"إذا كان الشّروع في الكتابة سراً غامضاً،
السرُّ الأكبر عندي هو الانتهاء من الكتابة، هذا الصّمت الذي يعقب الكتابة".
-
لويس أراغون
تكمن قوة الفن الرّوائي في تشييد كونٍ سرديّ ضمن لعبة سيميائية من الترميزات والطّيات الدّلالية والرشاقة الأسلوبية التي تَسِم الفعل السّردي في الامتدادات والتضاريس التي يبتكرها، ودون ذلك لا يمكن بحالٍ أن نتحدّث عن روايةٍ يمكنها أن تصطاد قراءها في خديعة الحياة المعاصرة. ويفترض بهذا الكون السّردي المشيّد أن يوقظ حساسية القارئ بدءاً من "العنوان" وانتهاءً بـ"النهاية" ــ التي تنبثق لتضع حدّاً لغواية السّرد وتعطّشه في سبيل الاستيلاء على مساحات مرتقبة إن أمكن ــ مروراً بشبكة القوى الفاعلة في صراعاتها وتعاضداتها وبرامجها السّردية. وإذا كان ذلك كذلك، فكيف لرواية مثل "جرح الغزال"[1] أن تقدّم لقارئها هذا الكون السّردي المفترض في خصوصيته البنائية والأسلوبية والحدَثِية استناداً إلى الفكرة النظرية المقدَّمة آنفاً؟
I: العنوان: الجرح المفتوح
تُمَفْصِلُ الرّوايةُ عالمها وتخومها ومشارفها عن طريقِ لافتةٍ دالةٍ، عنوانٍ يعثر على هويته في الكلمة الشّعرية، ليغدو ثُريا يستضيء بها القارئ في الدُّخول إلى ردهات الرّواية وممراتها، لكنّ هذا العنوان[2] (جرح الغزال) يمارس المراوغة في الارتباط بالنَّص، كما لو أنّه في حَلٍّ من التزامات بروتوكولية مع النّص؛ إذ يكتفي بمهمتي التسمية وإغواء القارئ بجماليات كامنة؛ ليغادر جسدَ النَّص تاركاً القارئ يتلمّس طريقه في ليل الرّواية. لكن الأمر ليس كذلك إلا للوهلة الأولى؛ فالعنوان، في حقيقتِهِ، شديد الاستحكام في ربط مفاصل النص إليه برمزية عالية وبمسالك دلالية خفية.
لاريب أنّ العلاقةَ بين العنوان الرئيس والعَلامة الأجناسية (رواية) قائمة على المداهنة هنا، إذ اختارت الروائية تسميةً ضاربةً بقوةٍ في أرض الشّعر لروايتها، من حيث إنّ التركيب الإضافي"جرح الغزال" كعلامةٍ للهوية النصية أنسب للشّعر منه للرواية، ومع ذلك، فإنّ الأفق الدلالي المتشكّل في رصيد المتلقي للتمييز بين العنوان الشعري ونظيره الروائي اختلافاً، سرعان ما يجري نسفه مع نهاية الرواية ويغدو العنوان بهذا التركيب الإضافي ذاته ملائماً بقوةٍ لنصّهِ، بل إنّ هذا العنوان الذي لم يُذْكر على نحو مباشر لفظاً، يغدو بمنزلة النواة الدلالية التي يتكثّف فيها النصٌّ بجرح مفتوح لا يندمل. لكن لنعد إلى العنوان ثانية ونستحضر الأبيگراف Epigraph [نص التصدير] الذي أثبتته الروائية في صفحة مستقلة بعد العنوان الرئيسي: [ومن سيروّضُ مهرَ الخيال؟ ومن سيُضمّدُ ــ في آخر الصيد ـــ جرحَ الغزال؟" أمل دنقل، ص5]. وكما نرى: للعنوان موطنٌ في هذا الأبيگراف الخطير الذي يحيلنا إلى شعر أمل دنقل، فهو يتحرّك باتجاهين واسماً النص ذاته تارةً، مانحاً الهوية له حيث اقتبست منه الروائية عنواناً لروايتها (جرح الغزال) ومؤسّساً مع النص برتوكولاً للقراءة تارةً أخرى حيث الأصداء الدلالية تتنادى بينهماً، وسأعود إلى ذلك بعد استيفاء مساءلة شؤون العنوان.
من الواضح أنَّ الروائية لغاياتِ التسمية تنتزع التركيب الإضافي (جُرحَ الغَزَال) من سياقه الشّعري وتزجُّ به في سياقٍ روائيٍّ، فتنقله من حالة المفعولية إلى حالة المركب الإسنادي، ليكون جملةً اسميةً (جُرحُ الغزالِ)، وهو ما يستقطب الانتباه بهذا التحول في الوظيفة النحوية بعد أن اكتسب موقع التسمية ليتصدّر مشهد الكتابة أو الكتاب، فهذا ليس إلا ديدن العنوان في صدارته حيث يتولّى إضاءة الممر إلى النّصّ، لتلد التساؤلات عند هذه العتبة: [ما جُرحُ الغزال؟ أو هذا جرحُ الغزال! أو جرحُ الغزال يكمن هنا، ثم مَنْ المعنيّ بالغزال؟]، هي تساؤلات تتراكم على عتبة مشارف النص وتخومه الأولى.
إنّ الجرحَ، "جُرح الغزال"، كما تكشف قراءة النصّ الروائي لا ينفكُّ مفتوحاً، بل يتسع ويتعدّد. إنه جرحُ "خميلة"، التي ترملت فهربت بأولادها من الجبال إلى اللاذقية. إنه جرحُ المهندسة نجاة (ابنة خميلة) الزوجة التي هجرها الزوج الثري. إنه جرح أنستازيا وكريم ولدي نجاة لأبٍ هارب ومتوارٍ. فما يجمع الجرح صفةً في سياقيه الشّعري والرّوائي يتمثّل باستمرار الشّقِّ مفتوحاً، بدوام الألم، الجرح (أو الجِراح) التي تأبى الاندمال والالتئام، سترحل "نجاة"، الغزال الجميلة، في نهاية الرواية فيبقى جرحها مشجوجاً بصمتٍ، جرحُ الغزال هو في الوقت ذاته الشجُّ الأزلي الذي يتوطّن جسد المرأة، كما لو أنّ الطبيعة لم تمنح الأنثى سوى الألم!
