(محترف أوكسجين للنشر، أونتاريو، 2025)
[علي عبد الله سعيد: روائيّ من سورية، مواليد اللّاذقيّة 1958. من رواياته: "ملح الهذيان" (2024)، و"سكر الهلوسة" (2023) التي صدرت عن محترف أوكسجين للنشر، و"جسد بطعم الندم" (2020)، و"البهيمة المقدّسة" (2020)، و"براري الخراب" (2000). فازت روايته "جماليّة المتاهة" بجائزة منتدى ابن خلدون، القاهرة (1993)، بينما نالت روايته الأولى "اختبار الحواسّ" جائزة مجلّة "الناقد"، لندن (1992). صدر له في القصة: "موت كلب سرياليّ" (1996) و"هكذا مات تقريبًا" (1993)].
جدلية (ج): كيف ولدت فكرة النص، وما هي منابعه وروافده ومراحل تطوره؟
علي عبد الله سعيد (ع. س.): تبدو فكرة ولادة النص الروائي "لحمي الحميم" بعيدة الآن. بعيدة جداً.. ربما تعود إلى بداية القرن. أي إلى عام 2000 تماماً. لنقل أنك في هرج ومرج في لحظة انتقالك من قرن إلى قرن. وكأنك تنتقل من جغرافية زمنية مرعبة، إلى جغرافية زمنية أكثر رعباً، على رنين كؤوس خمر ولهب نار الشياطين في الصحراء، مع نساء ولغات وأصدقاء. ثم تستيقظ في اليوم التالي على ضجيج مخيف في رأسك وفي مجال رؤياك. تبدو لك بعض الأشكال البشرية بطريقة ما.. تتأكد من أنك أنت قاتلها في لحظة اختلاط الوعي بالكون السديمي غير الواعي، غير العقلاني بالمرة.
بهذه الصيغة الأولى أو التصوّر الأول. كان النص الأول.. عبارة عن نص قصصي مركّب ومعقّد وفق معيار لغوي غير مألوف في الكتابة القصصية لا يتجاوز 25 صفحة. إلا أنه كان إشكاليا أو مشكوكا بأمره كبداية في لحظة ما.. كان الشك حول هذا النص قائما على إمكانية تطوّره إلى ما هو أكثر من قصة قصيرة، إلى أكثر من نص قصصي خارج التصنيف المتّبع، أو المتعارف عليه. لذلك تُرِك على الرفّ من عام 2000 إلى 2010 أو أكثر ربما. بعد قراءة مضجرة ومملة لكنها متأنية بالجبر والإكراه، تبين أن هذا النص يمكن له أن يكون رواية لكن بإضافات أو إقحامات فيها مجازفة فنية كبيرة.
في سنوات تالية لسنة 2010، كُتبت نسخ تجريبية متطورة إلى أن بلغ العمل مستوى نوفيلا روائية. إلا أنني لا أحب هذا النمط من الرواية إذ أعتبره أحد أنواع الكتابة الوضيعة، أو فاقدة المعنى أو الهوية.
يمكن القول أن النسخة ما قبل المطبعة قد تكون كلفتني آلاف الساعات حتى استقرّت الرواية على الشكل الذي ظهرت به.
(ج): ما هي الثيمة/ات الرئيسية للعمل، ما هو العالم الذي يأخذنا إليه النص؟
(ع. س.): الشغل على الذاتيّ. على الفرديّ بما قد يكون جمعا أو جمعيّاً، أو مخزوناً ذاكروياً. الشغل المكثّف على الغريزة، التي تنفلت عن موروث الوعي، أو الوعي المكتسب لتنسج حكايتها أو روايتها كما تشاء. كما ترغب بانفلات دون ضوابط أخلاقية، دون رقيب من أي نوع كان. ربما هذا النمط من التفكير بالكتابة أو إنجازه بالكتابة، هو ما يجعل من هذا العمل مفترقاً قليلاً عن رؤياي في الكتابة السابقة. أي العمل الذي يُبنى على المرأة، لكن ليس بالصيغة النمطية المتبعة. بل بتدمير تلك الصيغة المحتشمة جدا. ليس من مهام الكتابة أن تكرس أو تدعم القيم المجتمعية المحتشمة. بل هدفها إن كان لها هدف، هو انتهاك ذاك الاحتشام بلغة انتهاك. تدمير النموذج بلغة تدمير لا رحمة فيها أبداً.
