تبدو المساحات المدنية في العراق، للوهلة الأولى، كواحات تقدمية نبتت في أرض أرهقتها النزاعات والأنظمة الأبوية. تُقدم هذه الفضاءات نفسها كقاطرة للتغيير، وحاضنة لمفاهيم العدالة، التمكين، والمساواة، مدعومة بترسانة من أدبيات المنظمات الدولية ومصطلحات الحوكمة الرشيدة. إلا أن نظرة فاحصة، تتجاوز السطح المصقول للتقارير السنوية الموجهة للممولين، تكشف عن ديناميكية داخلية مغايرة تماماً: إن المجتمع المدني العراقي لا يفكك الأبوية بالضرورة، بل يعيد إنتاجها وتدويرها بذكاء شديد، متخفياً وراء قناع برّاق من الشعارات التقدمية.
إن شكل الإقصاء الذي تواجهه النساء في هذه المساحات لم يعد يُمارس عبر إغلاق الأبواب في وجوههن بشكل فج، بل عبر هندسة ناعمة وخفية لتوزيع الأدوار؛ هندسة تسمح للمرأة بالتواجد الفيزيائي، لكنها تضع سقفاً زجاجياً يمنعها من التأثير البنيوي. ولفك شفرة هذا الإقصاء، يجب أولاً تفكيك طبيعة الدمج الحالي؛ إذ إن حضور النساء في العديد من الفضاءات المدنية في العراق يقع في فخ الدمج الصوري أو الرقمي. تُستدعى النساء في هذه المساحات لملء الكراسي الشاغرة تحقيقاً للنسبة المطلوبة التي تفرضها شروط التمويل الدولي، أو تقتضيها الوجاهة الحقوقية أمام الرأي العام.
هذا النوع من الحضور لا يعترف بالخصوصية السياقية للنساء؛ إذ صُممت قنوات الحركة، وأوقات الاجتماعات، وآليات التواجد في الفضاء المدني العراقي بناءً على "نموذج المواطن المعياري" الذي يمثله الرجل (المجرد من التزامات الرعاية والمسؤوليات الحياتية المفروضة مجتمعياً). بالتالي، يُطلب من النساء الاندماج في فضاء طارد بطبيعته اللوجستية، ليتحول تواجدهن من شراكة حقيقية إلى "ديكور جندري" يؤثث المشهد دون أن يمتلك القدرة على تغيير قواعد اللعبة أو إعادة صياغة أولويات الفضاء نفسه.
كيف يؤنث التيسير؟ عن هندسة الإزاحة وفخ "الخطاب الانفعالي"
بالطبع لا يتوقف الأمر عند حدود التقسيم الإداري للأدوار، لكنه يمتد إلى ممارسة رقابة عاطفية ذكورية خفية داخل القاعة؛ إذ يعجز المسؤولون وصناع القرار عن إزاحة منظورهم الأبوي التقليدي عن النساء داخل مساحات العمل، ويُتوقع منهن دائماً الحفاظ على صورة "المُلطّف الدبلوماسي" والمُيسّر الانسيابي للنقاش. وتظهر المفارقة عندما تحاول النساء كسر هذا القالب الوظيفي، والانطلاق من تجاربهن المعيشة ومعاناتهن اليومية لتفكيك بنية القمع (انطلاقاً من المبدأ النسوي الراسخ بأن "الشخصي هو سياسي") في بلدٍ تأكل صراعاته وسياساته حقوق نصف سكانه. في تلك اللحظة بالذات، تتغير ديناميكية قاعات المؤتمرات والاجتماعات؛ تتجهم وجوه الحاضرين من الرجال، وتسيطر على الملامح لغة جسدٍ تنضح بالتململ والسخرية المبطنة، جراء ما يعتبرونه إقحاماً لـ "الخطاب الذاتي والعاطفي" في فضاء السياسة العقلانية الأداتية.
يُصنّف حديث النساء عن المعاناة البنيوية والحقوق المسلوبة داخل المخيال الذكوري كـ "عبء عاطفي مستنزف" أو "ضجيج هامشي" يعطل النقاش عن القضايا السيادية والاستراتيجية الكبرى (كشكل الدولة، الأمن، والموازنات العامة). هذا الوصم الممنهج لشهادات النساء باعتبارها تفاصيل ثانوية تقع خارج مربع "السياسة الصلبة"، يمارس وظيفة طرد سيكولوجية عنيفة تُشعر المرأة بأن طروحاتها الجوهرية غير مرحب بها فكرياً.