II: التصدير: تبئير الدلالة
ما سبق من تأويلٍ للعنوان سوف يقودنا إلى التموضع في المسافة الفاصلة بين العنوان والنص عن طريق الأبيگراف، الشّذرة الشّعرية لأمل دنقل، التي تتخذ هوية "النص المحيط" أو "التصدير" وهو نصٌّ موازٍ يُزاحُ من موقعه النصي؛ ليغدو من ممتلكات النص الجديد؛ فيكتسب دلالةً مغايرةً في بيئته الجديدة، وهذا ما يحصل، على وجه التحديد، بخصوص هذه الشذرة، التي تتهيكل أهميتها بوصفها معبراً من العنوان إلى النص. وفي هذا الموقع الاستراتيجي تشرع بتوجيه المعنى[3] لدى القارئ، والقارئ ــ النقدي، في عمليات فهم النص وتفسيره وتأويله. أشرنا إلى أنَّ الشذرة المقتبسة في هذه الحال باتت تحيا في بيئة جديدة ومن ثمّ تكتسب دلالةً جديدةً أو مغايرة، فإذا كانت تلوذ بدلالات تخصُّ سياقها الشّعري ضمن ديوان الشاعر [أقوال جديدة عن حرب البسوس] وتحديداً تندرج ضمن قصيدة "مراثي اليمامة" في مقتل كليب. غير أنها في موقعها الجديد، وبقراءتها في ضوء عالم النّصّ الرّوائي، يغدو المشاران إليهما (المهر والغزال) استعارةً لقوتين فاعلتين من قوى النص وأقصد بذلك (أنستازيا = المهر) و(نجاة = الغزال)، أنستازيا المتمردة على أعراف الأم القاسية في التربية، ونجاة (الأم) الجريحة التي هجرها زوجها (حسان). هكذا بغياب الأب والحبيب وتواريهما تظلّ أصداء الاستفهام تتردّد في أنحاء الكون السّردي.
III: علامات، قوى فاعلة
وما يهمنا هنا أن نقف عند الفصل الأول حيث تشرع الرواية بالانطلاق في بدايةٍ سرديةٍ على لسان "كريم":
إلى ذلك تشغل الكونَ السّرديَّ المفترض قُوى حاضرة وفاعلة في صناعةِ السّرد حيث تشغل موقع الراوي عن طريق التناوب على مساحات السّرد الرّوائي بأداء الفعل السّردي (خميلة، نجاة، كريم، أنستازيا) وأخرى غائبة، ولكنها تصنع الفعل السّردي بغيابها الفاعل(حسّان)، أي أنها حاضرةٌ بالقوة في جغرافيا الخطاب الراوي عن طريق المواجهة العاتية في صمتها بين الزوجين (نجاة ــ حسان) وأَثَرُ ذلك على مجمل البرامج السّردية التي تحدّد مصائر القوى الأولى.
إنّ الكون السّردي في رواية (جُرح الغزال) تتعيّن مفاصله المكانية والزمانية بمدينة "اللاذقية" بوصفها البؤرة المركزية بتفاصيلها المكانية الصغيرة (شارع الجمهورية، مؤسسة التبغ (الريجي)، جبال السّاحل وضِيَعه) وإشارات خاطفة إلى أمكنةٍ قريبةٍ أو بعيدةٍ (دمشق، بلغاريا، رومانيا وهنغاريا). لكنَّ (اللاذقية) تَظلُّ الفضاءَ المحوريّ الذي يتشكّلُ دلالياً بالأحداث الرّوائية، فيمنحها ذلك كينونةً روائية تتميز ثراءً بالتفاصيل المكانية على مستوى الكون السّردي برمته. هذه الأحياز المكانية تأخذ سمتها الزّماني من الحقبة بين حدي حرب 1973 واندلاع الجحيم السُّوري 2011، لكنّ الرّواية لا تنجرُّ إلى إشغال ذاتها بتفاصيل الحدثين وجزئياتهما وإنما تقتصر على الأثر الخطير المترتّب عنهما، وبصورةٍ مقتضبةٍ، ولاسيما الحدث الثاني (وهذا ما يسجّل لحساب الرّواية فنياً).
وفي ممارسة الفعل السّردي تمثّلُ القوى الفاعلة (خميلة، نجاة، أنستازيا، كريم) الرواة أنفسهم، فالراوي، هنا، مشارك في الحكاية، يروي من داخل الحكاية، بأسلوب غير مباشر عن طريق دمج الحوار في فعل السّرد، وهذا ما منح الإيقاع الروائي سرعةً في الامتداد وتتالي الأحداث؛ ليتفاجأ القارئ ذاته وهو على أعتاب النهاية، التي تطرح بدورها أكثر من تساؤل في هذا السّياق، فمن الراوي الذي أنهى الفعل السّردي بتلك "الخاتمة القصيرة" وكبح شهوة السرد في الامتداد؟ فهل هي أنستازيا مَن أوصلت الحدث الرّوائيَّ إلى نهاياته أم ثمة راوٍ متخفٍ قفز إلى المشهد في نهاية الرواية لينبّه القارئ إلى دوره في إدارة الأفعال السّردية للقوى الفاعلة؟ في الأحوال كافةً تثير النّهاية في (جرح الغزال) أسئلتها البنائية والجمالية على القارئ وهذا ما يمكن الاستجابة له في المحور الخاصّ بـ "النهاية" النصية.
شمس. قمر.. نجوم
تُخضع الكاتبة نصّها الروائيَّ في أبوابه الثلاثة لمجموعةٍ من العلامات التي تتخذ من العناوين الداخلية ملاذاً لها. على هذا النحو يواجه القارئ ما يشبه الشيفرة [شمس. قمر.. نجوم]، فهذه العلامات الثلاث تتحرّك، بوصفها عنواناً للباب الأول، في إطار الخطاب الاستعاري بتأجيل (المشبّه به) حضوراً، حيث يتمثّل لاحقاً بأربع شخصياتٍ [كريم، أنستازيا، نجاة، خميلة]. على هذا النّحو يجري الترميز بشمس لأنستازيا وبقمر لكريم أما النجوم فتومئ إلى شخصيتي خميلة ونجاة، فكلُّ شخصيةٍ من هذه الشخصيات تحاول أن تقدّم رؤيتها للعالم عبر الأدوار السّردية التي تُوكل إليها.
