في كل مرحلة من مراحل تشكّل السلطة وتغير أنظمتها في العراق، لم تكن المرأة المقربة من مراكز القرار مجرد حضور اجتماعي عابر أو نتاج مصادفة طبقية، بل كانت دائماً رمزاً مُصنَّعا يُعاد هندسته بدقة في أروقة الحكم. تُختار لها تسمية محددة، وتُحدد لها ثيمات بصرية وسلوكية، ثم تُعرض على الفضاء العام كدليل إثبات على شرعية النظام أو جاذبيته أو تقواه. إن هذه التسميات المتلاحقة — من الماجدات إلى الفاشينستات مروراً ببلوغر العقيدة تمثّل خريطة سوسيولوجية حية لتطور نظام الهيمنة في العراق؛ حيث تشكّل ما يمكن تسميته بـ العنف الرمزي المستمر الذي تمارسه بنية حكم ذكورية تعيد إعادة صياغة الأدوار الجندرية بما يضمن لها إعادة إنتاج ذاتها وتثبيت أركان نفوذها.
الماجدات: عسكرة الأنوثة وتأطيرها تحت الأبوية الشمولية
في عهد حزب البعث، وتحديداً أثناء حرب الثمانينيات والسنوات المحاطة بالتقشف والظروف الاستثنائية، برزت تسمية (الماجدات) لتعيد تعريف المرأة العراقية وفق المفهوم العسكري للدولة. كانت السلطة الشمولية بحاجة إلى نمط أنثوي يجسد الصبر والولاء المطلق والتضحية غير المشروطة؛ فلم تُقدَّم النساء المقربات من السلطة كزوجات المسؤولين وقيادات الاتحاد العام لنساء العراق كفاعلات مستقلات في الميدان السياسي أو الفكري، بل كـ ماجدات يتكفلن بضبط الجبهة الداخلية، وتشجيع الرجال على القتال، وتحمل أعباء الاقتصاد المنهك.
تجلّت هذه الهندسة بوضوح في الواجهات الرسمية للنظام، وفي مقدمتها ساجدة خير الله، زوجة الطاغية صدام حسين؛ حيث جرى استغلال ألقاب صُنعت لها مثل «أم المجاهدين» و«الرفيقة المجاهدة الأولى» لتلميع وجه الديكتاتورية وإسباغ طابع أخلاقي وأسري على نظام قمعي غاشم. ثم بدأت السلطة في وهب هذا اللقب كـ «وسام سياسي» ومكافأة رمزية للفتيات والنساء المقربات من دوائر الحزب والنظام؛ ليتحول لقب «الماجدة» من صفة إلى أداة زبائنية تُمنح لمن تتماهى كلياً مع السردية الرسمية.هنا تجسدت الأبوية الشمولية للدولة فلم تكن هذه الألقاب تدل على فاعلية اجتماعية حقيقية أو بناء لكرامة المرأة، بل كانت وسيلة لشرعنة الطغيان وتسخير مفهوم الأنوثة كـ «أداة تعبئة قومية» لخدمة بقاء السلطة. عبر هذه الصياغة، فرض النظام نموذجاً قسرياً للترهيب والضبط الاجتماعي، حيث جرى تصوير الولاء المطلق للسلطة وعائلتها باعتباره المعيار الوحيد لـ «الشرف والوطنية»، فيما يُعد أي خروج عن هذا القالب أو نقد لرموز الحكم خيانة عظمى ومساساً بـ «الكرامة القومية».
بلوغر العقيدة: تسليع التقوى وتصنيع حراس الأخلاق
مع تثبيت أحزاب الإسلام السياسي لأركان حكمها وتقاطعها مع ثورة وسائل التواصل الاجتماعي، أفرزت التحولات الثقافية نموذج بلوغر العقيدة أو المؤثرة المحجبة والداعية الرقمية. أصبح دورها الوظيفي ينحصر في إغراق الفضاء الرقمي بالخطاب الوعظي، وتغطية الشعائر والمناسبات المذهبية، والتحدث بلسان الفضيلة الظاهرية.
غير أن المنظومة لم تكتفِ بتوظيف النساء الكبيرات أو الناشطات في العلن، بل اتجهت مؤخراً نحو تجنيد الفتيات الصغيرات واليافعات ليصبحن بلوغرات ومؤثرات ناشئات. هذا الاختراق المبكر لمرحلة الطفولة والمراهقة يُمثّل استثماراً سلطوياً طويلاً الأجل في الهندسة الأيديولوجية، حيث تُصنّع أدوات ترويجية ناعمة تُستغرق في البراءة الظاهرية لتمرير الخطاب السياسي والمذهبي ذاته، وضمان استمرارية التوجيه العقائدي عبر الأجيال الرقمية الجديدة.
