حين عرّف مارك بلوخ التاريخ بأنه علم الإنسان في الزمن، لم يكن يدافع عن الماضي بوصفه مادة محفوظة، بل عن حرفة تُعيد وصل الإنسان بالزمن والوثيقة والسؤال. غير أن سؤال مهنة المؤرخ لا ينتقل إلى الخليج كما هو فالمؤرخ الخليجي لا يواجه الزمن وحده، بل يواجه أيضا دولة تنظّم الأرشيف، ومجتمعا يضع حدودا لعودة بعض الماضي، ومؤسسة تكافئ نوعا من الأسئلة التاريخية وتستبعد أخرى. بهذا المعنى، لا تفهم مهنة المؤرخ هنا بوصفها اختصاصا جامعيا فحسب بل بوصفها ممارسة تتحدد علاقة المؤرخ بالسؤال والمصطلح والوثيقة.
حين لا يكون الماضي هو المشكلة
المؤرخ في الخليج والجزيرة العربية لا يواجه فقط مشكلات المنهج بالمعنى العام، بل يشتغل داخل حقل يتداخل فيه ضعف التكوين المنهجي، وسطوة المصطلح المستعار من ثقافات أخرى، وهيمنة الكتابة الوثائقية الوصفية، وشروط الأكاديميا الريعية، والتحكم في الأرشيف، والكلفة الاجتماعية لإعادة نشر بعض آثار الماضي، فضلًا عن نزعة السردية الوطنية إلى تحويل الوثيقة من أداة للفحص إلى أداة لإنتاج معنى مؤسِّس. من هنا، لا يحاول هذا المقال أن يكرر بلوخ، بل أن ينقل سؤاله إلى موضع آخر ليس ما التاريخ فقط، بل ما الذي تعنيه مهنة المؤرخ الخليجي حين يكون الماضي حاضرا بهذه الكثافة، وحين لا تكون المشكلة في غيابه بل في الشروط التي تجعل بعضه قابلا للكتابة والنشر والشرعنة وبعضه الآخر أقل قابلية لذلك.
لا يكمن مأزق المؤرخ الخليجي في أن الخليج بلا تاريخ. فالمشكلة ليست في غياب الماضي بل في الكيفية التي كُتب بها، وفي الأشكال التي استقر عليها من خلال كتابات المؤرخين، خصوصا من أهل المنطقة، وفي الشروط التي سمحت لبعض هذا الماضي بأن يظهر بوصفه تاريخا، بينما أبقت بعضه الآخر في الهامش أو في الذاكرة الشفوية أو في منطقة يصعب تحويلها إلى كتابة ذات شرعية. لذلك لا يبدأ سؤال المؤرخ الخليجي من قلة المادة وحدها بل من مهنته نفسها كيف تكونت؟ وبأي أدوات؟ وما الذي قيل له صراحة أو ضمنا إنه من صميم التاريخ وما الذي تم دفعه خارج حدود التاريخ قبل أن يبدأ أصلا في الكتابة؟
من السرد إلى السؤال التاريخي
حين ننظر إلى تاريخ الكتابة التاريخية (historiography) في الدول الخليجية الست وهي محور هذا المقال، يتضح أن المشكلة في صياغة السؤال التاريخي نفسه وفي طبيعة الكتابات ذاتها سواء كانت حولية قديمة أو أكاديمية حديثة ويستقر الإشكال كذلك في التحولات التي عرفتها هذه الكتابات لاحقا.
لم يكن الأمر مجرد انتقال من مخطوط إلى مطبوع، أو من نمط كتابة سجعية قديمة كما هو حال كتابات ابن غنام وابن سند مثلا إلى لغة أكاديمية أو لغة أبسط، بل كان تحولا أعمق في معنى الكتابة التاريخية وتزايد الحاجة إلى نقد الرواية المنقولة وتوسيع الجغرافيا التي ضيقتها حدود الدول القطرية الحديثة الناشئة قبل قرن من الزمان مما أدى إلى بروز توتر بين المحلي والإقليمي، وبين ما يريده المؤرخ لبلده أو مدينته التي تكونت وفق إطار سياسي جديد وما يراه جزءا من فضاء أوسع يتجاوزها.