لنبدأ بالرّمز [شمس] تمثيلاً لشخصية أنستازيا التي تضفي الديناميكية على أحداث السّرد الروائي، ولكن من الصعوبة بمكان الإحاطة بأبعاد هذه الشّخصية المركّبة برمتها. إنّ المضاهاة، هنا، تخدم شخصية أنستازيا المتمردة، الباحثة عن هوية متغايرة لكينونتها، هوية متفردة ومختلفة، يصفها كريم بالقول: [عاشت أنستازيا كمن يشهر سيفاً في وجه الريح. ص12]، وهو توصيفٌ يأتي مطابقاً ومنسجماً مع ما تصف به ذاتها: [كنتُ لوحدي جيشاً أمام الجميع (...) كبرتُ وفي داخلي سخطٌ على الجميع. ص57]. ويتضح هذا الاختلاف الذي تصبو إليه في مقارنة ذاتها مع شخصية شقيقها كريم [هو بصمته واستكانته وأنا بألاعيبي وتمردي. ص77]. وفي واقع الحال تكتسب أولى أبعاد هويتها المتميزة من الاسم الذي اختاره لها والدها الدكتور حسان [أسماني أبي أنستازيا. أعجبتهُ مطربة رومانية شاهدها في إحدى ليالي شهر العسل، إذ أمضى مع أمي أجمل أوقاتهما في أوروبا. ولفرط تأثره بقصة الطفلة أنستازيا؛ آخر بنات القيصر الروسي المقتول مع عائلته. ص40، 41]، فهذه الهوية المتفردة ستتعزّز بالتفوق في المرحلتين الإعدادية والثانوية مما يؤهّلها للدخول في كلية الطب تحت إرادة الأم وإكراهاتها [أمي تريدني طبيبة، ولا سبيل لغير ذلك. هو قدرٌ رسمته لي، مثلما كانت تختار ملابسي ونوع أحذيتي وألوان العقد لجدائل شعري. ص77]. فلا يمكن أن يكون ثمة أي شكلّ للاختلاف يطبع الشخصية سوى مخالفة إرادة الآخر في سبيل تحقيق رغبة الذات ذاتها في الحياة، فنجاة كانت تبحث عن طبيبة المستقبل في أنستازيا، لتواجه بها الدنيا، لكن الأخيرة وجدت في الفن كينونتها مبكّراً [أبهرني عالم الألوان (...) عندما انتهيتُ أمام اللوحة لاهثة. كانت أول مرة شعرتُ فيها أنني سأصير رسامة. ص 45، 46]، ولذلك تصمّم أنستازيا على سحب أوراقها من كلية الطّب في مسعى يستند إلى الاحتيال للانتساب إلى كلية الفنون الجميلة، وهو ما سنتطرّق إلى هذا التحوّل في المحاور القادمة، فما يهمُّنا هو بُعد التمرّد والبحث عن الذات في شخصية "شمس" المندلعة في روح أنستازيا.
أما الرمز الاستعاري [قمر =كريم]، فيمكن القبض على أطياف "الهوية السردية" له أو كيف تتبدّى هذه الهوية وتتشكل في سرديته ورؤيته وبرنامجه السّردي في "الباب الأول"؟ فمثلما القمر يدور في فلك الأرض هوذا "كريم"، الطفل الملازم لأمه (نجاة)، المطيع لتعليماتها، الولد الذي يهوي الصّمت، يمرّ يجملةِ مواقف تصوغ رؤيته للعالم. وربما يأتي الامتحان الأهم بعد إيقافه في السّجن إثر خديعة للتوقيع على وثيقة في المؤسّسة التي يعمل بها، هذا الامتحان الذي حصل في غضون المحرقة التي اندلعت في سوريا هي التي صاغت شكلاً واضحاً لهوية كريم:
[استغرقتُ في صمت، واستهلكتُ سنواتٍ من العزلة، لأخلع عني الدور الذي ألبستني إياه أمي، هذا ما اعتمل في خاطري حين كانت تميل برأسها على كتفي بينما كان التاكسي يجتاز المروج المحيطة بمدخل اللاذقية. أردتُ أن أرتدي قميصاً جديداً، وأدركتُ أن النسخة القديمة من كريم؛ النسخة اللطيفة التي سوف تُنسى، غادرتني. حدستُ بأنها تنتظر مني نجاحاً رناناً. وأرادت، وإن في صمتها، أن أنهض وأحارب مجدداً. لكنها اصطدمت بحقيقة أن المعاندة محض وهم. وأنّ كل ما حدث لنا سببه الوهم، وهو ما أخافني من الحياة. في السجن وجدت كم كانت مخيفة، لأنني هناك انتهيت إلى غصن متعفّنٍ. غصنٍ أصيب بالغرغرينا، ولو أبقيتُ عليه لأصاب الشجرة كاملها بالتعفّن. أردت أن أغادر، أن أُغرَس في تربة أخرى، وأنتمي لغابةٍ جديدة. أردتُ خوض الحياة التي منعتها عنّا نجاة، ولزاماً عليّ قطعتُ ذاك الغصن، لولا ذلك لكانت حياتي الآن متعفّنة. كان التاكسي يتمهل أمام بيتنا خلف شارع الجمهورية، حين توصلتُ لقراري الخفي، والذي تزامن مع لحظة وصولي إلى البيت. تبخّر كريم القديم، ونبتت في داخله أغصان جديدة، ص 84].