(ج): كتابُك الأخير عبارة عن رواية، هل لاختيارك جنسًا أدبيًا بذاته تأثير فيما تريد أن تقوله، وما هي طبيعة هذا التأثير؟
(ع. س.): دائما ما يشغل هذا السؤال المتلقي. متلقي الأدب عموماً. لماذا الرواية؟ وربما هو السؤال الذي يشغل الكاتب والناقد أيضا. ربما.. يمكن القول إن الرواية باتت لغة الأدب القوية القادرة على تهميش ما عداها، أو على تسخيفه. بمعنى ما.. قد تكون هي الأقرب لرغبات الناس أو لذائقتهم، أو لقدرتها على إشغالها لهم لوقت طويل. قد تنقذ قراءة الرواية من الضجر بالنسبة لي مثلاً. قد تقدم معلومات تاريخية يجهلها المتلقي الآخر الذي يرغب غوصا في التاريخ. قد تجمّل عالماً سخيفاً ومزيفاً لمتلقٍ قبي الرؤى. قد تقيم عالما موازيا للعواطف التي يطمح إليها المرء، وهي غير موجودة، أو غير ممكنة في الواقع. الروايات عموما، شاء الروائي أم أبى ذلك، تنبني على حالات اجتماعية إنسانية سياسية لا بد أن تصادف من يهتم بها، أو هي تكون معبّرة عمّن يتقبّلها على علّاتها بعجرها وبجرها.
(ج): ما هي التحديات والصعوبات التي جابهتك أثناء الكتابة؟
(ع. س.): الصعوبات التي تواجهك في كتابة الرواية قد تكون كثيرة جداً، وخطيرة جدا. وأخطرها الفشل عند نقطة معينة، عند شخصية معينة، عند مفصل زماني، أو مكاني بعد أن تكون قد قضيت وقتاً طويلاً في إهدار الوقت. أو الملل من الكتابة، أو القناعة بأنها ممارسة عبثية لا معنى لها ولا جدوى منها. هكذا أتعامل مع الرواية، هو تعامل فردي أو نخبوي، ربما يخصني وحدي. لذلك تأخذ الرواية مني زمنا طويلا. أنا شخصياً.. ودائماً غير مقتنع لا بالكتابة الروائية ولا بغيرها وهذه بحد ذاتها معضلة كبيرة وليست مجرد صعوبة من الصعوبات. رغم أنني أمارس الكتابة الروائية باستمرار وكأنها قدر صلب لا مجال للفكاك منه أو الافتراق عنه نهائياً إلا بمعجزة. أشعر دائماً أن هناك أحداً ما غير مرئي بالمرة يستأجرني للكتابة عنه دون أجر. ربما لو التقيت مرة واحدة بذاك الذي يستأجرني لقتلته وارتحت من هذه المسخرة التي تُدعى كتابة رواية.
(ج): ما هو موقع هذا الكتاب في مسيرتك الإبداعية؟
(ع. س.): يمكن تصنيفه في الكتب الروائية المطبوعة لي بأنه الرواية الثامنة على الأكثر.
(ج): هل هناك نصوص كانت ذات تأثير خاص، أو قرأتها أثناء إنجاز النص؟
(ع. س.): يُقال عني بأنني قارئ جيد للروايات. في الحقيقة أنا عكس ذلك تماما. كي أكون قارئاً جيداً يجب أن تكون الرواية جيدة. لذلك قراءاتي الروائية قليلة ونخبوية جدا. ومعظم تلك الروايات أقرأها بفعل الضجر وليس بفعل الرغبة بالمتعة أو التأثر ببنائها الفني أو لغتها اللغوية. أو تراكيبها السحرية. لا أخزّن رائحة الرواية طويلاً في الذاكرة، ولا أتعاطف أبداً مع الشخصيات الروائية المقروءة ولا مع زمانها ولا مع مكانها. لذلك لا أتأثر بما أقرأ.. كي تتأثر عليك أن تكون مهتما، أن تكون عاطفيا أو قابلاً للاستلاب. وأعتقد جازماً أنني لا أمتلك مواصفات من هذا القبيل.
(ج): هل تُفكّر بقارئ محدّد أثناء الكتابة، صفه لنا؟
(ع. س.): عبر مسيرتي الطويلة في الكتابة الروائية، أستطيع القول إنني لم أكتب لقارئ محدد. لم يخطر بذهني أن أكتب لأحد أو لقارئ من أي نوع كان. لا يهمني ذلك أبداً. إن كنت تريد تدمير موهبتك. إن كنت تمتلك موهبة ما عليك سوى التفكير بالمتلقي لكي تدمّرها، أو تقوننها، أو تنتهك كرامتها. برأيي، المتلقي العربي عموما هو كائن ضحل تافه سخيف محدود الرؤى، وهو بالمعظم أيضا ما يزال بدوياً قبلياً لا يفهم ما معنى الرواية بأبعد من كونها حكاية مسلية، وغير جديرة بالاهتمام إلى أكثر من ذلك. الرواية العربية خلقت أجيالاً من المدّعين ولم تخلق قراءً نظراً لأن الروائي لم يحاول انتهاك عالم القارئ وكبريائه وكرامته. بمعنى ما.. كان الروائي العربي وما يزال متسولا تافها لإعجاب القراء والنقاد والمستشرقين والدجاج وفراخ الخنازير والحكام وخدم الحكام وغير لك.
