والحب والإيمان والقيمة، بما لا تقبله ولا تستوعبه صناعة العروض والمنصّات الموسيقيّة. أن تمسّكه بقيمة الإنسان - تلك التي نسفتها سباقات التجديد التجاريّة ووصمتها بالكليشيه- هو ما نفتقده في هذه الحياة. أن جماعيّة عمله التي تحلّت بتقديرٍ حساسٍ للشعراء، وإفساح مساحةٍ سخيّة للعازفين وللمغنين وللجوقات وللممثّلين، هي ما يفتقده هذا العالم المهووس بصناعة الشخصيّة السلعة. ومتأكد أنّه - في زمن تفكّك المجتمع من أجل صعود الفرد - كان أحمد قعبور موسيقيًا ربيعيًا، يكثف ويجمع ويبيّن كل ما هو مزدهر وجميل في الفن والجمال العربيّ - يتحاور مع ما يُنتَج، يشرب من تجارب أصدقائه وأحبته، ويُعيدها خُضرةً للناس.
هوامش:
[1]: ملاحظة من هيئة التحرير: إيقاع سماعي ثقيل هو إيقاع موسيقي عربي مكوّن من 10 نبضات.
[تُنشر هذه المقالة بموجب اتفاقية تجمع بين جدلية وموقع أوريان 21].