تُعبّر هذه الظاهرة عن تسليع التقوى وتوظيفها رقمياً، حيث تُوظّف المؤثرة العقائدية كحارس بوابة أخلاقي لتصدير صورة طاهرة للطبقة الحاكمة. وعبر الظهور برعاية شخصيات نافذة أو الترويج للأنشطة الخيرية الفئوية، أحدثت السلطة إزاحة مفهومية حادة: استبدلت النقاش الحقيقي حول دولة المواطنة والخدمات والعدالة الاجتماعية بـ "دولة الفضيلة الشكلية". يعمل هذا الغطاء الأخلاقي المصنوع، والمُطعّم ببراءة الصغيرات، على امتصاص الاحتقان المجتمعي وتنويم النقد السياسي، محوّلاً الفساد المالي والإخفاق المؤسسي إلى مجرد ابتلاءات دنيوية تتطلب التمسك بالقيم الظاهرية وإظهار الولاء للرموز الحاكمة.
الفاشنيستات: اقتصاديات الرفاه، تبييض الأموال، وشبكات النفوذ الظلي
في العقد الأخير، ومع التحول نحو اقتصاديات الريع والنفوذ المتشابك بين المال والسياسة، برزت ظاهرة الفاشنيستات والمؤثرات المقربات من دوائر القرار. نساء يظهرن في الفضاء الرقمي بسيارات فارهة، وأسلوب حياة مترف، وسفر مستمر، مع حضور لافت في كواليس الفعاليات الخاصة ورعاية المهرجانات التي يقيمها رجال أعمال وسياسيون نافذون.
يعكس هذا التحول انتقال السلطة نحو استعراض الرفاهية والتبييض الرمزي للمال. لم تعد السلطة بحاجة حصرية للتقوى أو التضحية، بل باتت تستخدم أشكال الحداثة الاستهلاكية والجاذبية الظاهرية كواجهة لتلميع رجال السلطة وتأطيرهم كداعمين للفن والجمال والحياة.
وظيفة الفاشنيستا هنا مزدوجة، فهي من جهة تعمل كأداة لتشتيت الوعي الجمعي عبر إغراق الشارع بصور الرفاهية الصادمة والتطبيع مع الثراء السريع غير معروف المصدر، ومن جهة أخرى، تحولت بعضهن من مجرد واجهات تجميلية إلى وسيطات نفوذ وصناديق سوداء تحمل ملفات وعلاقات وحصانات حقيقية، كالاستفادة من الجوازات الدبلوماسية والوصول لدوائر القرار، مما كشف عن عمق هشاشة الحدود بين المال العام، والفساد السياسي، وإدارة النفوذ من خلف الكواليس.
ما بعد التشييء: من الوظيفة الرمزية إلى الفاعلية المستقلة
إن تتبّع خط سير هذه التسميات، من الماجدة القومية، إلى بلوغر العقيدة وصولاً إلى الفاشنيستا الاستهلاكية، يكشف عن بنيوية ثابتة: تتغير الأقنعة والأيديولوجيات، بينما يظل المنطق الذكوري الحاكم للسلطة واحداً.
لم تتعامل الأنظمة المتعاقبة في العراق مع المرأة كفاعل سياسي مستقل يتخذ قراراته بنفسه ويصوغ أفكاره بحرية، بل كوعاء رمزي وظيفي يُعاد تشكيله وتعديل وظائفه وفق حاجيات النظام المرحلية. فالمرأة في نظر السلطة هي دائماً وسيلة لتمرير الخطاب؛ تكون ماجدة في الحرب، وأم شهيد في نزيف الدم، وبلوغراً في صراع الهويات، وفاشنيستا في زمن اقتصاديات الريع والرفاه الاستهلاكي.
ويبقى الرهان الاجتماعي معلقاً على لحظة كسر هذا الإطار الوظيفي القسري؛ اللحظة التي تتجاوز فيها المرأة العراقية هذه الهندسة السلطوية، لتقتطع حضورها في الفضاء العام بصفتها مواطنة مستقلة وصانعة قرار، لا مجرد صورة تُجمّل بها السلطة وجهها أمام المجتمع.