عُرض فيلم "الأرض والحرية" (Land and Freedom, 1995) خلال فعاليات هذا العام من مهرجان كان، بنسخة 4K. وتزامن عرض الفيلم مع الذكرى التسعين لبداية الحرب الأهلية الإسبانية 1936.
شاهدتُ الفيلم منذ سنوات، ومع عرضه في كان، استعدتُ بعض جماليات هذا العمل للمخرج البريطاني كِن لوتش.
مع الدقائق الأولى، ظللتُ أسأل نفسي: هل سينتصر الفيلم للثورة الإسبانية؟
رغم علمي بهزيمتها تاريخياً، ظل السؤال يتردد في عقلي حتى ماتت بلانكا، ولم يقدم كِن لوتش أي تصوّر مغاير لصيرورة التاريخ الإسباني.
يحكي الفيلم قصة رجل بريطاني ينتمي للحزب الشيوعي في إنجلترا، ويقرّر السفر إلى إسبانيا لدعم رفاقه في حربهم ضد الفاشية الإسبانية بقيادة الجنرال العسكري فرانشيسكو فرانكو، في مرحلة كان القوميون فيها (مؤيدو الحكم العسكري) يحصلون على دعم عسكري وسياسي من النظامين الحاكمين في إيطاليا وألمانيا بقيادة موسوليني وهتلر.
أما الجمهوريون (مناهضو الحكم العسكري) فكان يتلقّون الدعم من قبل الاتحاد السوفيتي وأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. الاتحاد السوفيتي في هذه المرحلة التاريخية بقيادة جوزيف ستالين كان قد أسس لرؤية واضحة تجاه نمط الحياة في الاتحاد الكونفدرالي الناشئ منذ سنوات فيما يسمى بالواقعية الاشتراكية. وهذه الأيديولوجية مبنية على مرتكزات ماركسية في إطار ستاليني، وقد تبلورت هذه الرؤية في الفنون جميعها، ومن بينها السينما.
والواقعية الاشتراكية التي قدمها الاتحاد السوفيتي للعالم، تبناها مخرج الفيلم كن لوتش في أفلامه، لكنها واقعية اشتراكية مناهضة للنموذج الستاليني. ولوتش واحد من رواد هذا الاتجاه السينمائي منذ صنع أفلامه في ستينات القرن الماضي، وتقديم فيلمه الثاني Kes- ١٩٦٩، الذي ظهرت فيه نظرته للعالم، وحديثه عن الطبقة العاملة في إنجلترا.
وفنون الواقعية الاشتراكية عمومًا، والسينما تحديدًا، سواء كانت حركة أو موجة أو اتجاهًا سينمائيًا، فالجزء المركزي فيها يعتمد على إبراز قيم العمل والثورة، وفي الوقت نفسه، يتسم هذا النوع من الأفلام بالبساطة وعدم الميل للتعقيد الفني أو التجريد مثلًا.
وهذا ما يمكن ملاحظته في فيلم لوتش الذي يركز على أحداث الصراع الأهلي بين الحكومة العسكرية والجمهوريين، ويقترب في استخدام الكاميرا من الأسلوب الوثائقي الذي تميزت به السينما السوفييتية في عهد ستالين وقدمت أفلامـًا مهمة مثل (الرجل ذو الكاميرا-١٩٢٩- إخراج دزيجا فيرتوف)، إلا أن فيلم لوتش ظهر متأثرًا في عدد من مشاهده بفيلم البارجة بوتيمكن لسيرجاي أيزنشتاين، وذلك من خلال لقطات مختلفة من بينها مشهد تنازل الجمهوريين عن أسلحتهم في مواجهة القوميين.
(لقطتان من فيلمي البارجة بوتيمكن والأرض والحرية).
ولوتش صاحب الأفكار الاشتراكية، تؤثر أفكاره على حركة الكاميرا في الفيلم، فهي تراقب أكثر مما تتدخل. وقد اهتم لوتش بالحوار كثيرًا خلال الأحداث، مما فرض على الكاميرا قدرًا من الحياد مقارنة بفيلم البارجة بوتيمكن الذي لم يعتمد على الحوار المنطوق، واعتمد بالأساس على التصوير والمونتاج.
ومشهد حوار أهل القرية في بيت أحد الثوار حول مواجهة النظام العسكري دليل على ذلك، فالمشهد استمر قرابة ١٣ دقيقة من الحوار المتعمق الذي يُعتبر مركزيًّا في الفيلم؛ لأنه يعبر عن المضمون الأساسي للواقعية الاشتراكية في رؤية لوتش.
ويُلاحَظ أن الفيلم لم يقدم اليسار كياناً واحداً يؤمن بأفكار ستالين، فقدّم إحدى الكيانات اليسارية المناهضة لستالين (POUM أو حزب العمال للتوحيد الماركسي) الذي جمع بين العمال والفلاحين من جهة والنشطاء التروتسكيين من جهة أخرى.
(لقطات من المشهد الأطول في الفيلم من اجتماع أهل القرية ونقاشاتهم الثورية).
ولم يختف أثر الواقعية الاشتراكية خلال أحداث الفيلم، ربما لأن الحدث التاريخي المرصود يفرض ذلك، وربما لأن أفكار المخرج الاشتراكية ظاهرة خلال الأحداث. وقد يكون الأمر محض صدفة، فنشاهد اللون الأحمر في لقطات كثيرة كما ظهر في فيلم البارجة بوتيمكن، أو لحظة مصرع بلانكا وسقوطها على الأرض بين يدي أحد رفاقها، والتشابه بين هذه اللقطة ولوحة سوفيتية شهيرة بعنوان مقتل المسؤول السياسي (١٩٢٨) للرسام الروسي كوزما فودكين.
(استخدام اللون الأحمر في الفيلم والتشابه مع فيلم البارجة بوتيمكن).
(لوحة المسؤول السياسي لكوزما فودكين).
(لقطة موت بلانكا).
كل هذه الواقعية الاشتراكية لم تمنع المخرج عن شاعريته، إذ نلاحظ لمسة لوتش الشاعرية في بعض المشاهد التي كان حوارها قليلًا، وكان يرسم بالكاميرا لوحات، من أبرزها مشهد وفاة بلانكا واحتضان والدها لها، إذ يمكن أن نلحظ روحـًا متشابهة مع لوحة شهيرة لكاثي كولفيتز والمعروفة باسم (امرأة وطفل ميت) والتي تنتمي للوحات التعبيرية الألمانية.