ظلت الكتابة التاريخية تتحرك بين صيغ ورثت من الكتابات الحولية منطقها في ترتيب الزمن، وصيغ أخرى أخذت تقترب من الكتاب التاريخي الحديث بهوامشه وإحالاته وبنيته ووعيه بجمهوره. ولذا، تحول المؤرخ في الجزيرة العربية والخليج في بعض الأحيان لمجرد ناقل لوقائع وقعت وانقضت من خلال إثباتها بالوثيقة والمخطوط بدلا من أن يكون جزءا من نقاش أوسع حول معنى التاريخ نفسه. هل يكفي أن تُذكر السنة والحادثة؟ أم ينبغي أن يُبحث عن سبب الحادثة وما هي النتيجة وموقع الحاضر من الماضي وهل أثرّ هذا الحاضر على منهج البحث ذاته؟ هذا السؤال المبكر في تاريخ الكتابة التاريخية ينبغي أن يبقى حاضرا حين نتكلم اليوم عن مهنة المؤرخ الخليجي، لأن المهنة لا تبدأ فقط من المادة التاريخية بل من الشكل الذي تُفهم به هذه المادة، ومن الشروط التي تجعل المؤرخ يرضى بالسرد أو يطمح إلى ما وراءه وكيف يصوغ أسئلته في ظل وجود قوانين ظهرت مع تشكل الدول الحديثة قد تقيد طريقته في البحث التاريخي.
لكن هذا لا يكفي وحده لفهم مأزق المؤرخ الخليجي اليوم، لأن المشكلة تنتقل من شكل الكتابة إلى كيفية تكوين المؤرخ نفسه في الخليج والطريقة التي يشتغل بها، وهذا ينعكس على بنية التكوين التاريخي في جامعات الخليج والجزيرة العربية. فكثير من هذا التكوين يكون عبر تدريب الطالب على ترتيب المادة، وتحرير الإحالة وضبط الهامش، وتثبيت النص لكنه لا يمنحه دائما أدوات بناء السؤال واختبار المصطلح وشرح المسافة بين الوثيقة والنتيجة والفرق كبير جدا بين أن يتعلم طالب التاريخ "طرق البحث" وأن يتعلم "مناهج التاريخ". الأولى تعلّمه أين يجد المادة وكيف يوثقها؛ أما الثانية فتعلّمه كيف يسائلها، ويكشف حدودها، ويفهم ما تقوله وما تصمت عنه. إن الفرق بين أن يتعلم طالب التاريخ "طرق البحث" وبين أن يتعلم "مناهج التاريخ" فرق كبير. فالأول ضروري، لكنه لا يكفي. أما الثاني فهو الذي يكوّن حس المؤرخ الحقيقي، كيف تُقرأ الوثيقة؟ كيف يُفهم النص؟ ما حدود الدلالة؟ ما الأساس الفلسفي الذي ينطلق منه الباحث؟ كيف بُنيت النتيجة؟ وما النواقص والحدود والاعتبارات الأخلاقية التي رافقت بناءها؟ هذه الأسئلة ليست خارج المهنة، بل هي صلبها.
وإذا غاب هذا المستوى من التكوين، فإن المؤرخ يصبح أكثر قابلية لأن يكرر، أو ينسخ، أو يعيد ترتيب ما وجده، بدل أن يسأل كيف كُتب أصلا، ولماذا كُتب هكذا، وما الذي لا يقوله النص وهو بين يديه. ومع ذلك، بدأت بعض أقسام التاريخ في الجامعات الخليجية خلال السنوات العشر الأخيرة تنتبه إلى هذا الإشكال، حتى وإن كان هذا التطور أقرب إلى اجتهادات فردية من بعض الأساتذة منه إلى قرار مؤسسي واضح.