وبمجرد القراءة يدرك القارئ الاختلاف الذي يبعد النسخة الجديدة من كريم عن نظيرتها القديمة؛ إذ تقوم الأخيرة على جملة من المحدّدات [الصّمت، العزلة، النسخة القديمة أو اللطيفة من كريم، الوهم، غصن متعفن مصاب بالغرغرينا] فالنسخة الجديدة من كريم بمكوناتها [خلع الدور الذي صنعته له نجاة، ارتداء قميص جديد، مغادرة النسخة القديمة من كريم، الانغراس في تربةٍ أخرى، الانتماء إلى غابة جديدة، خوض حياة جديدة، قطع الغصن، تبخّر كريم القديم وانبثاق أغصان جديدة]، فهذه النسخة مهيّأةٌ الآن على صعيد الإرادة والمعرفة والإدراك على إنهاء برنامجها السّردي القديم (وفق ما أرادت الأم، أي المكوث في اللاذقية بقربها)، ومن ثمَّ البحث عن مسار مغاير للبدء بحياةٍ جديدةٍ تواجه القارئ في سردية كريم (الفصل الأول) بتفاصيلها، أي القدرة على تقييم علاقته السابقة بأمه وشقيقته، لقاء الأب في هنغاريا ثم اختيار هولندا مكاناً للإقامة الدائمة والعمل في مكتبة عامة والقطيعة مع البلد السابق: [لا أعتقد أني سأعود. أبني حياتي هنا ولا أظن أنني سأغادر. ص17]. ومن جهة أخرى ثمة رمزان آخران، نجمتان على صلةٍ قويةٍ بالشمس والقمر، نجاة الأم وخميلة الجدة. نجاة، القوة الفاعلة الأكثر فاعليةً في المشهد الروائي تمرُّ هويتها السردية بسلسلة من الأحداث على مسار الشّريط اللغوي للرواية. وفي الباب الأول تأخذ هذه الهوية أبعادها التأسيسية: الاسم، الانتقال بعد مقتل الأب إلى اللاذقية، الانتساب إلى كلية الهندسة، التعرفّ على الدكتور حسان ابن العائلة الثرية ثم الزواج منه وإنجابها لأنستازيا وكريم، ومن ثم تتجلّى في النهاية امرأةَ متروكةً أو مهجورة تدير حرباً صامتةً مع الزوج الذي هجرها إلى بلد أوروبي بعد أن وقع في مآزق تهريب لا فكاك منها.
في سياق تبلور الهوية السّردية يقع "الحبُّ" بين نجاة وحسان، "الحدث ــ البؤرة" في "جرح الغزال"، فهذا الحبُّ كان شرطاً مسبقاً للزواج [لكن ذلك لم يغرني لدرجة أتخلى فيها عن حقي؛ في أن أحيا الحبّ قبل الزواج. وكان لحسان ما كان. كان الحب له وحدهُ. بساطته كرست القرب بيننا. ولم أشعر وإياه للحظة واحدة أننا من عالمين مختلفين. ص 48]. ولشدّة هذا الحبّ وعمقه وامتداده فقد قبلت نجاة أن تكون ظلّاً له، ففي ذلك كانت سعادتها العظمى كما باحت مرةً. لكن الحبَّ الذي تُوّج بالزّواج "في صيف عام 1992" تضمّن إرهاصات الفشل منذ ليلة الزفاف وفق رؤية خميلة، فحينما حاولت العروس (نجاة) أن تقطف عنقود عنب من الّدالية في ليلة الزفاف، ضمّها حسان إليه ثم رفعها لتفعل ذلك: [كان العنب قريباً. أوشكتُ على قطفهُ لولا صرخة ترنّحتُ على إثرها. وقفتْ أمي على عتبة السطوح تمسك صينية فناجين القهوة. بينما انسكب البن الحار من يدها وكُسرَ فنجان. هوى العنقود من يديَّ وتناثر على أرض السطوح. كانت أمي تقف مشدوهة تبسمل. أنزلني حسان وهو حائر. "فأل نحس.. إنه النحس بعينهِ. أن تلمسا العنب في ليلة الزفاف". هكذا صرخت وصدرها يعلو ويهبط. ص 51]. بيد أنّ الفأل النّحس سرعان يغدو المنطق الذي يتحكم بالعلاقة الزوجية بينهما في مسار الأحداث: غياب عن البيت، علاقات تجارية مشبوهة، وأخرى جانبية مع نساء أخريات وصدامات دامية بين الطرفين. فقد حدث كلُّ ذلك بعد زيارات مفعمة بالحبّ إلى أوروبا رفقة الطفلة أنستازيا، ثم جاء الغياب الكلي: [لم يكن يفصلنا عن موعد ولادة كريم سوى شهرين حين غادرَنا ولم يعد. غاب حسان ولا علم لأحد بوجهته. غادر من غير أن يرى ابنه. قالت أمه سيستدعيني إلى رومانيا. هكذا تبخر واختفى. ومن تلك اللحظة انقلبت حياتنا وبدأت أيام جحيمنا الأزلي. ص56]، لتغدو نجاة امرأة مهجورة مع ولدين تحت مقصلة الغياب والألسنة ونظرات الرجال في الحي، امرأة مهجورة لا تفكّر بشيء سوى الانتقام كقدرٍ حتمي من الرُّجل الذي أحبته وظلّت تحبّه على الرغم من كلّ شيء.
النجمة الأولى، خميلة، البدء الأول، الحضور الأنثوي الذي أوجد أسباب هذه السّردية من عدمها، الأرملة التي فرّت بأولادها الستة مع رضيعتها (نجاة) التي لم تكن قد سُمّيت بعد، إثر مقتل زوجها أبو سهيل في جبال السّاحل، إلى اللاذقية، إنها خميلة أم نجاة [كنتُ خميلة الأم الهاربة. ص29]، التي تحدّد انتماءها المكاني بالقول: [كنتُ خميلة القادمة من أعلى قمة في جبال السّاحل ولا خيار آخر أمامي. ص 29]. في المدينة ستعمل في الريجي (مؤسسة التبغ)، لتنجح في إنقاذ أسرتها الكبيرة وتصل بهم إلى شاطئ الأمان [تزوجوا جميعاً، عاشت البنات أحوالاً لا بأس بها، والصبيان كلّ في شؤونه. ص 65]، لكنها لم تستطع تغيير هويتها بوجودها في المدينة التي لم تنسها المكان الأول [كان قلبي محطّماً. مضت أكثر من عشرين سنة، وكأنني وصلتُ البارحة إلى المدينة. ثمة ما يحول بيني وبين الاستسلام للمكان. انخرط الأولاد في الحياة، دفعتهم إلى عجلتها ومضوا معها، لكنني لا زلتُ عالقة في مكان لا أنتمي إليه، أضحك في سري على نفسي. وأمثّل أمامهم أننا وجدنا الحياة في اللاذقية. لكني لم أنتمِِ إليها. حجرٌ ثقيل أطبق على أنفاسي هنا وما عدت قادرة على نزعه. ص 56]، وتحت ضغوط نداء المكان الأول [تلك القرية.. منها أتيت وإليها سأعود. ص85]، ستزور تلك القرية بعد التقاعد من العمل؛ لأنها شعرت بدنوّ الأجل؛ ولكي تبحث عن قبر زوجها. لكنّ "المكان الأول" الذي طردهم قد تغير كثيراً ولم يعد على صلة بها، أودعت روحها هناك لتسرع بالعودة إلى المدينة، فتجد الأولاد والبنات والأحفاد في انتظارها وبعد النظر إليهم، تدخل غرفتها، لتضع رأسها على الوسادة وتنام إلى الأبد!