(ج): ما هو مشروعك القادم؟
(ع. س.): المشروع القادم.. ربما هو رواية تمتلك خصوصية واحدة.. هي أنها التجربة الأولى من نوعها في البناء والكتابة.. وانتهاك الحرمات المقدسة.
مقتطف من الرواية
في الليل..
ما بعد الحلم المؤكد..
أنظر إلى يدي من داخل السرد، ومن خارج السر، أراها كيدٍ حرّة بعيدة عن أي مؤخرة في العالم. وحين شممتها مرّة، ثم أخرى. تأكدتُ من ذلك.. لم تكن عليها أي رائحة تذكر، ما عدا رائحة نومي الثقيل، الذي خيّل لي أنه كان نوماً مضطرباً بعض الشئ، أو رائحة نومٍ لكائن آخر مختلطة برائحة نومي دون أن أدري. لا بدّ أن الروائح تختلط ببعضها رغماً عن أنوفنا أحياناً. وحتى الأجساد تختلط، أو تتداخل ببعضها أحياناً.. رغماً عن انوفنا الباردة أيضاً، أو المتوازنة كثيراً. وقد يكون ذاك التداخل، أو الاختلاط على قدر كبير من المتعة. وربما على شئ كبير من الألم، أو الخجل، إلى حد قد يستيقظ فيه المرء ليجد نفسه مبللاً بخذلاناته..
الخذلانات.. ما كان منها بارداً.. أو غير ذلك..
قد تكون كثيرة اغتصابيّة ومرعبة، إلى حد قد ترى فيه الشمس قمراً لا تمل من التحديق إليه، وقد ترى القمر مجرد زحل تائه في السماء، فوق الأرض بقليل يبحث عن حفنة من الحلزونات كي يلمّها، أو يلتهمها بنهم فظيع. ليست تلك الخذلانات المتراكمة سيئة دائماً. إذ.. أنها تنفع في أوقات متناقضة وغير مستقرة على حال.. من الأحوال. كأن تعيش على الخذلان المر بطعم العلقم، أو تتفاهم معه على صيغة عيش مستدامة لا تنقص ولا تنتهي، وقد لا تزيد عن الحد أيضاً. وهو ما يمكن أن ندعوه بالتوازن في الروايات والقصص، وغير ذلك من الضروب والسبل.. التي للكلاب الضّالة، والجمال والكائنات البشرية، بالتفاصيل المختلفة ذاتها.. في السرد الأعمى أو البصير..
هاهنا بما يشبه الحماقة المنسية..
تلك المرأة أيضاً.. نايات، من زمنه الغابر، يسمعها كأحجية، كطرفة كانت مؤجلة كثيراً. بعد أن غادرته في العزلة لبعض الوقت كما تدعي، إلا أنها إحدى القصص المثيرة، المثيرة لدماغه على الأقل في الليل.. إذ تقول: ها أنت تُجلسني في العتمة كما ترغب، أو كما أرغب. بحكم خجلي، بحكم أن ذلك كله حدث في العتمة، دون إرادة سوى إرادة صوت الغريزة. تُجلسني كما لو كنتُ موديلاً عتيقاً من خوف البشر، يصلح للرسم المتأخر، في وقت متأخر. ربما لا يعود الفضل في ذلك ليّ.. أو لك. بل لشركة الكهرباء الوطنية التي تعاني من عطب أبدي يغرقنا في عتمة أبدية. لا يمكن إصلاحه على يد اللصوص المحتالين في نظام الحكم. الذين يسرقون حتى أحذية الأطفال وابتساماتهم قبل النوم وبعد النوم، كي يسددوا الفواتير للهمج الذين يحتلون البلاد ويحمون العرش البائس من الزوال..
