احتفت بعض المنصات الإلكترونية بإدراج الصورة الشهيرة لمحمد الدُرة مع والده في كتاب "التاريخ الوطني" المقرر في البكالوريا المصرية والصادر في 2026. وبالفعل يختلف هذا الكتاب عن كتب التاريخ المدرسية السابقة، لكن الاختلاف – في تقديري - جاء للأسوأ.
فإلى جانب صورة الدُرة، أضاف الكتاب فقرات شديدة الاختصار عن الانتفاضتين الفلسطينيتين الأولى 1987 (94 كلمة)، والثانية 2000 (97 كلمة). كما أضيف فقرة عن الحروب على غزة (2008-2023) (في 141 كلمة تقريبا، منها نحو 50 كلمة عن الدور المصري في وقف التصعيد وإدخال المساعدات والوساطة)، من دون أي ذكر لعمليات القتل والإبادة الجماعية والتدمير والتهجير واسعة النطاق التي تابعها العالم على شاشات التليفزيون، فضلا عن غياب تحديد واضح للجهة المسؤولة عنها. لقد تم وضع الحروب في الغالب داخل إطار "الأزمات الإنسانية" التي تستدعي "الوساطة الدولية"، بدلا من إطار الاحتلال والاستيطان وحقوق الشعب القابع تحته ومشروعية مقاومته.
جاءت هذه الإضافات المحدودة في مقابل حذف مساحات وموضوعات كاملة كانت حاضرة في الكتب السابقة، فقد اختفت موضوعات مثل: أطماع المشروع الصهيوني في إقامة دولة من النيل إلى الفرات، واتفاقيات سايكس بيكو، ومراسلات الحسين-مكماهون، ورفض السلطان عبد الحميد الثاني فتح فلسطين أمام هجرة اليهود، والوحدة العربية والتضامن العربي.
كما اختفت الإشارة إلى المسجد الأقصى بوصفه أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وحُذفت أي إشارة إلى حائط البراق. كما غابت كلمة "المجاهدين" التي اُستخدمت أحيانا في السابق لوصف المقاومة المسلحة. وحُذفت تعبيرات اُستخدمت في كتب سابقة، مثل: "العصابات الصهيونية المسلحة" (قبل 1948)، و"الإرهاب اليهودي في فلسطين"، و"الإرهاب الصهيوني"، و"التوسع الصهيوني". وحُذفت كذلك بعض الفقرات التي كانت تتناول توظيف جماعات صهيونية أوروبية للثروات والمال السياسي في التأثير على الحكومات الغربية، وغير ذلك.
وتكاد الإشارة إلى الجانب الفلسطيني، الذي تعرض لكل هذه الحروب، تنحصر في تعبيرات مثل "تطلّع الشعب الفلسطيني إلى دولته المستقلة"، أي من دون تقديم متناسب لحجم المجازر والانتهاكات والدمار والتهجير، وبناء سردية واضحة للمسؤولية.
من إثبات الحق التاريخي إلى البحث عن "تسوية"
لم يقف الأمر عند حد الحذف، فالكتاب يواصل مسارا ممتدا منذ عقود لاختزال حضور قضية فلسطين في كتب التاريخ المدرسية المصرية، وإعادة صياغة اللغة المستخدمة في تناولها بما يتلاءم مع قبول دولة الاحتلال والترويج للتسوية السلمية. وهو تحولٌ بدأ بعد اتفاقية الصلح المنفرد للسادات عام 1979 وإنشاء "مركز تطوير المناهج والمواد التعليمية" بدعم من المعونة الأمريكية نهاية الثمانينيات.
شملت الأجزاء التي تم اختصارها في كتاب 2026 موضوعات كثيرة، منها السياسة البريطانية وتناقضاتها وانحيازاتها لصالح المشروع الصهيوني، ومخططات بريطانيا لخداع العرب بعد الحرب العالمية الأولى، ودور الولايات المتحدة في دعم الصهيونية ودولة الاحتلال، وصور الدعم العربي والأفريقي للقضية، وغير ذلك.
والتغيير لا يمس حجم المعلومات فقط، بل يطال الإطار التفسيري نفسه. سأذكر هنا مقارنات بسيطة، فقد كانت كتب ما قبل 2026 تبدأ من التأكيد على الحق التاريخي لشعب فلسطين ومواجهة الرواية الصهيونية. أما كتاب 2026، فيميل إلى تقديم القضية في إطار حقوقي ودبلوماسي مجرد، ويبحث عن شروط حلها. أي أن نقطة الانطلاق انتقلت بوضوح من التأكيد على أن "فلسطين عربية" في مواجهة مقولة "إسرائيل حقيقة تاريخية" إلى البحث عن التوصل إلى "تسوية سياسية دائمة وعادلة".