الأمكنة الدّافئة
بعد هذه الأحداث تبرز الشيفرة الثانية [الأمكنة الدّافئة]، بوصفها حدّاً/ عنواناً للباب الثاني، فهذه الشيفرة تستدعي نظيرتها المضادة لها [الأمكنة الباردة]، ثنائية مكانية تهيمن على خطاب أنستازيا في غضون سردها على مدار الباب الثاني وإن كان شقيقها "كريم" يشاركها السّرد تناوباً غير أنّها تستفرد بالحدث الرّوائي بامتياز. وفي هذا السياق يمكن القول إن "الأمكنة الدافئة" تبرز في مواجهة أمكنة باردة تنفر منها أنستازيا مثل "كلية الطب" التي انتسبت إليها، وكذلك "بيت الأسرة" الذي جمعها مع أمها وأخيها. تشكّل "الأمكنة الدافئة" نسقاً من الأحياز تجد فيها أنستازيا كينونتها وحريتها من مثل [كلية الفنون الجميلة، بيت مهدي سابقاً حيث الكتب، ثم لاحقاً بيت سمير وقصة الحبّ التي جمعتها به]. في هذا السياق ثمة إشارات مسبقة لرغبة أنستازيا في دراسة الفن، لذلك تتخلى عن "كلية الطب" وتنتسب إلى "كلية الفنون الجميلة" احتيالاً، لتعثر على عالمها الدافئ: [في كلية الفنون الجميلة عشتُ عالماً آخر. ولدتُ من جديد. هناك تعلمتُ الضحك كما أشاء. التقيتُ بصديقاتٍ وأصدقاء أغرموا بالفن، وعاشروا الأدب. كانت أحاديثنا عن العالم تنتقل مثل عدوى بين طاولات المقهى الجامعي(...) كنتُ سعيدة، فعالمُ الصخب الجامعي جعلني بعيدة كل البعد عن عالم أبي الغائب. هناك نسيتُ أني ابنة لامرأةٍ مهجورة... ص 91، 92]. هنا في هذا المكان تشرع "الذات" لدى أنستازيا بالخروج من عالمي نجاة وحسان، من ذلك البيت الصغير، من قيود أمها (نجاة) التي كانت ترى فيها طبيبة المستقبل لتتباهى بها، هذه الذات المتعطّشة إلى الفن والأدب والأصدقاء، الذات التي تحاول أن تنخرط في العالم وتبني البرنامج السَّردي الخاص بها. بيد أن الأم تكتشف حيلة ابنتها، فتعيدها رغماً عنها إلى كلية الطب عن طريق وسيط. ومع ذلك؛ فالجهد الذي بذلته في الطّب لم يدفعها للتخلي، في البحث، عن المكان الدافئ الذي وجدته، أخيراً، في بيت مهدي(المقعد) الملاصق لبيت أسرتها وأشعاره التي تركها بعد وفاته وحيداً بعد أن سافرت حبيبته(نجيبة) إلى خارج البلاد ثم زوجته إلى الريف إثر اندلاع المحرقة السورية 2011. وفي الدخول إلى بيت مهدي ستكتشف أنستازيا عالم مهدي الدافئ: [واقتنصتُ الفرصة للتجول في عالم رجل ميت. لم أكن أعلم أنّ بجوار عالمي الداكن عالماً آخر يضج بالحياة. تجولت بين غرف المنزل، وبعد تجاوز بابه الخشبي المدهون باللون الأبيض العاجي، دخلتُ صالة اصطفت فيها سبعة كراسٍ من خشب الزان وتعلوها رفوفٌ مملوءة بكتب كثيرة. لا أعلم لما رغبتُ في دخول الغرفة التي كانت تضم مهدي ونجيبة على سرير واحد. أردتُ أن أستعيد المشهد ربما، أو لأن مهدي في خاطري كان مشلولاً وعاجزاً، وعلى السرير وقتذاك لمحتهُ ضاجاً بالحياة. عندما فتحت باب الغرفة، وجدتُ السرير، في الوسط، ولقاءه، تطلّ واجهة بلورية عريضة، منفذي القديم إليهما. على اليمين خزائن مغبرّة، وإلى الجانب الآخر طاولة. أوراق. أقلام. أوراق مبعثرة ومكورة تنتظر القمامة. كانت تلك على الأرجح طاولته، إذ لم يكن لزوجته أي اهتمام بالورق والأقلام. جلستُ على كرسيهِ. كتاباتٌ كثيرة، خربشات. مذكرة بلون بني غامق مركونة إلى طرف الطاولة، بدت غريبةً عما يدور حولها من فوضى. فتحتها بفضول غمرني لكشف أسراره. ورحتُ أقرأ. ص 120].