تؤدي هذه الآلية الإقصائية المزدوجة إلى نتيجة حتمية بالغة الخطورة: تراجع وهجرة النساء القادرات على التفكيك والتنظير السياسي نحو الهامش. فعندما تدرك المرأة، عبر تراكم الخبرة داخل هذه المساحات، أن صوتها النقدي والسياسي يواجه بالجدار المصمت والتهميش والسخرية المبطنة، بينما يُغدق عليها المديح والقبول عندما تكتفي بضبط الوقت، والابتسام، وتبسيط حوارات الآخرين، فإنها تضطر غريزياً إلى اتخاذ قنوات "الإزاحة الذاتية". تدرك المرأة داخلياً أن السياسة والتنظير ليسا لها في هذا الفضاء، أو على الأقل، ليس بالثمن النفسي والعصبي المضاعف المطلوب منها دفعه لمواجهة تلك الممانعة الذكورية الصامتة. والنتيجة هي استهلاك كامل طاقتها الذهنية والعصبية في "العمل العاطفي والخدمة اللوجستية" للحاضرين (تماماً كما تُستنزف طاقة النساء في أدوار الرعاية المنزلية غير المأجورة) ليتم تفريغ الفضاء المدني تدريجياً من عقول النساء المفكرة، ويتحولن بفعل بنية الطرد هذه إلى تروس لتسيير وتجميل المشهد، بينما تظل الراديكالية الفكرية وصناعة القرار امتيازاً ذكورياً خالصاً يحتكر إنتاج السياسة.
ولا يقتصر هذا التقسيم الجندري على حدود الوظيفة الإدارية والسلوكية، بل يمتد ليفترض معايير بصرية وجمالية محددة للظهور. ففي الوقت الذي يُقبل فيه الرجل بأي مظهر وهيئة باعتباره يُمثل "ثقل العقل والخبرة"، يُفرض على النساء سياج غير مرئي من التسليع؛ إذ تفضل النخب الذكورية والجهات المنظمة شكلاً ونمطاً معيناً للمرأة الحاضرة أو الميسّرة. يُراد للمرأة هنا أن تمتلك مساحة من "الجمال الممتع والمريح للعين" لتؤدي وظيفة مزدوجة: تلطيف النقاش من جهة، ومنح المؤتمر واجهة من الحداثة السطحية والوجاهة الدبلوماسية أمام الممولين والجمهور من جهة أخرى. يُختزل الوجود النسوي هنا في كونه أداة لتزيين المشهد وتجميله، لتتحول كفاءة المرأة الفكرية إلى مرتبة ثانوية خلف قدرتها على تأثيث القاعة بصرياً وجندرياً.
تذكير التنظير: احتكار العقل الاستراتيجي وصناعة "السياسة الصلبة"
على الجهة الأخرى من المنصة العامة، تجري خلف كواليس الفضاء المدني والسياسي عملية ممنهجة وعميقة لـ "تذكير التنظير والقرار الاستراتيجي". فحين يصل النقاش إلى اللحظات الحواسم—مثل صياغة ورقات السياسات العامة، تفكيك المفاهيم الجيوسياسية والاقتصادية المعقدة، والتحليل الهيكلي لمنظومات الحكم والأمن في العراق—تتقلص فجأة المساحة المتاحة للنساء، لتؤول السيادة الفكرية بالكامل إلى "النخب الذكورية" عبر تراتبية معرفية جائرة تُمنح فيها "الهيبة الفكرية" للرجل كحق بنيوي مكتسب.
ينبع هذا الإقصاء من عقيدة مضمرة داخل المساحات المدنية والسياسية تنظر إلى السياسة باعتبارها "فعلاً خشناً" يدور في فضاء عراقي محكوم بالمليشيات، السلاح، والعشيرة. وتحت ذريعة هذه الخشونة القائمة على الأرض، تقع النخب المدنية في فخ محاكاة الخصم؛ إذ يعتقدون غريزياً أن مقارعة سلطة خشنة تتطلب "أدوات ذكورية" موازية حتى في الفكر والنقاش. وبذلك، ينسخ المجتمع المدني نفس عقلية السلطة التي يدّعي محاربتها، متذرعاً بأن واقع الصدام يتطلب حنكة وصرامة يحتكرها الرجال، مما يبرر الاستبعاد المبكر لعقل المرأة من ملفات "السياسة الصلبة".
ولا تتوقف هذه الهندسة الإقصائية عند حدود الغرف الإدارية المغلقة، بل تمتد لتصدمنا في اللحظات التاريخية المفصلية؛ ولعل "ثورة تشرين" هي الشاهد الأبرز والأكثر إيلاماً على هذا التناقض البنيوي. ففي الوقت الذي كان فيه الوجود النسوي في الساحات، والجسور، وخيم الاعتصام هو الضمانة الحقيقية لإدامة الثورة وحمايتها سيكولوجياً وسياسياً من التشويه، جرى ارتداد أبوية ساحق بمجرد الانتقال من فعل الاحتجاج إلى فعل التنظير. أُحيلت النساء الى "العمل الرعائي" (كالطبخ، الإسعاف، والدعم اللوجستي)، وحُيدت عقولهن تماماً؛ إذ لم تشارك امرأة واحدة في كتابة بيان سياسي واحد من البيانات التي صدر باسم الساحات وصاغت مطالب الشارع.