وكانت كتب ما قبل 2026 تنظر إلى ما حدث عام 1967 بوصفه عدوانا ضمن إطار صهيوني–استعماري، تحت عنوان "عدوان 1967"، أما كتاب 2026 فعرضها في بضعة سطور، تحت عنوان "حرب 1967".
وبدلا من اللغة التي تربط الحل بالانسحاب من الأراضي المحتلة وإقرار الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، تبرز في كتاب 2026 مفردات وعبارات عامة مثل: "العدالة" و"تقرير المصير" و"الدولة المستقلة" و"رفض التهجير". وهذه قيم مهمة في ذاتها، لكن المشكلة تكمن في فصلها عن السياق التاريخي والسياسي الذي يحدد من احتل الأرض، ومن قدّم له الدعم، ومن هجّر السكان، ومن يتحمل المسؤولية عن الاحتلال والحصار.
وتم أيضا اختزال الجزء الخاص بالجامعة العربية والوحدة العربية ووضعه داخل إطار جديد، فقد تم إدراجه ضمن الفصل الأخير في الكتاب تحت عنوان "السلام العالمي بين الواقع والمأمول"، ولا تتجاوز معالجته نحو 114 كلمة فقط. وهذا ليس مجرد تقليص في عدد الكلمات، بل تحول في موضع الجامعة العربية داخل السرد التاريخي من مؤسسة مرتبطة بفكرة العمل العربي المشترك والقضايا العربية الكبرى والتطلع إلى الوحدة العربية إلى مؤسسة تؤدي وظيفة "تنسيقية" داخل إطار أشمل عنوانه "السلام العالمي".
لغة باردة لقضية من دم واحتلال واقتلاع
يقترن كل هذا الاختزال بلغة أكثر برودة وتجريدا، لغة تبدو محايدة في ظاهرها لكنها تُفرغ القضية من ثقلها الحقيقي باعتبارها قضية احتلال واستعمار وحقوق منتهكة ومقدسات مستباحة. فتُختزل مشاهد القتل والتهجير وهدم البيوت والمستشفيات وانتهاك المقدسات في مفردات مثل "نزاع" و"أحداث" و"جهود للتسوية".
ولا يقتصر أثر هذه اللغة في وصف ما يجري بهذا الشكل المختزل، بل يمتد إلى تشكيل معناه، إذ تعيد تأطير المأساة المرتبطة بالاحتلال والعنف المنهجي والحصار وحرب الإبادة، وتحولها إلى مجرد مسألة سياسية وإجرائية قابلة للإدارة والتفاوض. وهكذا يتحول الطالب تدريجيا من متلقٍ لسردية عن قضية وطنية وصراع على الأرض والحقوق، إلى ملاحظٍ لجهود دبلوماسية ووساطات وإجراءات تفاوضية.
اللغة ليست وعاءً فارغا، فالفرق كبير بين أن تقول للتلميذ إن هناك احتلالا تدعمه قوى كبرى ويمارس سياسات عنصرية وتوسعية وشعبا واقعا تحت هذا الاحتلال، وبين أن تقول له إن هناك "نزاعا" يحتاج إلى "تسوية". ففي الحالة الثانية، يتوارى الفاعل الرئيسي، وتضيع مسؤوليته عن سياساته العدوانية، ويُنتزع الحدث من سياقه التاريخي، خلف مفردات تبدو متوازنة ومحايدة، لكنها في الواقع تعيد تشكيل الوعي على نحو يطمس طبيعة القضية.
"مصر والقضية الفلسطينية" لا "القضية الفلسطينية"
بعد كل هذا الحذف والاختزال وإعادة التأطير، لا يتجاوز الجديد المضاف إلى القضية الفلسطينية أربع صفحات تقريبا، تتضمن ست صور والعديد من الإطارات التوضيحية، وذلك داخل فصل (أو وحدة كما صارت تُسمى في الكتب المدرسية) بعنوان "مصر والقضية الفلسطينية"، بدلا من العنوان الأقدم والأكثر مباشرة: "القضية الفلسطينية".
وللعنوان دلالة يتجاوز الصياغة. فمصر محور السرد، بينما تتراجع فلسطين إلى موقع الموضوع الذي تتحرك السياسة المصرية تجاهه، وتصبح التسوية السلمية، لا النضال من أجل الحقوق، هي المدخل والمآل.
أما الحرب الأخيرة على غزة – حرب الإبادة منذ أكتوبر 2023- فيسميها الكتاب "الحرب الواسعة منذ أكتوبر 2023". ويركز ما كُتب عنها أساسا على دور مصر في السعي نحو "وقف التصعيد، وإيجاد مسارات للتهدئة، وإدخال المساعدات الإنسانية، ومنع اتساع الصراع، مع التأكيد على رفض تهجير الفلسطينيين خارج أراضيهم"، وينتهي العرض بالوساطة المصرية وقمة شرم الشيخ عام 2025 اللتين يقدمهما الكتاب بوصفهما تتويجا لمسيرة السلام وتجسيدا للدور المحوري الذي تقوم به مصر. ينتهي بنا هذا التأطير إلى صورة مصر بوصفها "وسيطا" بين طرفين، لا دولة عربية تربطها أواصر قومية وتاريخية والمصير المشترك بالشعب الفلسطيني.