ستصف أنستازيا عالم مهدي بالعالم السّاحر، العالم المتأسّس بالكتب والشّعر، عالم فاتن فتحَ عينيها على ما نسيته في خضمّ الصّراع الصامت بين أبيها الهارب وأمها التي تصارع شبحه في غيابه، لذا تأتي أشعار مهدي وأقواله، لتعيدها إلى هذا المنسيّ الذي لابدّ منه لأنثى مثلها: [نحن لا نفهم الحب إلا حين نعيشه (...) من الجميل أن تقع امرأة في حب رجل ما؟ لا أعلم (...) ترى هل كانت نجاة ستقبل أن أحبّ يوماً؟ لم يكن هذا شاغلي في تلك اللحظات. كنتُ غارقة في عالم مهدي؛ أقرأ بنهمٍ وأحاول أن أعثر على اسمٍ أو هوية للمرأة التي أحبّ. تُراها نجيبة أم أن في عالمه أخرياتٍ بعيدات غريبات؟ أنّى كانت. ليس ذلك ذا أهمية، فالتنقّل فوق سطوره وحده كان أمراً مشبعاً لتلك الرغبة العميقة في تجريب ما لم أجرّب. ص 121، 122]. سيتلاشى العالم الدافئ لمهدي بعد أن عرضت زوجته البيت للبيع، فيأتي مُشترٍ، المترجم سمير، الذي فقد زوجته وابنته في حمص. هكذا ستتحقق الاستباقية السردية التي أشارت إليها أنستازيا لتجريب مالم تجرّبه، فالحياة أصرّت، مع كل القيود، على التسلّل إليها؛ لتقعَ في حبِّ سمير الجار الجديد الذي رسم لها عالماً أثيراً باقترابها منه. تتعدّد زياراتها إليه ويترسّخ الحبُّ، ليغدو بيته مأوى للحب ومكاناً للقاءات غرامية بصورةٍ سرية بعيدة عن عيني نجاة. ففي أحد الأيام العاصفة تتصل به من المشفى الذي تتخصّص فيه؛ لكي يوصلها للبيت، فتدخل معه إلى بيته، المكان الدافئ الذي كانت تصبو إليه:
[...هبطت من سيارته ورغبت بدخول منزله. لم أرغب بالعودة إلى بيتنا. هكذا ببساطة. اجتمعت كل الأسباب التي دفعتني إلى ترك بيتي ودخول بيته. الأجواء العاصفة، والشوارع الفارغة، ومشهد أول رجلٍ ينتظرني ويقلّني. دخلنا معاً. علّق معطفه، وساعدني على خلع معطفي ولفحتي الصوفية. كنتُ أرتجف برداً. الكهرباء مقطوعة ولم أر مدفئة في الجوار. وما لبث أن حملني على ذارعيه وأدخلني غرفته. ذلك الحنان المخلوط بأبوّة مفقودة، وهاتان الذراعان الرجوليتان القويتان اللتان حملتاني، منحتاني إحساساً بالخشونة مختلفاً عن نعومة يديّ المرأة التي نشأتُ عليها. وفي أثناء عبورنا الصالة نحو غرفته، غمرتني هناءة لذيذة لتلك الثقة التي شعرتها مع سمير بأني محمية بذراعين لن تسقطاني أرضاً. كان سحرهُ أشبه بسحر لاعبي الخفة، وحنانه المفرط حرك في داخلي عالماً من الدمى والأقواس الملونة. ص128].
لكنّ المحرقة السورية التي شرعت تُلقي بظلالها على هذا الحب وتوقيف "كريم"، والاحتشاء الذي أصيب به سمير ستدفع بهذا الحبّ إلى مضائق ضيقة ليرتسم في داخل أنستازيا مجرد ذكرى جميلة!
رسائل الأمل الخاطئة
تواجهنا "رسائل الأمل الخاطئة" كعلامةِ تسميةٍ للباب الثالث والأخير فما رسائل الأمل ولماذا أخطأت الطريق؟ يتأطّر الباب الثالث بعدة فصول تتضمّن أحداثاً سردية مهمة تقود القارئ إلى نهاية الرواية. وتشرع هذه الأحداث بالوقوع بدءاً بإيقاف "كريم" إثر خديعة لُفّقت له في المؤسسة التي يعمل فيها، وذلك باستغلال صغر سنه وقلة خبرته بالعمل للتوقيع، ليهرب الجناة بأموالهم ويُحجز على كريم رفقة زملائه، لتعاني الأسرة الصغير (نجاة وأنستازيا) من غياب قاسٍ للابن. وفي أثناء مكوثه في السّجن تتلقى الأم رسالة أمل بإطلاق سراح "كريم" من ابنة خالتها "نهلة" حيث [زوجها رجل قانون.. أخبرتني أنها ستساعدني. لكن الأمر يكلف مبلغاً طائلاً. ص 146]. لكن سرعان ما حلّت الخيبة محلّ الأمل، إذ هرب المحامي بالمبلغ الطائل، إلى أن صدر عفو عام؛ فأُطلق سراح الابن الذي تغير كثيراً وما لبث أن فرّ إلى هولندا. غير أنّ رسائل الأمل الخاطئة بصورها الواضحة تأتي عقب تدهور صحة "نجاة" وإفصاحها عن اللقاء الأخير الذي جرى بينها وزوجها في رومانيا حيث سافرت إليه بطلبٍ منه، بعد أن اعتقدت أنَّ الزوج قد عاد إلى رشده وأنهما سيعودان إلى سوريا للعيش بسلام. لكنها تكتشف أنه واقعٌ في ورطة لا فكاك منها سوى اللجوء إلى التخفي والهرب، فتفقد الأمل وتعود أدراجها إلى سوريا، تاركةً الأب نهباً للبؤس الذي سحق وجهه وعينيه. ومن جهةٍ أخرى تتكثّف رسائل الأمل الخاطئة في نهايات الفصل الأخير من الرّواية، رسائل "سمير" من هولندا لأنستازيا في محاولة حثيثة لحضّها على السفر إلى هولندا: [على هاتفي رسائل طويلة من سمير، كان رجلاً محباً. لكن الحب في تلك االمرحلة كان أمراً أصغر من القصة. بدا ما في داخلي كبيراً. عشت حياة لم تكن سهلة، والحب هشٌّ وخفيفٌ، وما كنتُ أهجس به في ذلك الوقت كان يخصني وحدي بعيداً عن الجميع..، ص 176]، وعلى هذا المنوال جاء موقفها اللامبالي من رسائل أبيها الكثيرة [أبي يرسل، حاسوبي ينذر بعشرات الرسائل وطلبات الاتصال. لا أردُّ عليه. ليس لأعاقبه، ففي الحقيقة لم يكن لدي أدنى شعور تجاهه. ص179]، لم يكفّ سمير وحسان، في الواقع، عن إرسال رسائل أمل إلى أنستازيا لكن الأخيرة لم تجب واختارت طريقاً آخر للحياة في المحرقة، طريق الألوان، طريق الفن. اختارت أنستازيا الفن لكي تنجو بنفسها من العالم.