لأول مرة منذ زمن بعيد، أقضي أمامك وقتاً طويلاً كامرأة عارية على هذا النحو.. دون خجل أبداً. بل تراني أُطالبك اللحظة أن تفعل بي ما يمكن أن تفعله بعاهرة متهتكة يوميّاً بين الحلال والحرام. أو بين الحرام والحرام. أنت حرام.. وهو حرام، كلكم حرام في عرف الشرع والشريعة اللعينة المطّاطة كفردة حذاء من البلاستيك. لذلك.. افعل بي ما يمكن للرجل أن يفعله مع عاهرة عابرة في وقته، جاء بها بالصدفة من الشارع، أو الحديقة العامة، إلى سريره هنا في العتمة، وكأننا لم نكن أبناء المكان ذاته.. طيلة ذاك الزمان كله. كأننا لم نكن أصدقاء البتة، من ثم عشاق سرّيين إلى ما يزيد عن عقدين من الزمن. نادني بالعاهرة.. العاهرة هي الصفة التي أحب أن تليق بي. العاهرة العانس، أو العاهرة الأرملة.. التي لم يمت بعلها السري سوى كمعنى. هو بعل، زوج، لكنه غير مُعلن، لا يمكن إعلانه، أو الإعتراف به، زوج بالإكراه بالإغتصاب، بالتواطؤ غير الشريف، إنما النبيل ربما. ربما لم أخنه سوى في مرّات قليلة أو نادرة، خيانة.. تشبه اغتصاباً سريعاً مفاجئاً، مع زوج صديقة غابت قليلاً لضرورة ما.. لأقل من ساعة. أجل حدث ذلك.. كنت ضيفةً. تخيّل أن تكون ضيفاً ثم تُباغت بأحد من غير جنسكَ في غرفتكَ، في سريركَ الموهوب لك لليلة واحدة أو أكثر، يعتليكَ.. أو يركبكَ، أو يحتضنكَ لاهثاً مطبقاً بشفتيه على شفتيك. ما الذي قد يحدث سريعاً تفادياً لفضيحة أو ربما رغبة بذلك؟؟
لا بد أن تستسلم ما لم تكن نذلاً، أن تدخل في الحالة سريعاً كرغبة انتقامية من الجميع. أو دون التفكير بأحد. بل استجابة لنداء الغريزة في الجسد وهيجانه، أو فورانه. ربما بعد ذلك بقليل وأنت تستحم منظّفاً نفسك من رائحة الآخر، من أنفاسه، من سائله اللزج على فخذيك، من آثار الجريمة. لا بد أن تشعر بقليل أو كثير من الندم، من التأنيب أمام أحد ما.. غاب قليلاً عن البيت كي يحضر لك فطوراً شهيّاً من باب اللباقة وكرم الضيافة، والثقة الزائدة بالنفس، ثم بالآخر..
ليس من كبرياء في التواطؤ المباغت. في الغالب لن تكون لك القدرة على الرفض أيضاً. بل.. ستستمتع كامرأة بذاك الفعل، بالخيانة. بذاك العضو الذي يلج سريعاً كسيخ من الحديد المحمى إلى العمق. بعد ذلك سيكون هذا الحيوان أسيركَ إلى ما شئت من الزمن، لأنكَ تملك صك خيانته وحيوانيته بيدك، ويمكن أن تشهره كفضيحة متى شئت بوجهه. لذلك.. يمكنك أن ترّوضه كحيوان يمتلك القدرة على المباغتة. ليس من السئ أن يكون حيواناً دائماً بين يديك، رهن إشارتك.. مقابل صمتك، أو تخاذلك. التخاذل.. قد يكون نعمة كبيرة في الجنس وغيره، أظنكَ جربتَ ذلك كثيراً.. ربما كما لم يجربه أحد. لا بد أنك تدرك جيداً.. أنه منذ روّضَ الانسان الأول.. البهيمة الأولى، وربما كانت امرأة.. هي بالتأكيد امرأة، لم تعد البهيمة حرّة. وهذا ما ينطبق على الرجل تماماً. أي منذ استعبد الإنسان.. الإنسان في لحظة غريزة لأول مرة، لم يعد الإنسان حرّاً، يتساوى في ذلك مع البهائم الأخرى، التي ارتضت أن تنتقل بالترويض ذاته من الخلاء، إلى الحظيرة. من الغابة.. إلى القفص..
قد أحكي لك فكرة أخرى، حين أخرج من القفص برمته، من حالة خوف ما تزال تلبسني من جبيني حتى أصابع قدمي. قد تكون حكاية مبهمة، طارئة، أو سريالية، وربما واقعية جداً. لكن ليس قبل أن أضمن، أن أكون هنا في هذه الزاوية بمفردي منذ الآن، فوق هذا السرير كلوحة عتيقة من زمن بعيد. يرغب أحد ما.. بسماعها، بلمسها، برسمها كلوحة عتيقة في سردية دون ضوابط أخلاقية بالمرّة..