من أين بدأ مسار الاختزال والحذف؟
للتذكير – وكما تناولت في كتابي الصادر عام 2024 في بيروت تحت عنوان "إسكات التاريخ: القضية الفلسطينية في كتب التاريخ المصرية" - احتلت القضية الفلسطينية في منتصف الخمسينيات وحتى منتصف السبعينيات، موقعا مركزيا في كتب التاريخ المدرسية، متأثرةً بهزيمة 1948 وثورة يوليو 1952 وصعود القومية العربية في عهد جمال عبد الناصر. وربطت الكتب فلسطين بالاستعمار البريطاني والمشروع الصهيوني، وقدّمت الصراع باعتباره قضية تحرر وطني وقومي، وربطت حلّه بالمقاومة والاستعداد العسكري والوحدة العربية والمقاطعة الاقتصادية وعودة اللاجئين.
لكن بعد معاهدة 1979 وإنشاء مركز تطوير المناهج والمواد التعليمية، بدأت الكتب تبتعد تدريجيا عن خطاب "الصراع" و"المقاومة" و"الوحدة العربية" و"المقاطعة الاقتصادية"، وتتجه نحو مفردات "النزاع" و"التسوية" والتركيز على ما أسمته الكتب "المكاسب الاقتصادية للسلام"، و"ارتفاع مكانة مصر الدولية بوصفها داعية للسلام".
وتوقفت كتب هذه المرحلة عند مذبحة دير ياسين (1948) وبحر البقر (1970)، وخلت تماما من أي إشارة من مذابح لاحقة، مثل: صبرا وشاتيلا (1982) وقانا (1996)، كما غاب عنها أي ذكر للحروب المتكررة على قطاع غزة منذ 2008 وحتى 2023، بما يحجب عن الطالب الطبيعة العدوانية والتوسعية المستمرة للاحتلال.
هذا فضلا عن غياب موضوعات مركزية أخرى مهمة، مثل: "الفيتو" الأميركي المتكرر لحماية دولة الاحتلال من أي إدانة دولية في أعقاب كل اعتداء على العرب، والتوسع الاستيطاني الذي تضاعف عدة مرات خلال مرحلة التسوية وما بعد اتفاقيات أوسلو، وسياسات تهويد القدس وغيرها من المدن، وأشكال التمييز العنصري المؤسسي على أساس الدين ضد عرب 1948 داخل حدود فلسطين التاريخية، وحضور التطرف والعنصرية داخل بعض المناهج والخطابات العامة الإسرائيلية. هذه ليست تفاصيل لا لزوم لها، وإنما هي عوامل بنيوية، تمثل عقبة حقيقية أمام أي محاولة حقيقية للتسوية، التي تصر الكتب على الترويج لها بوصفها المسار الطبيعي أو شبه الحتمي للحل.
انتقدت في كتاب "إسكات التاريخ" غياب هذه الموضوعات، واقتصار الكتب المدرسية على عرض نشأة القضية في مطلع القرن العشرين، من خلال وعد بلفور ومراسلات حسين – مكماهون واتفاقيات سايكس – بيكو ومشاريع التقسيم في الثلاثينيات والأربعينيات، فإذا بكتاب 2026 يحذف معظم هذه الأمور أيضا، ولا يضيف في المقابل إلا بضعة سطور مختصرة عن الحروب على غزة!
إلى أي دركٍ وصلنا؟
ما نراه في كتاب 2026 يبدو مرحلة أكثر تقدما في مسار "التطبيع الثقافي" الذي بدأ مع معاهدة 1979 ووصل مؤخرا إلى ما يسمى الاتفاقيات الإبراهيمية، فلم يعد الأمر يقتصر على حذف بعض العبارات الحادة أو اختزال بعض الوقائع، بل أصبح يتعلق بإعادة بناء إطار معرفي كامل يفهم الطالب من خلاله القضية الفلسطينية. والحالة المصرية تكشف اتجاها أوسع يمكن رصده بدرجات متفاوتة في عدد من الحالات العربية.
لهذا، السؤال لا يتعلق بصورة محمد الدرة التي أضيفت للكتاب، فالصورة كانت وستظل حاضرة في ذاكرة الأجيال، لكن الوعي التاريخي لا تصنعه الصورة وحدها، بل يصنعه أيضا الإطار الذي توضع فيه، والوقائع التي تُذكر حولها، والوقائع التي تُحذف، والأسئلة التي يتاح للتلميذ أن يفكر من خلالها في الحدث ومعناه.