هذا أيضا يقود لسؤال مهم في الفارق بين التأصيل والنقد فمسألة استخدام المناهج الغربية وجعلها صالحة لاستخدامنا فيما يتعلق بتاريخ الخليج أمر مهم جدا على الجامعات أن تقوم به، لكن أيضا الأخذ من هذه المناهج ما يتوافق مع السياقات التاريخية الخليجية أو ما يطلق عليه "التوطين" أمر بالغ الأهمية أيضا وهذا الأمر ليس حديثا فلدينا في التراث العربي نماذج من ذلك لعل أشهرها ما ناقشه مالك بن نبي في كتابه "مشكلة الثقافة" حين دعا لتوطين العلوم لتناسب البيئات العربية فنحن وصلتنا هذه المناهج عبر النضال الثقافي والسياسي الذي خاضته العلوم في الحضارة الغربية وقد انتبه لذلك مثلا خلدون النقيب ومحمد جابر الأنصاري حين ناقشا إشكالية مصطلح الإقطاع مثلا واختلاف هذا المصطلح بين العالم الغربي والعربي.
تأصيل ونقد أم قوالب جاهزة؟
هذا يعيدني مرة أخرى لقضية النقد والتأصيل فنحن بحاجة للتأصيل أكثر من النقد إذ أن الأول يكون تفاعلا مع الذات والثاني تفاعل مع الآخر ولعل أمثلة النقد التاريخي الخليجية موجودة وكثيرة مثل نقد حمد الجاسر لأحمد أبوحاكمة أو عبدالله العثيمين لميمونه الصباح أو حتى نقد عبدالله الحاتم لسيف مرزوق الشملان تعقيبا على نقده لعبدالعزيز الرشيد. الإشكالية في كل هذا الحراك المعرفي الذي أعترف بأهميته أنه يناقش ماذا لدينا من منظور قطري وطني ضيق بدل من أن يكون الحوار حول ماذا نحتاج وكيف نطور الكتابة التاريخية الخاصة بالمنطقة، وهنا يأتي دور توطين المعرفة لتناسب حاجتنا بدلا من استيراد القوالب الجاهزة دون مساءلتها منهجياً واصطلاحياً، فالتوطين في هذه الحالة مرتبط بممارسة النقد والتأصيل.
من المسائل المنهجية التي على المؤرخ الخليجي الالتفات إليها هي مشكلة المصطلح. فالمصطلح ليس تسمية بريئة بل أداة منهجية تساعد على التحليل والربط وإذا استُخدم مصطلح غير مناسب بصورة متكررة فإنه لا ينقل فقط معنى خاطئا بل ينتج تراكما تاريخيا غير دقيق للماضي. ولهذا فإن استعمال ألفاظ مثل "البرجوازية" و"الإقطاع" أو غيرها من المفاهيم المولودة في بيئات أوروبية محددة لا يوسع الفهم تلقائيا حين تُنقل إلى الخليج بل قد يفرض على المادة التاريخية إطارا لم تولد به أصلا ولن يساعد على التحليل التاريخي الصحيح. لا أدعوا هنا إلى الانفصال عن المصطلحات الغربية بوهم أصالة عربية فالعلم لا جنسية له من وجهة نظري لكن المطلوب هو الاجتهاد في التأطير الاصطلاحي والمفاهيمي بما يتوافق مع المادة التاريخية المتوفرة بين أيدينا والتي تختلف في بعض الأحيان عن المادة التاريخية الأوربية في بنيتها وشكلها.
