تأليف نعمة حسن، تحرير وتقديم: رانيا جواد
(دار الناشر، رام الله، ٢٠٢٦)
تشكّلَ هذا الكتاب وخرج إلى حيّز الوجود عندما أصبحت القراءة والكتابة ضرورة ملحّة، لا فعلاً هامشياً أو ثانوياً. وعندما تجاوزت الساعات والثواني -لا الأيام- وظيفتها كأداة لعدّ الجرائم والعذاب الجماعي، وأصبحت علامة ودلالة على الحياة والأحياء. لا يُعدّ هذا الكتاب خطاً زمنياً يسرد العنف الإبادي، رغم أن هذا العنف محفور في كل لحظة زمنية، وإنما هو أرشيف يوثّق فعل الكتابة ذاته. جُمعت نصوص الكتاب على مدار العام الأول من الإبادة، من المنشورات العلنية والعامة على صفحة إحدى النساء التي كتبت يومياً على وسائل التواصل الاجتماعي، مع الحفاظ على شكلها الأوليّ حيث النثر يجاور الشعر والعفوي يجاور التأملي. لم تعتمد عملية التحرير الانتقاء لتجنّب توجيه القارئ نحو معنى محدّد، بل كانت عملية مدفوعة بفعل الإصغاء لا التحوير والتدخّل.
عن نعمة حسن:
نعمة حسن أخصائيّة اجتماعيّة من رفح في جنوب القطاع، عملت خلال هذه الفترة من الحرب لدى مؤسسة مدنيّة أحياناً، وتطوّعياً في ملاجئ اللاجئين على الدوام. في مخيمات النزوح والمستشفيات، وغالباً مع الأطفال والأمهات. وحيدة تقوم برعاية أطفالها السبعة، أربعة منهم حالياً في غزة معها، واثنان يتلقيان العلاج في الأردن. الابن الأكبر في ألمانيا ولم تره منذ تسع سنوات، وأصغرهم كان في عمر السابعة عند بداية الحرب. غادرت القطاع مرة واحدة فقط قبل حوالي ثلاثة أشهر من الحرب لمدة أسبوع للمشاركة في الملتقى الفلسطيني السادس للرواية العربية الذي عُقد في رام الله.
مقتطف من مقدمة المحررة رانيا جواد للكتاب:
تكتب نعمة يوميًّا منذ بداية الحرب الإبادية التي تحاول محو كلّ أشكال الحياة الفلسطينية في قطاع غزّة. هذا الكتاب هو تجميع لكتاباتها الموجّهة للعموم في الفترة بين 7 أكتوبر 2023 و6 أكتوبر 2024، يوثق كتاباتها في السنة الأولى من الإبادة الجماعية. إنه سجلّ يجعل من تفاصيل الحاضر المنقوشة على الأجساد والذوات واجهة بارزة، تفاصيلَ تبقى حاضرةٍ لمن عايشها حتى بعد إعلان نهاية هذه الحرب.
…بدلًا من وضع هذه الكتابات وتأطيرها ضمن تصنيفات النصوص المحدّدة سلفًا (الشهادة، أو اليوميات الحربيّة، أو الشعر، أو حتى التأمّل الشخصي)، وما يرتبط بذلك من ممارسات قرائيّة ومنظومات قيم محددة، فإن ما يوجد أمامنا واقعيّاً هو شذرات والتقاطات من حياة وجهد كاتبيها، أولئك بذاتهم من يشتبكون مع الممارسة المعاصرة لصناعة الأرشيف - بأشكاله المختلفة، وتفاوتاته، وتناقضاته، وقهره - في مواجهة محاولة محوٍ يحدث بدعم ورعاية مفضوحة من القوى العالميّة والنخب الرأسماليّة العنصريّة، فيما يُبثّ كل ذلك على مرأى ومسمع من العالم. وهذا النوع من فعل الأرشفة ليس منسوجاً ضمن سياسة الاعتراف الماضوية أو الاعتراف بإنسانية الفلسطيني، بل فعل توثيقي لحميمية الحاضر الذي، ولو مؤقتاً، يتحدى ثقل العنف الإبادي وتغطيته الإعلامية. فعلى الرغم من أن الإبادة توصف بأنها "بث مباشر"، تُرى وتُسمع في الزمن الحقيقي عبر الصورة والصوت، يظلّ فعل الكتابة (والقراءة) مكوِّناً جوهريّاً من مكوِّنات التجربة الفلسطينية الراهنة، وتبقى بصماته محفورة فينا.
بهذا الفعل يلتقط هذا الكتاب المُجمّع زمانيّة مختلفة، لا تقوم على تمثيل تواصلي للعنف الإبادي الواسع النطاق، أو عالم السياسة الرسميّة، بل على حركة الزمن في مقياسٍ حميميٍّ، حيث يُعاد قسراً تشكيل اللغة والذات والجغرافيا في سياق الإبادة. إنها زمانيّة لا تُظهر لنا الإبادة الجماعية كحدث واحد مستمر، بل كسلسلة من الثواني والأيام والأشهر والسنوات من الحيوات، زمانيّة لا تتحرك بسرعة واحدة ولا في اتجاهٍ أو نطاقٍ أو مقياسٍ واحد. وهكذا يقوم الكتاب على هذا الحراك وتجاوراته، لا على تثبيت لحظة زمنيّة بعينها، ولا على تحليل الكلمات بوصفها تحمل قيمة تمثيليّة ودلاليّة ثابتة.