IV: ألعاب "النهاية" في جرح الغزال
هل من "نهاية" أو إغلاق سردي، هل ثمة "حدٌّ كابحٌ" لامتداد الحكاية، في "جرح الغزال"؟يقول أراغون: (إذا كان الشروع في الكتابة سراً غامضاً، فالسرُّ الأكبر عندي هو الانتهاء من الكتابة، هذا الصّمت الذي يعقب الكتابة)[4]، لذلك لابدّ من الإشارة إلى (أنّ الخاتمة والبداية تمثّلان بداهةً لحظتين إستراتيجيتين من لحظات السّرد)[5]، بمعنى لا وجود للصدفة في الكتابة على حدّ قول أرسطو: (على هذا النحو ينبغي على الحكايات المنظمة تنظيماً جيداً ألا تبدأ بصدفة وألا تنتهي بصدفة)[6]. وإذا كان هذا شأن "النهاية وكذلك "البداية"، فإنّ رواية "جرح الغزال" تؤكّد هذا الأمر فعلياً، فكلتا اللحظتين تقعان في القصدية الممعنة لفعل الكتابة الروائية، من حيث إن "البداية" ذاتها تنتمي إلى نوع من "المتخيّل السردي الواعي بذاته" وكذلك "النهاية". وهنا سوف نخصّص المجال لألعاب "النهاية" وكيفية تجلّيها في النص، فهذه النهاية تتوطّن في الفصل الأول من الباب الأول حيث يقدم "كريم" الذي يسرد الحكاية من مآلاتها الأخيرة وهو في مغتربه بهولندا: [تلك كانت الشؤون التي شكلت حكايتنا، وجعلها على هذه الحال لأكثر من عشرين عاماً. لتأتي النهاية من البداية، وأرويها من مقعدي ههنا في مدينة أمستردام. ص 11]، وتقوم هذه "النهاية" على لقاءٍ بالصدفة بين كريم وسمير (عشيق أنستازيا) في مكتبةٍ عامةٍ بأمستردام حيث يعمل. وفي هذا اللقاء يتحدّث كريم عن اللقاء اليتيم مع والده وعن رحيل والدته [بعد رحيل نجاة، لم تغادر أنستازيا. فضّلت البقاء هناك. ص 16]، ثم قراره بعدم العودة إلى سوريا ـ المحرقة بشكل نهائي، لينته الفصل الأول بالخاتمة التالية: [لا أعتقد أني سأعود. أبني حياتي هنا ولا أظن أني سأغادر. هكذا أجبت سمير حين ابتسم لي موارباً، وربما مؤيداً. شكرني على الشاي، ونهض مودعاً، ثم تناول عكازه وخرج من المكتبة يجر قدمه، ولم أره بعد ذلك. ص 17]. بيد أنها ليست "النهاية" المنتظرة، فالنهاية الحاسمة ترتبط بالصّمت أو الحدّ الذي يعقب جملة الخطاب الروائي برمته. ولكن قبل أنْ نرصد النهاية الفعلية للرواية تُورد الروائية على لسان أنستازيا فكرةً مهمةً عن مفهومي النهاية والخاتمة: [في إحدى الليالي المنهكة، وبعد سفر أخي بأسبوعين. وصلت أمي إلى حافة الهاوية. علمت برحيله، وكان ذلك كفيلاً بوضع حد للحكاية. وهل كانت تلك النهاية حقاً؟ ليست كل النهايات تحمل معنى الختام. بعضها قد يعني أنَّ الراوي أُنهِكَ وبات يبحث عن الراحة. وأن للحكاية ثقلٌ تنوء تحت وطأته اللغة والقدرةُ على المكاشفة، وحكايتي مع نجاة كانت ثقيلة بمكان إلى الحد الذي دفعني إلى رصد نهايتها وطي الحكاية ودفنها بعيداً، ص167]. كما أشرت سابقاً؛ فالروائية تحاول الاستفادة من مفهوم "الميتاسرد" metafiction في محاولة للتجريب، فالحكاية في نهايتها مرهونة بالوضع الصّحي للأم، أي أنّ نهاية الحكاية تكمن في رحيل الأم عن مشهد الحياة وهذا ما تُلمّح إليه أنستازيا. لكن الروائية وعن طريق الساردة أنستازيا تضع مفهوم "نهاية الحكاية" موضع الشك والتساؤل كما يلاحظ القارئ، فالروائية تميز بين مفهومين اثنين لإغلاق الحكاية "النهاية والخاتمة"، فربما الراوي تحت ضغوط التعب والثقل يسرع لوضع حدّ للحكاية على غرار ما تفعله أنستازيا عندما تعلن نهاية الحكاية بموت نجاة، لتنفتح هذه النهاية بعد ذلك على بضع صفحات أُخر تحاول فيه أنستازيا الكشف عن تضاريس جديدة عقب موت نجاة، القوة الفاعلة في الرواية ومن هنا: (نلاحظ في بعض الأحيان وجود خاتمة ذات طورين: فمن ناحية يحدث إغلاق سرديّ أول يقوم علامةً على اكتمال الحكاية بالمعنى التام للكلمة، كموت البطل أو زواجه على سبيل المثال. بيد أنّ فصلاً ختامياً أو بعض صفحات إضافية يمكن أن ترد لإقفال الكتاب)[7]، وبناءً على ذلك فاكتمال الحكاية يحدث مع موت نجاة بعد سلسة من الانهيارات النفسية والجسدية، وبعد أن باحت لابنتها أنستازيا باللحظات الأخيرة عن لقائها الأخير بزوجها حسان في جنوب رومانيا، لتعود إلى سوريا، ثم تدخل إثر ذلك الحديث الأخير في غيبوبة حيث وصل الارتعاش إلى القلب، وبذلك تعلن الراوية اكتمال الحكاية على النحو الآتي: [عشتُ مثلها (أي أمها نجاة). سمكة ضئيلة في وجه تيار الحكاية؛ حكاية حسان ونجاة، التي جرفت بقوتها كل من اشترك في أحداثها. أبي إلى منفاه، وأخي إلى غربته، وأمي إلى خيبتها، وجمعت لي كل ما سبق ومنحتني النكران.