هناك كذلك إشكالية أخرى تكمن في سيطرة التوجه الأيديولوجي للمؤرخ على النص التاريخي أحيانا، فيكون تحليله للنص منطلق من نتيجة يحاول إثباتها بدل من أن يكون بحثا للاقتراب من الحقيقة قدر المستطاع. فالقراءة التي تبدأ من محاولة إثبات "سلفية الخليج" أو "يساريته" أو "حداثته" أو "تخلفه" و لا تبحث في الماضي بقدر ما تبحث فيه عما يؤكد نتيجة سابقة ويتوافق مع سردية رسمية تشيطن أيدولوجيا وتحتفي بأخرى. عندها يتحول التاريخ إلى مجال للانتقاء من الشواهد وتتحول الوثيقة إلى أداة تخدم أطروحة جاهزة ويكون المؤرخ في هذه الحالة يختار من الماضي ما يسمح له بالوصول إلى نتيجة يحاول إثباتها.
وفي هذا الإطار كذلك يكون هناك محاولة استعداء الدولة على بعض الكتابات التاريخية التي لا تتناسب مع فكر سائد أو تيار معين ويختلف هذا الاستعداء باختلاف الفترة الزمنية، فمثلا ما كان مسموح بالكتابة عنه في فترة السيتينات حول القومية أو الثمانينيات حول الصحوة الإسلامية لم يعد مسموح به اليوم عند المزاج العام. لذا إن كانت هذه الكتابات أكاديمية وفق المناهج العلمية الصحيحة فقوانين دول الخليج العربية ودساتيرها تكفل حرية البحث العلمي وتشجعه لكن في ظل محاولة إدخال التاريخ ضمن صراعات سياسية أيدولوجية يتجه البعض إلى استثارة الرأي العام ليتحول الأمر من نقاش تاريخي في إطار علمي ومنهجي إلى اقتباسات من كتب واتهامات غير دقيقة تحول الأمر إلى ما يشبه محاكم التفتيش بدلا من أن يكون النقاش حول الفكرة التاريخية أو المنهج.
الوثيقة وحدها لا تكتب تاريخا
أما الوثيقة وهي من أهم أدوات المؤرخ في المنطقة فمشكلتها ليست في غيابها في بعض الأحيان بسبب احتكارها، بل في نوع العلاقة بها. الوثيقة في ذاتها لا تقوم مقام التحليل التاريخي لأن الاحتماء بها وحدها يفضي إلى تاريخ يبدو كأنه مجرد تعليق عليها ونسج لاستنتاجات مباشرة منها. ولهذا فإن الاعتراض ليس على الوثيقة، بل على نمط من الكتابة لا يعطي الأدوات التحليلية التي تتفحص شروط إنتاج الوثيقة وتفكك انحيازاتها وحدودها.
في هذه الحالة تتحول الوثيقة من موضوع للسؤال إلى خاتمة له، ويكفّ المؤرخ عن أن يكون مؤرخا بمعناه الدقيق ليصبح أقرب إلى موثّق أو جامع مواد. فالمشكلة ليست في العثور على الوثيقة بل فيما يفعله بها المؤرخ، هل يكتفي بأن يجعلها دليلا على رواية سابقة؟ أم يعيدها إلى موقعها التاريخي، ويسأل عما جعلها ممكنة وفعالة وعن صمتها وعلاقتها بالقوة والمعرفة؟
الوصول للأرشيف من أبرز الإشكاليات التي تواجه المؤرخ المشتغل في التاريخ المتعلق بالخليج والجزيرة العربية، لأن قضية دخول الأرشيف غير متاح للجميع ولا يتعلق ذلك بالأرشيفات الرسمية بل يتعداه للأرشيف الخاص. فالصعوبات في دخول الأرشيف الرسمي قد يكون مفهوما وفق سياسات كل دولة وسرديتها، لكن الأرشيف الخاص فيه صعوبات أكبر والأرشيف الخاص في منطقة الخليج إما أن يكون عائليا فيكون الاطلاع على الوثائق في إطار ما تسمح به كل عائلة. وهناك أرشيفات لدى بعض الباحثين الذين جمعوها على مدار السنوات وهنا المشكلة تتوسع بين موانع أيديولوجية أو دينية وعلمانية أو سياسية أو حتى هربا من النقد. هنا ينتقل الأمر من إشكال ابستمولوجي مع الوثيقة بذاتها إلى إشكالية صنع السردية فالدولة تمتلك القوة في تشكيل ماضيها من خلال التحكم في مدى إتاحة المصادر ولمن تتيحها وما الذي يعتبر سريا وما الذي من الممكن الاطلاع عليه كما تناقش سارة مازا في كتابها "التفكير في التاريخ".