تُعزل وتُختزل كفاءة المرأة المعرفية والبحثية، مهما بلغت رصانتها، في حدود "الاجتهاد الإداري والتنفيذ الصبور". تقع النساء هنا في فخ عملية سطو معنوي ناعمة؛ حيث يُستهلك جهدهن الفكري والجسدي الشاق ليعاد تأطيره كـ "مهارات تدبيرية وثانوية"، بينما يُصدر الرجل في اللحظة الأخيرة باعتباره "المنتج والمبتكر" (The Creator) للرؤية السيادية. إن هذا الفصل الحاد يعيد تدوير الثنائية البطريركية القديمة التي تربط الرجل بـ "العقل والسيادة وإنتاج الفكرة"، وتربط المرأة بـ "المادة والخدمة واللوجستيك"، ليبقى إنتاج المشهد السياسي حكراً ذكورياً خالصاً ومتوارثاً حتى في فضاءات التغيير.
عزل النساء وتعويم المفاهيم: كيف تُفرغ قضية المرأة من سياقها السياسي؟
لا تنبع البرامج والمشاريع المخصصة للنساء داخل الفضاء المدني العراقي من مراجعة ذاتية أو وعي داخلي بأهمية إشراك النساء، بل تأتي كاستجابة مباشرة لشروط وإملاءات الممولين الدوليين الذين يفرضون قضايا المساواة كبند إجباري لاستمرار الدعم المالي. هذه التبعية التمويلية أنتجت نسوية صورية، تهتم بالوجود الرقمي والصوري للنساء لتعبئة استمارات التقارير وتأشير مربعات الامتثال، بينما تعمل في العمق على إفراغ النسوية من معناها وتحويلها من حركة تحررية سياسية إلى مجرد "مشروعات" مؤقتة.
في هذه المساحات المعزولة التي تُصمم تحت لافتة "بناء القدرات السياسية للنساء" أو "تمكين النساء" كما يروق للخطاب الدولي تسميتها، يجري هندسة وعي مدجن ومسيطر عليه سلفاً. يتم الهروب الممنهج من "السياسة الصلبة"؛ فلا تُتاح للنساء الأدوات المعرفية لتفكيك آليات الاقتصاد السياسي في العراق، ولا بنية المحاصصة، ولا شبكات التخادم بين النظام المليشياوي والعشائري وسلطة الدولة لإعادة إنتاج العنف والفقر الممنهج. بدلاً من ذلك، تُدفع النساء نحو أطر إصلاحية شديدة البدائية والسطحية، لتبدو طروحاتهن ومطالبهن وكأنها خارج سياق الواقع العراقي العنيف. يُحصر وعي النساء السياسي في نقاشات تقنية وإجرائية معزولة، مثل الاكتفاء بالمطالبة بتشريع قانون العنف الأسري، أو تعديل بعض المواد القانونية القاصرة في قانون العقوبات.
إن هذه المطالب، رغماً عن ضرورتها الإجرائية، تُطرح في هذه البرامج بطريقة تفصل القانون عن بنيته السلطوية التي تحميه. يُعاد تصنيع الغضب النسوي المشروع ضد واقع "يأكل حقوق نصف سكان البلد" ليتحول داخل هذه الورش المنظماتية إلى جداول بيانات ومصفوفات ومصطلحات معقمة لا تخدش وجه النظام الأبوي الحاكم ولا تتصادم معه.
وامتداداً لهذا العزل المكاني والمعرفي، يمارس الفضاء المدني نوعاً آخر من التمييع المفاهيمي للظلم الواقع على المرأة؛ إذ يعمد إلى سحب هذا الظلم من سياقه البنيوي والسياسي الحقيقي، ووضعه في سياق عائم ومحايد. فحتى عندما يخرج الحديث عن العنف والتمييز ضد النساء إلى العلن—سواء في فضاءات مختلطة أو غير سياسية—يُجرد اضطهاد النساء من مسبباته الصلبة. يُختزل التهميش الممنهج في عبارات فضفاضة ورمادية من قبيل "العادات والتقاليد"، أو "نقص الوعي المجتمعي"، أو "تحديات الدمج". إن هذه التسميات العائمة تمارس عملية "تجهيل للمنظومة القامعة" وتحول الجريمة البنيوية إلى مجرد سلوكيات فردية طارئة تحتاج إلى "ورش توعية" و"حملات مناصرة ناعمة".
