بعد قرابة الشهرين على عرضه، حقق فيلم "أسد" إيرادات زادت عن 85 مليون جنيه مصري، أي ما يعادل 1.7 مليون دولار أمريكي. أخرج الفيلم محمد دياب، وأُسندت البطولة لمحمد رمضان. وقد رُوج للفيلم على نطاق واسع قبل عرضه، مما شجعني لمشاهدته، خاصة أنه التعاون الأول بين رمضان ودياب.
مع أول يوم عرض لفيلم أسد، امتلأت قاعة السينما بالجمهور؛ أسر صغيرة يحملون رضعاً، وكبار سن وشباب، في انتظار الفيلم الجديد لرمضان الغائب عن السينما والتلفزيون منذ عام 2023. ولا أظنه شائعاً أن نجد هذا التنوع السِّنّي، والاكتظاظ في قاعات السينما في مصر مؤخراً، فمهرجانات السينما تستهدف فئات بعينها، والأفلام الفنية أو الـArt house كذلك، وحتى الأفلام الجماهيرية لم تعد تستهدف شرائح متنوعة نظراً لارتفاع سعر التذاكر. وهذه ملاحظة شخصية لا يمكن تتبعها بأسلوب علمي نظراً لعدم وجود معلومات متاحة حول فئات الجمهور المهتم بدخول قاعات السينما.
بدأ الفيلم بافتتاحية تبدو أمريكية في لغتها الإنجليزية والسينمائية، حتى تشكّك بعض الجالسين أننا لا نحضر الفيلم المراد، وأننا دخلنا قاعة أخرى. انتهت الافتتاحية، لنجد أنفسنا في برّ مصر في منتصف القرن التاسع عشر. الصورة باهرة والتقنية المستخدمة على مستوى الجرافيكس تضاهي أي فيلم هوليوودي، ماذا سنشاهد؟
قصة طفل أسود قادم من إحدى بلدان قارة أفريقيا، في وقت كانت شمس تجارة العبيد قد بدأت في الأفول، وأُصدرت قوانين بإلغائها في المملكة المتحدة والهند وفرنسا. والحكاية التي يقدمها الفيلم توضح انتشار أسواق النخاسة في مصر خلال خمسينات وستينات هذا القرن، أي في فترتي حكم عباس حلمي الأول ومحمد سعيد. هذه الإشارة لم تُذكَر في الفيلم مباشرة، لكن التسلسل التاريخي يوجّهنا لذلك، فكل لقطة في الفيلم تعني شيئاً ما ولا تُوضَع عشوائياً، فذكر التاريخ على الشاشة يضعنا داخله. ورسم الشخصيات ساعد على ذلك، فقد ظهرت شخصية ولي العهد الشاب القادم من فرنسا (يؤديه أحمد داش) وفي أول مشاهده السينمائية يتحدث بالفرنسية، مما يجعلنا نخمن أنه الخديو القادم لحكم مصر "إسماعيل باشا".
هذا السياق التاريخي الموضوع عن قصد ودراية، جعلنا نسأل: هل كانت تجارة العبيد في مصر مقننة؟
يقول المؤرخ عبد الله حسين في كتابه "السودان من التاريخ القديم إلى رحلة البعثة المصرية (الجزء الأول)":
"...كان لمصر جهود موفقة احتملت في سبيلها تضحيات من المال والجند، وفقد السودان نفسه لمنع تجارة الرقيق في السودان، فأعلن محمد علي باشا عند زيارته للسودان سنة ١٨٣٩م إبطال تجارة الرقيق، وحذا حذوه محمد سعيد باشا في زيارته للسودان سنة ١٨٥٨م، أما إسماعيل باشا فكان اهتمامه بمنع الاتجار بالرقيق يفوق الجهود السابقة، منذ ولي حكم مصر سنة ١٨٦٣م، فصادر ٧٠ مركبًا محملة بالرقيق بين كاكا وفاشودة، ودعا ملك الشلوك إلى الخرطوم فسلَّمه رقيق بلاده، وسجن التجار، وأفرج عنهم بعد تعهدهم بعدم العودة إلى تجارة الرقيق".
هذا لا يعني أن محمد علي باشا كان يكره تجارة الرقيق، بل العكس، فالرقيق كانوا جزءًا من رؤية الباشا لإنشاء جيش مصري من عبيد السودان.