هنا تكمن أهمية التأصيل واستخدام المنهج الغربي في محاولة لتوطينه بناء على ما يسعه السياق التاريخي للخليج والجزيرة العربية. فعلى سبيل المثال ما كتبه دو سيرتو حين ناقش المؤسسة التاريخية وإبعاد العلماء عن التسييس وكيف يصبح التاريخ موضوع تفكير المؤرخ ومدى استطاعته في البعد عن الذرائع الأيديولوجية، وفي حالة الخليج السردية الوطنية. والأمر ذاته فيما ناقشه ميشيل رولف ترويو في "إسكات الماضي" حين ناقش كيف أن الأرشيفات هي التي تشكل شروط إمكانية كتابة التاريخ فهي ليست فقط أماكن حفظ للوثائق بل مكانا لغلبة سردية على أخرى وهذا يؤدي إلى إسكات أو اصمات التاريخ.
هذا الإشكال يظهر بوضوح في كثير من الكتابة التاريخية الأكاديمية عن الخليج. فهناك مقالات علمية محكمة كثيرة، خصوصا باللغة العربية، لكن هذا الاتساع في النشر لا يوازيه بالضرورة تنوع مماثل في الأسئلة الهيستوغرافية أو في الأدوات التفسيرية. وهذا قريب مما يسميه عدنان الأمين "إنتاج الفراغ". وفي هذا المقال أستخدم مفهوم "الفراغ المعرفي" لا بوصفه نقصا في الكتابة الوصفية للتاريخ، بل بوصفه محدودية في الانتقال من إعادة بناء السرد والماضي إلى مساءلة الشروط البنيوية لكتابة التاريخ في المنطقة.
فالفراغ المعرفي ليس فراغا في الوقائع، بل في الحركة المعرفية التي تنقل المؤرخ من ما الذي حدث؟ إلى ما الذي جعل حدوثه ممكنا؟ وفي مصلحة من؟ ومن الذي أُخرج من السرد والسياق؟ وإذا بقيت الكتابة عند السؤال الأول صارت الوثيقة أداة لإعادة إنتاج سردية الدولة عن نفسها أو رواية المستعمر عن المنطقة بينما تتراجع أسئلة المجتمع والعنصرية والمواطنة وما يقع خارج ثالوث الدولة والنفط والحدود السياسية في المنطقة الخليجية في الكثير من الأحيان.
من يضبط السردية؟
في هذا السياق يصبح فهم تأثير الدولة الريعية على كتابة التاريخ ضروريا لا بوصفه وصفا لتاريخ بعينه بل بوصفه يشكل سردية تخدم مصلحة الدولة القطرية الحديثة الناشئة. فالمؤرخ الذي يكتب داخل مؤسسة أكاديمية أو بحثية وفي الجامعات على وجه الخصوص في هذه الحالة والتي تربط مساره الأكاديمي بالترقية واللجان والرواتب والمناصب الإشرافية حينها يجد المؤرخ نفسه في موقع مزدوج بين هو موظف؟ أم باحث في التاريخ؟ أم موظف يكتب التاريخ؟
لا تكمن المشكلة في هذا الازدواج بذاته بل فيما يفرضه أحيانا من تكييف السؤال التاريخي مع شروط الريع. وهذا الوضع لا يضيّق فقط الحرية الأكاديمية بل يطلب من المؤرخ المشتغل في الجامعات الخليجية أن يتكيف مع شروط الريع بحيث يتبنى أحيانا مسارات بحثية آمنة وموضوعات قابلة للنشر ونمطا من الكتابة غير إشكالي، مما يسهل عليه الوصول لمنافع الريع من خلال الترقية والمناصب الإدارية.