توفيت نجاة بعد أسبوع من وقوعها فريسة الغياب. توقفَ قلبها عن الخفقان بعد أن صارع الحياة. وبعد أن ارتفع نبضها ثم سكن بشدة عازف الدرمز. وبعد أن علا صدرها وخفق. سكت كل ذلك الضجيج وهمد جسدها. "ماتت أمنا يا كريم". هكذا كتبت في رسالة الواتساب، أردتُ بتلك العبارة أن أشاركه البكاء وحده. بعيداً عن عناق الأقارب ومواساة المعارف. موتها قصتنا وحدنا. أنا وأخي. وحدث لا يفهم معناه غيرنا. لأننا كنا معها نشكل عالماً ثلاثي الأبعاد، ورحيل ركنٍ منهُ يعنينا وحدنا. أنا وأخي. ص174]. وبهذا الشّكل تنتهي حكاية ثلاثٍ من القوى الفاعلة حسان(منفى)، نجاة (موت) وكريم (غربة). أما أنستازيا فأمامها بعض الخيوط الإضافية لكي توضّح للقارىء ما أعقب هذه النهاية على سبيل اكتمال الرواية وإقفالها بصمتٍ نهائي؛ فهي فتسرد لقارئ افتراضي أخباراً عن دفن نجاة في مقبرة قريبة من المدينة مع تجاهل تام لرسائل والدها، ورسائل سمير: [في الحقيقة لم أجبه، كنتُ أتنصّل بعد وفاة نجاة من كلّ ما سبق، أنسلّ شيئاً فشيئاً من حياتي السابقة، (...) كانت القصة على مشارف النهاية وأردتُ أن تنتهي بشكلها الطبيعي، أن تأخذها مسارها الخاص بها وتصنع نهايتها بعيداً عن إرادتي، وبمعزل عن سلطتي في كتابتها. ص 175]. هكذا تركت أنستازيا الحكاية تقرّر مسارها، فتُحدثُ تغييراتٍ في البيت وتعثر على لافتةٍ أعدّتها أمها [منزل الدكتورة أنستازيا نجاة الجبل. ص176]، ثم تعود أنستازيا إلى الرّسم، هوايتها السّابقة في إصرار لتعيش حياتها بعيداً عن ذيول الحكاية القديمة، لكن عندما تحاول الرسم في الشّرفة، فإنّ طيف "نجاة" يبقى هائماً مثل عصفور الدوري في الشّوارع: ["أرى نجاة كل يوم، أراها قادمة من جهة الملعب البلدي، مثقلةً بأكياس الخضر والفاكهة، تتوغل في الشوارع وتختفي بين الأزقة.."ص177]. هذه هي القفلة الأخيرة التي تُباغت القارئ وهي التي يتحدّث عن ضرورتها منظرو الخاتمة في الرواية[8]. فهنا في هذه النقطة الأخيرة التي تتلاشى فيها المسارات المتنوعة للحكاية، يتوقف النصُّ ويرسم الحدّ الأخير لجغرافيته[9]، لكن هذه المباغتة، في الوقت ذاته، هي التي يرنُّ سكونها في ذاكرة القارئ طويلاً، فلست النهاية إلا بداية جديدة تلوح في صمتٍ. إنه صخب الأثر، الذي أتقنت الرّوائية تشكيله بهذه المهارة في جَعْلِ الرّواية تُختتم، ولكن لا تنتهي، تصرُّ على الحضور على غرار "نجاة" التي ما تنفكُّ تختفي بين الأزقة حتى تتراءى لأنستازيا كلّ يوم، فالأمر يخصُّ الحضور العميق والرّاسخ للأم في المكان وفي عالم الابنة أنستازيا، التي مكثت في المدينة ورفضت الخروج. إن قوة أيّ خاتمة لا تكمن في رسم الحدّ الجغرافي للرّواية والإعلان عن نهايتها بقدر ما يتهيكل في تخديش ذاكرة القارئ، تجريحها، الدفع بها إلى معايشة عوالم الرّواية من جديد، خاتمة تستجمع فضاءات السّرد وأوصاله في صمتٍ صاخب يُشعل مخيّلة القارئ باحتمالات المعنى!
هوامش:
[1]: غنوة فضة: جرح الغزال، بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، ط1، 2026. أما الاقتباسات المستشهد بها، فقد جرت الإشارة إلى صفحاتها ضمن المتن وفق هذبن القوسين [...] تلافياً لتكرار المصدر. والكاتبة غنوة فضة؛ مواليد اللاذقية، خريجة كلية التربية في جامعة تشرين، تتابع راهناً دراسة الترجمة في كلية الآداب/ جامعة تشرين. وقد صدر لها أربعة كتب في القصة والرواية: رواية أرض الأرجوان (دار فواصل، 2022. رواية شجرة الكليمونتين (الهيئة المصرية العامة للكتّاب، 2020). وقصص على مقام النهاوند (دار دال 2019). ورواية قمر موسى (دار الغانم 2018). وكتاب مهم في الترجمة (البدايات السردية ــ بالاشتراك) قيد النشر عن دار أوغاريت.
[2]: عن العنوان وتعريفه ووظائفه يمكن العودة إلى كتاب: في نظرية العنوان: خالد حسين، دمشق: دار التكوين، ط2، 2024، المدخل العام للكتاب.
[3]: ينظر إيف ستالوني: معجم الرواية، ترجمة: محمد آيت ميهوب، مراجعة: كاظم جهاد، أبو ظبي: مشروع كلمة للترجمة، ط1، 2024، ص 364 ــ 367.
[4]: المرجع ذاته، ص 165.
[5]: المرجع ذاته، ص. ن.
[6]: المرجع ذاته، ص. ن.
[7]: المرجع ذاته، ص 154.
[8]: المرجع ذاته، يكتب المؤلّف بخصوص هذه النقطة: "نسمّي حل العقدة نقطة تجمّع المواد النَّصية، الموضع الذي يتوقف فيه النصُّ بوصفه كليةً، أي نهايته المادية"، ص153.
[9]: ينظر في المرجع ذاته: "إن الروائي، شأنه شأن الكاتب المسرحي تقريباً، يريد في أغلب الأحيان أن يفارق قارئه على قفلةٍ لا تمحى من الذاكرة. [ومهما كانت القفلة]، فإنه يجب عليها دائماً أن تتضمن في ذاتها علامات الاكتمال البلاغية أو الدلالية" ص157.