المقال هنا لا يدعم أو يعارض رؤية أسرة محمد علي حول الرقيق ومدى أخلاقية ما فعلوه، لكنه سؤال سينمائي حول مدى الدقة التاريخية التي يجب أن يقدمها مخرج العمل وكاتبه. وهل يمتلك المخرج أو الكاتب حرية اللعب بالتاريخ في إطار حرية الخيال والإبداع؟
لم يدّعِ العمل أنه يحكي التاريخ أو يعيد قراءته، إلا أننا تلقائياً نفكّر أثناء المشاهدة، ونسأل: هل كان حكام مصر يفكرون بهذه الطريقة؟ وهذا لا يتطلب أن يكون المشاهدون متخصصين في التاريخ.
فخلطة البطل الأفريقي الذي يحارب الرق تربك المشاهد، لأن بعضاً من بحث بسيط يكشف لنا أنه لا مراجع أو وثائق تتحدث عن رجل أسود واجه السطوة العثمانية في مصر واستعبادها للأحباش وغيرهم. وقد حاول الفيلم التمويه أو المناورة حول ذلك، مما يُشكك المشاهد في أمره، فيبدأ البحث عن هُوية هذا العبد الثائر، لأن التاريخ حاضر في الديكور والأزياء وبنية المدينة، وهي عناصر لا تقل أهمية عن الحوار وكذلك اختيار أدوار الشخصيات السياسية رغم عدم معرفتنا بأسمائها. إذاً، فكل عناصر الفيلم التاريخي تكاد توجد أمامنا، لكنه فيلم أكشن رومانسي درامي، وهنا مكمن ضعف العمل، السيناريو والحبكة والعلاقات بين الشخصيات.
تُعلمنا مشاهدة أفلام هوليوود، أن الخلطة الهوليوودية للفيلم الناجح تضع بطلاً عادياً في موقف غير عادي يسعى لاجتيازه. هذا البطل (أسد) ربما يمر بقصة حب مع امرأة (رزان جمال - في دور ليلى)، ويكون هذا الحب صعباً، جرّاء عدم انتباه المرأة لهذا الحب أو لأي سبب آخر يمكن توقعه. ومع نجاح البطل، ووصوله لهدفه، غالباً ما يجتمع الحبيب والحبيبة عند خط النهاية. ولا ننسى هنا الخصم التقليدي الذي يكره البطل ويحاول الإيقاع به والقضاء عليه، وهذا ما قدمه علي قاسم في شخصية (يكن).
وهذا يحيلنا للحديث عن كتابة الشخصيات، ومدى تماسكها في أثناء توالي الأحداث، فشخصية يكن والحبيبة ليلى ووالدها محروس، يظهرون مثل الوميض ودورهم في تحويل دفة الحكاية مبعثر. فالأب يشتري العبد "أسد" ثم يختفي، وفجأة تنشأ قصة حب سريعة جدًا بين العبد وابنة السيد، فتاة بيضاء شامية، أي حب محرم على كل المستويات، عرقية وطبقية، لكنهما يكبران مغرمين ببعضهما بعضاً، لنجد يكن يقف حائلاً بينهما.
وعندما تُكتَشف قصة الحب ويتزوج أسد ليلى سراً، يقرر يكن إخصائه، ولا نعلم لماذا يقرر فعل هذا الشيء مع رجل يافع، ومدى اعتبار هذه الممارسة القاسية أمراً معتاداً بين السادة تجاه عبيدهم. خاصة إن الإخصاء تاريخياً ارتبط بالطواشي أو الأغوات، وهم ذكور يُخصَون إما للعمل في القصور أو خدمة الحرمين الشريفين، فلماذا يُخصى أسد في سن الرجولة رغم الإتيان به عبداً صغيراً ويمكن إخصاؤه في طفولته؟
مكمن هذه البعثرة الدرامية أن محمد رمضان بطل العمل، فالشخصيات كافة تخدم وجوده المركزي، بداية من عنوان العمل مروراً بالأحداث، وكأنه سبارتاكوس (كِرك دوغلاس) أو ويليام والاس (مِل جِبسون)، مع فارق جوهري، أننا نتذكر جيداً دور ويليام في فيلم القلب الشجاع، والشخصيات الأخرى سواء كانت ثانوية أو رئيسية، وكذلك شخصية سبارتاكوس ومن معه. وأذكر هذين الفيلمين تحديداً لأنهما يتشابهان مع ثيمة أسد؛ بطل يقود ثورة أو حرباً ضد السلطة بكل تجلياتها. ويصعب مشاهدة أسد دون ملاحظة استلهام صناعه من هذه الكلاسيكيات.
الخلطة السينمائية التي قدمها آل دياب، رغم وضوحها وفي أحيان كثيرة ركاكتها، وتوقعنا لها أثناء المشاهدة، إلا أنها تنجح في غالب الأحيان، خاصة مع اعتماد كثير من الكتاب على الرحلة الكلاسيكية للبطل التي قدمها جوريف كامبل منذ أكثر من 75 عاماً في كتابه البطل ذو الألف وجه، وهي رحلة قديمة موجودة في الأساطير الإغريقية وغيرها. (للقراءة عن رحلة البطل).