لذا لا تكمن المشكلة في أن الدولة تمنع أو تسمح بل أن الحقل التاريخي ذاته شكل لنفسه ضوابط بناءً على مؤثرات سياسية واقتصادية حول ما الذي يمكن أن يكتب عنه وما الذي ينبغي أن يظل في الهامش. من هنا لا يصبح التاريخ فقط ما يُكتب بل ما يمكن كتابته من دون أن يخلّ بمنطق الاستقرار المعرفي الذي يقوم عليه الحقل في الخليج، أي يصنع خطابا حاكما على المعرفة وإنتاجها بحسب ميشيل فوكو.
وتتضح بنية هذا الحقل التاريخي في الخليج خصوصا المكتوب باللغة العربية أكثر إذا نظرنا إلى الموضوعات والمصادر التي تُكرر الحديث عن الدولة والنفط والحدود السياسية والعلاقات الخارجية والأسر الحاكمة، بينما يظل المجتمع في معناه الواسع أقل حضورا أو يظهر في الهوامش أو بوصفه تابعا للرواية الغالبة كما يشير خلدون النقيب.
وعلى مستوى المصادر، يتكرر الاعتماد على الأرشيفات الاستعمارية والرسمية بينما يبقى حضور الأرشيفات المحلية والوثائق الخاصة والشهادات الشفهية ضيقا أو ملحقا بالسردية المراد لها أن تسود. بل حتى حين تُستخدم الشهادة الشفهية فإنها كثيرا ما تُعامل بوصفها مادة مساندة للوثيقة لا بوصفها مدخلا يعيد توزيع مركزية الفاعل التاريخي. فالجامعة في هذه الحالة لا تنتج فقط باحثين بمسارات موجهة بل تنتج أيضا حدودا لما يمكن التفكير فيه وكتابته بوصفه تاريخا مقبولا وذلك من خلال ما يقوم به أعضاء الهيئات التعليمية فينشأ بذلك تنميط للتفكير التاريخ عن المنطقة.
لكن ردّ كل شيء إلى الجامعة وحدها سيكون تبسيطا للإشكالية. فالمؤرخ الخليجي لا يواجه فقط سلطة الدولة أو الجامعة أو الريع بل يواجه أيضا المجتمع بوصفه محددا لما يمكن تداوله من الماضي وما لا يمكن. هذه النقطة تظهر بأوضحِ صورة في الكتابة عن التاريخ الاجتماعي والديني على وجه الخصوص. فعلى سبيل المثال حين الحديث عن العبودية والرق لا تكمن المشكلة في أن الأبعاد الاجتماعية للرق لم تُدرس لأن المادة التاريخية غير موجودة أو أن الدولة تمنع الوصول للأرشيف، بل لأن أشكال الكتابة عنها تحمل درجات متفاوتة من المخاطرة السياسية والاجتماعية.
الخطر الاجتماعي يتمثل عند الكتابة عن أسماءٍ لأشخاص أو دلائل على أن هذا المستعبد الذي يناقشه المؤرخ في السياق التاريخي لديه اليوم أبناء وأحفاد يعيشون في ظل الدول الحديثة، ويمكن للقارئ من خلال ما ناقشه المؤرخ أن يربط هذا الحدث التاريخي بأسر وعائلات في تعيش في الخليج اليوم. هنا يظهر مفهوم "العيب" ويكتسب معنًى تحليلي يساعد في فهم الإشكال، فالعيب في هذه الحالة يعتبر حدا اجتماعيا ترتفع معه حساسية الماضي وتجعل خروج المادة التاريخية من الأرشيف إلى المجال العام إشكالا قانونيا في بعض الأحيان، وهنا لا يكون المؤرخ أمام توفر المادة التاريخية من عدمها بل في شروط إعادة تداول هذه المادة التاريخية.