إن الهروب نحو هذا السياق العائم، وحصر النساء في قنوات "التمكين المدجن"، ليس جهلاً من القائمين على الفضاء المدني، بل هو آلية دفاعية لحماية أنفسهم من كلفة الصدام الراديكالي مع قوى السلطة الحقيقية على الأرض. فحديث النساء عن الظلم بمسماه الحقيقي وسياقه العراقي المليشياوي والعشائري الخشن هو حديث يهدد الاستقرار اللطيف للقاعة، ويحرج النخب الذكورية التي تتواطأ بالصمت. لذا يُفضل النظام المنظماتي دائماً إنتاج "خبيرات جندر تكنوقراط" يتقنّ لغة المنظمات واستجداء الحقوق الدبلوماسية، لتتحول القضية من معركة تحرر وتفكيك لامتيازات السلطة، إلى مجرد ملف إداري معزول ومريح، يبقي الفكر النسوي تحت السقف المسموح به تمويلياً وأبوياً، ويمنع حدوث أي صدام حقيقي ومعرفي مع المركزية الذكورية المهيمنة على مفاصل القرار.
نحو مراجعة شجاعة واكتشاف "المساحة الثالثة"
بناءً على هذا التشريح، يصبح من الجليّ أن التمكين الحقيقي للنساء داخل الفضاء المدني العراقي لا يمكن أن يُقاس بعدد المقاعد التي يشغلنها في القاعات، ولا بنسب حضورهن الصوري؛ فالاعتماد على "وثنية الأرقام" والإحصاءات الجافة لإرضاء شروط الممولين الدوليين هو أداة تخديرية تُفرغ العدالة من معناها. والمفارقة الأخلاقية تكمن في أن المجتمع المدني الذي يرفع لواء محاربة السلطوية والمحاصصة في الفضاء العام، يسقط في فخ إعادة إنتاج آليات الإقصاء نفسها داخل أروقته، عبر هندسة ناعمة تُبعد عقول النساء عن العقل الاستراتيجي والسياسي.
إن المخرج من هذا المأزق لا يكمن في هدم المساحات المتاحة حالياً أو التخلي عن المكتسبات والهوامش المسموحة للنساء، بل في دفع المنظمات والمؤسسات نحو مراجعة ذاتية شجاعة وبنيوية. على هذه الكيانات أن تقف أمام مرآتها الفكرية لتدرك أن شعار "المساواة" سيبقى فكرة عاقرة طالما أنها مستمرة في إعادة إنتاج نفس الآليات والأفكار البطريركية التي تدّعي محاربتها. إن حماية وجود النساء في الفضاء المدني تتطلب بالضرورة تطوير هذا الوجود وتحريره، لا إبقاءه مدجناً داخل غيتوهات معزولة ومعقمة تفصل الظلم عن بنيته السلطوية.
وامتداداً لهذه المراجعة، يبرز التحدي الأكبر والأكثر جوهرية: كيف نتوجه نحو "المساحة الثالثة"؟ تلك المساحة التي تقع خارج أسوار الفنادق الفارهة وقاعات المؤتمرات الكبرى، لتبحث عن النساء اللواتي لا تصلهّن برامج التمكين الصوري، ولا يمتلكن الأدوات لفهم السياسة عبر القنوات والورش التكنوقراطية المتاحة. إن المعركة الحقيقية تحتاج إلى شق طريق ثالث؛ طريق يترجم "السياسي" إلى لغة يومية ومعيشة تنطلق من واقع النساء في المحلات، والمعامل، والبيوت، ويصنع من معاناتهن اليومية وعياً صلباً ومقاوماً.
إن بناء هذا الطريق البديل يتطلب من الفاعلين في الفضاء المدني شجاعة فكرية تترفع عن "إغراء المنح الدولية"، والتي تتضاعف وتتدفق كلما أقيمت المشاريع داخل صالونات معزولة ومريحة للممول. الرهان اليوم هو في القدرة على مغادرة هذه الفضاءات المعقمة والنزول إلى الأرض؛ فالمساواة الحقيقية لن تُصنع بالاستمارات وجداول البيانات، بل بقدرتنا على دمقرطة المعرفة السياسية وجعلها أداة في يد كل امرأة عراقية. لقد آن الأوان لتدرك النخب المهيمنة أن النساء لم يعدن يقبلن بدور "المُيسّرات" أو "المُجمّلات" للمشهد، بل هن شريكات حقيقيات وندّيات في هندسة الواقع وصناعته من نقطة الصفر، خارج السقوف الزجاجية للأبوية المحدثة.