هذه التركيبة الواضحة ربما لا تضمن نجاحاً نقدياً واسعاً، لكنها قد تؤمِّن النجاح الجماهيري المضمون، حيث شباك تذاكر مزدحم وقاعات شبه ممتلئة، ومراجعات تشيد بجودة الفيلم على مستوى الإنتاج السينمائي المصري.
فالقضية التي يناقشها الفيلم -رغم سطحية التناول- مهمة، وتأتي في لحظة تاريخية معاصرة يتحدث فيها العالم عن أشكال العبودية المعاصرة التي تستلهم من العبودية التقليدية أساليب القهر نفسها مع اختلاف أشكالها، لكن سُطِّحت القضية في حكاية بطل شبه أسطوري (محمد رمضان) يكاد يموت من عملية الإخصاء، ثم يستعيد عافيته ويقهر الجميع بعد ذلك ولا يموت بالطبع في النهاية.
وربما يكون هذا الفارق بين قصة أسد وقصتي سبارتاكوس وويليام والاس، فموت البطل لا يعني بالضرورة أن نفقد لذة المشاهدة، بل أحياناً يكون رحيله ضرورة كي تكتمل متعة المعنى، لكننا اعتدنا في كثير من الأفلام المصرية أن موت البطل يعني فشلاً واضحاً في شباك التذاكر، ولا يمكن أن تقتل بطلي أثناء جلوسي أمام الشاشة وفي يدي الفشار والمشروب الغازيّ.
وهذا يطرح سؤالاً حول مدى موضوعية تقييم الفيلم جماهيرياً ونقدياً، فعند النظر لمنصة IMDB المتخصصة في الأفلام، نجد أن الفيلم حصل على تقييم الجمهور، ٧.٣ من ١٠، من ١٠٠٠ شخص تقريباً، وهذا رقم هزيل بالنسبة لتقييم فيلم. فمثلاً نجد أن فيلم One battle after another للمخرج بول توماس أندرسون، والمعروض في سبتمبر ٢٠٢٥ والفائز بـ ٦ جوائز أوسكار، حصل على تقييم مقارب من فيلم أسد، ٧.٦ من ١٠، لكن من أكثر من ٤٢٠ ألف شخص على مدار عام تقريباً. إذاً فتقييم أسد خلال شهر أو شهرين غير عادل، ولا يمكن التكهن أن يظل التقييم مرتفعاً هكذا في الأسابيع القادمة.
كما أن التقييمات النقدية تشير أن أهم مواطن ضعف الفيلم هو الموضوع نفسه، رغم إشادة الكثيرين بالإبهار البصري والأسلوب الإخراجي، لكن الموضوع هو الأساس في المنتج الفني، فهناك أعمال فنية قديمة في مصر لم ترتقِ للمستوى البصري العالمي والإبهار الإخراجي، لكن موضوعها ظل جاذباً للجمهور وعاش طويلاً، رغم المشاكل التقنية مثل رداءة الصوت في عدد من الأفلام المصرية في الثمانينات.
ما يجعل الخلطة الهوليوودية ناجحة دوماً هو اكتمال العناصر الفنية بدءاً من السيناريو وصولاً للتمثيل والإخراج، وهذا ما جعل فيلم القلب الشجاع خالداً حتى اليوم، ويُضرب به المثل في جودة الحكاية المروية حول قيم الحرية والعدالة والتضحية، رغم أن حكاية ويليام والاستعرضت لانتقادات حينما عُرض الفيلم بسبب عدم الدقة التاريخية، إلا أن خلطة الأكشن والدراما والرومانسية كانت متماسكة، مع براعة التمثيل وإخراج مشاهد المعارك.
وهذه الخلطة مع أسد، جاءت ناقصة تقريباً في كل العناصر مع تفاوت النسب، فالكتابة أضعف حلقة، والتمثيل لم يكن بهذا القدر الذي نقول فيه إن رمضان تفوق على نفسه، بل العكس، فانفعالات بطل الفيلم مكررة في أعماله السابقة. وكذلك باقي الممثلين، لم يقدم أحدٌ منهم أداءً مؤثرًا يُحفَر في الذاكرة مثلاً بعد انتهاء الفيلم. أما الصورة والإخراج، فهي العنصر الأفضل، لكنها في الوقت نفسه اعتمدت على الإبهار المبالغ فيه، الذي قد يؤدي لنتيجة عكسية لا تخدم الفيلم، فالصورة الجميلة تخدم الحكاية، وليست إبهاراً للناظرين فقط.