يصبح السؤال في هذه الحالة يدور حول لماذا تصبح بعض أشكال الكتابة التاريخية أصعب من غيرها؟ ولماذا تبقى الكتابة في بعض الجوانب الاجتماعية أقل تطورا وأقل تداولا على الرغم من وجود تاريخ شفهي ووثائق ومصادر؟
هنا يكون مفهوم "العيب" أحد مفسرات المنع وعدم القدرة على الكتابة، لأن الماضي يصبح مجالا للضرر الاجتماعي والقانوني على المؤرخ نفسه. ولهذا فإن "العيب" لا يفسر كل شيء لكنه يكشف اللحظة التي تتوتر فيها مهنة المؤرخ مع المجتمع، لا لأن المؤرخ اخترع الماضي، بل لأنه أعاد نشر أثر هذا الماضي وربطه بالحاضر. هنا لا يشتغل المؤرخ في فراغ ولا في أفق تجريدي، بل في فضاء حيّ يضع للماضي حدودا للمرور من الوثيقة إلى النشر.
بهذا المعنى، بعض الماضي في الخليج والجزيرة العربية يغيب ليس لأنه غير موجود، بل لأنه لا يمر بسهولة من الأثر إلى النص، ومن النص إلى النشر، ومن النشر إلى الشرعية. وما يكشفه تاريخ الرق يمكن أن ينسحب بدرجات مختلفة على الأنساب وتاريخ الأسر والهجرات والاختلافات المذهبية وبعض التواريخ الثقافية، وكل ما لا ينسجم بسهولة مع الصورة النمطية للماضي في سياق السردية الوطنية. هنا تصبح وظيفة المؤرخ الخليجي ليست ملء الفراغات فقط، بل فهم لماذا صارت بعض الفراغات موجودة.
هنا لا تكتفي السردية الوطنية بإقصاء بعض الماضي، بل تعيد ترتيب بعضه بحيث يبدو طبيعيا ومؤسَسا وهذا يظهر حين تتحول الوثيقة من أداة للفحص إلى أداة لإنتاج معنى وطني كما ذكرنا، أو حين يُعاد توظيف الشاهد التاريخي لإثبات عمقٍ مؤسسٍ سابقٍ على الدولة الحديثة. هنا تبدأ وظيفة المؤرخ الناقد الذي لا يقوم بنفي الهوية الحديثة أو إثباتها، بل في رد الوثيقة إلى حدودها ودلالتها التاريخية ومنعها من أن تتحول إلى أصل مؤسس من دون إعمال المنهج عليها.
هذا كله يعيدنا إلى جوهر مهنة المؤرخ الخليجي، فالمشكلة ليست في عدم معرفة الماضي بل في البنية التي تجعل بعضه قابلا للكتابة والنشر، وتُبقي بعضه الآخر هامشيا أو صامتا أو عالي الكلفة. المؤرخ الخليجي لا يواجه الماضي وحده، بل يواجه أيضا اللغة التي يُطلب منه أن يصف الماضي بها، والمؤسسة التي تكافئه على كتابته، والأرشيف الذي ينظم ظهوره، والمجتمع الذي يضع حدودا لما يجوز أن يعود من ذلك الماضي إلى المجال العام، والسردية الوطنية التي تحاول أن تستوعبه، والتفسيرات الأيديولوجية الحديثة التي تريد منه أن يخدمها.
من هنا فإن إعادة بناء هذه المهنة لا تبدأ من تمجيد الوثيقة ولا من مضاعفة النشر، ولا من تكرار السردية الوطنية أو استبدالها بسردية احتجاجية. بل من استعادة السؤال التاريخي نفسه كيف كتب هذا الماضي؟ وبأي أداة؟ وتحت أي شرط؟ وما الذي من الممكن سرده، وما الذي أُخفي أو بقي خارج السرد؟ من هنا يبدأ المؤرخ الخليجي في استعادة مهنته.