مقتطف من كتابات نعمة حسن في شباط ٢٠٢٤:
2/2/2024
الساعة 07:03 مساء
بعد انسحاب قوات الاحتلال، تم العثور على 30 جثة لشهداء في إحدى مدارس بيت لاهيا مكبّلي الأيدي ومعصوبي الأعين.
3/2/2024
الساعة 09:08 صباحاً
- يمّا الساعة قديش بِدهم يمضوا الهدنة؟
- يمكن فشّ هدنة يمّا.
- لا في، اتفقنا إحنا وصحباتنا أول ما تبدأ الهدنة نطلع نشوف الشوارع ونطش سوا، إنت بتسمحيلنا صح؟
- بسمحلكم، روحوا طشوا.
- يا ريت جبنا أواعي العيد، اتفقنا نلبس أحلى أواعي عنا، بدّي ألبس بُكلة الشعر الّي مخبياها معي، بدنا نشتري حاجات زاكية بمصروفنا، أكيد حيبيعوا حاجات زاكية، صح يمّا؟ بدنا نودّع بعضنا عشان مش حنشوف صَحباتنا بعد هيك. هُمة حيروحوا على غزّة والشمال وإحنا حنروح على دارنا. صحيح متى حنروح على دارنا يمّا؟
من أحاديث الصغار هذا الصباح.
الساعة 04:47 مساء
- إيش إنت بدَّك؟
- بدّي أعيش
- كلنا بدنا نعيش يا إمي
الساعة 07:32 مساء
تتكوّن الفكرة دائماً في لحظة تخيُّل عالية قد تجعلك تصدق الوهم وتتفاعل معه كأنه حقيقة.
الساعة 08:24 مساء
ربما حيوانكِ الأليف يأكلكِ يومًا ما ياااا غزّة.
الساعة 08:29 مساء
ولدته بمدارس الإيواء
أبوه ضل بالشمال وأنا نزحت مع أهلي
كان نِفسي أروح على بيتي أو الّي ضلّ من بيتي وهو معي
بس مات الولد من البرد وأبوه والله ما شافُه.
من قصص النزوح.
5/2/2024
الساعة 08:43 مساء
يقول الإعلام العبري أنه لن يتم اجتياح رفح إلا بعد التنسيق مع مصر وموافقة الحكومة المصرية.
لماذا لا يكون لمصر موقف حازم وبيان رسمي ينفي شراكتها في قرار إبادة رفح؟
6/2/2024
الساعة 07:22 مساء
يخيفني التفكير
الأشياء الصغيرة التي قد أفقدها
تخيفني زجاجة العطر الفارغة
الشوارع المزدحمة
سقف الخيمة المثقوب
المدينة التي لا تعرف نفسها
يخيفني خوفها
فلنهدأ
غنّ لي
تجيد الحديث؟
سرد الحكايات
الرقص
القفز
اِصنع مظلّة من بقايا ثوبك
ناوِر الزنّانة
واهبِط داخل قلبي
مازال يمتلك قلمًا
رسم كثيرًا فيما مضى
رافق الضوء في وجهها
آخر كلمة قالت:
كفى
لم يُضف شيئًا
وترك موتها خارج الذاكرة
هل سافرتَ للعالم أجمع؟
تعلّمْ أن ترسم خارطة تنطق أسماء المدن
أسمع صوت غزّة الآن
أرى بيتًا في كل حلم
كيف أجمع أشيائي قبل الصباح؟
سأربّي كلبًا
الوفاء مُبهم
وأنا أريد أن أعرف قبل موعد الرحيل
الساعة 09:03 مساء
لا يُفتي أهل الفنادق لأهل الخيم والخنادق.
الساعة 10:03 مساء
رفح مضيوفة اليوم، مش عارفين ننتبه لمين صراحة
زنّانات وقصف طائرات وصوت مدفعية وإطلاق من بوارج بحرية ..
7/2/2024
الساعة 04:58 مساء
الديار كانت عامرة بأهلها
راح الأهل والدار
شو بِدهم يعمّروا بعد هيك يا جدّة؟
الساعة 05:49 مساء
هل قلت لك سابقًا إننا نموت بشكل مختلف عنكم جميعاً؟
إنه موت الحسرة.
الساعة 07:13 مساء
حلِّل يا دويري.
الساعة 09:21 مساء
بدأ صوت القصف في رفح بكثافة الآن ..أنصت معنا لاتجاه الصاروخ.
8/2/2024
الساعة 05:25 مساء
فلتحصِ معي جالونات المياه حول عربة تعبئة المياه.. أصحابها جميعًا قُصفوا وهم عطشى.
الساعة 06:15 مساء
لا يمكنك الاتكاء وكل الأشياء تميل نحوك.
الساعة 09:31 مساء
كان لبيتنا في المخيم نافذة بلا زجاج ينام الحمام فيها. كان يختبئ في زاوية النافذة كلما رمت راجمة الحجارة (الزلَط) على أسطح المنازل المصنوعة من (القرميد). الآن هناك راجمة الصواريخ والخيام بلا نوافذ يحتمي بها الحمام.