من يملك حق التشريع وإدارة العدالة في العراق: المؤسسات الدستورية الجامعة الممثلة لإرادة الشعب، أم المرجعيات العقائدية والمجالس الموازية؟ ليس هذا السؤال ترفاً فكرياً أو جدلاً فقهياً عابراً، بل هو أصل النزاع الذي تتكشف أبعاده اليوم في ظل المتغيرات السياسية والإقليمية الراهنة. إن الإصرار على فرض وسريان "مدونة الأحكام الشرعية" (ملحق قانون الأحوال الشخصية) يُشكل جبهة متقدمة في حرب غير معلنة على شكل الدولة العراقية. المعركة هنا تتجاوز ترقيع مادة قانونية أو تعديل بند إجرائي؛ إنها محاولة هندسة اجتماعية وسياسية كبرى تقوض العقد الاجتماعي وتستغل التحولات الحاصلة منذ عام 2003 لإعادة رسم حدود المواطنة ورهن الخلية الأولى للمجتمع لسلطات موازية.
صحيح أن المادة 41 من الدستور تمنح العراقيين حرية الالتزام بأحوالهم الشخصية وفق مذاهبهم، لكن هذه الحرية لا تعني تفكيك وحدة القانون الوطني ولا تحويل القضاء إلى منفذ لمدونات مذهبية تعدّها جهات غير قضائية. فالحرية المذهبية لا تلغي مبدأ المساواة أمام القانون ولا تُسقط ولاية الدولة على تنظيم الأسرة.
سؤال الدولة: من احتكار التشريع والمواطنة إلى سلطة ما قبل الدولة
تُعرّف الدولة الوطنية الحديثة من خلال قدرتها على احتكار سلطتين أساسيتين: احتكار العنف الشرعي، واحتكار سن القوانين وإدارة العدالة. إن وجود قانون مدني موحد للأحوال الشخصية (مثل قانون 188 لسنة 1959) لم يكن مجرد خيار فني أو إجرائي، بل كان التتويج التاريخي لمسار بناء الدولة الوطنية التي تسعى لصهر مجتمعها المتباين داخل عقد اجتماعي قائم على المواطنة المتساوية والتكافل القانوني.
غير أن فرض "مدونة الأحكام الشرعية" وسريانها منذ عامٍ كامل يمثل تفكيكاً عمودياً لهذا البناء من جذوره عبر ثلاثة أبعاد رئيسية. أولاً: سحب ولاية الدولة عن الخلية الأولى (الأسرة). كما يحلل الباحث د. حيدر سعيد في مقاله عن قانون الأحوال الشخصية في سياقه التاريخي الأوسع، فإن الخلاف التاريخي للمؤسسة الدينية التقليدية مع قوانين الأسرة الوطنية لم يكن نابعاً من رفض الشريعة (إذ إن القوانين المدنية اعتمدت الفقه الإسلامي أصلاً واستنبطت منه)، بل كان اعتراضاً مبدئياً على دخول الدولة كمُنظِّم لمجال الأسرة. كانت الأسرة دائماً هي الملاذ والأرضية الأخيرة التي تمارس من خلالها السلطات التقليدية ولايتها المباشرة. بالتالي، فإن انتزاع تنظيم الأسرة من القانون الوطني وتسليمه لمدونات مذهبية فرعية هو سحب صريح لسيادة الدولة وتنازل طوعي عن أخص وظائفها الشمولية والتحديثية.
ثانياً: في ظل المدونة الشرعية (الجعفرية) يتم تفتيت المواطنة وإعادة إنتاج سلطة ما قبل الدولة (العشيرة والعرف). ينتهي مفهوم "المواطن العراقي" الذي يخضع لقانون موحد يحميه بغض النظر عن مذهبه أو جنسه، ليحل محله مفهوم "الفرد المذهبي والقبلي" الذي يُفرز قانونياً وفق انتمائه الفرعي. إن تراجع القضاء المدني الموحد لا يسلم السلطة للمؤسسات الدينية الموازية فحسب، بل يُعيد استدعاء الأعراف العشائرية المتزمتة وشرعنة مفاهيمها كأمر واقع، مثل تسويغ الزيجات خارج المحكمة، وفتح الباب عملياً أمام توسيع زواج القاصرات عبر الاعتماد على معايير البلوغ والأعراف، وتغليب العرف القبلي في الحضانة والإرث. يتجلى هذا التفكك بأبشع صوره في حقوق النساء والأطفال، حيث يُعاد تعريف أهليتهن وحقوقهن ليس كمواطنات يحميهن العقد الوطني، بل كرعايا خاضعات لهرمية فقهية وعشائرية تحرس الامتيازات الاجتماعية لسلطات ما قبل الدولة. وقد ظهرت خلال العام الماضي حالات نقل حضانة الأطفال تلقائياً إلى الأب بعد سن السابعة بغض النظر عن مصلحة الطفل، وتحويل عقود زواج إلى أحكام المدونة دون علم الزوجة أو موافقتها.
ثالثاً: تقويض المناعة الوطنية وخدمة الأجندات الإقليمية. إن تفتيت الدولة إلى "كانتونات قانونية ومذهبية" يضرب المناعة الداخلية للبلاد في مقتل. فالقتال على تشطير القضاء والقوانين يُضعف مركزية الجمهورية، ويصنع مجتمعاً هشاً ومقسماً إلى هويات فرعية مغلقة. هذا التجريف للبنية الوطنية الموحدة يوفر البيئة المثالية والشرعنة المؤسسية للنفوذ الإقليمي (وفي مقدمته المشروع الإيراني)؛ إذ يُصبح التعامل مع العراق ليس كـ"دولة ذات سيادة ومؤسسات جامعة"، بل كـ"مساحة نفوذ مجزأة" تدار عبر شبكات عقائدية وطائفية عابرة للحدود تضمن استمرارية الهيمنة السياسية والاجتماعية طويلة الأمد.
وهكذا، فإن تفكيك مفهوم الدولة واحتكارها للتشريع لصالح المذهبية لم يكن ليتوقف عند حد تفتيت المواطنة، بل شرع الباب واسعاً أمام التعدي على جوهر السيادة القضائية وإحلال السلطات الموازية محل المؤسسات الدستورية.
سؤال السيادة: لمن الكلمة العليا؟ البرلمان والدستور أم المرجعيات والمجالس؟
إن السيادة الوطنية في جوهرها الدستوري تقتضي أن تكون السلطة القضائية مستقلة وحاضنة لسيادة القانون، بحيث تمثل الملاذ الأخير للمواطنين دون وصاية أو هيمنة من سلطات موازية. غير أن إقرار المدونة وسريانها ينقلان مركز الثقل السيادي في إدارة العدالة من المؤسسات الرسمية إلى مجالس وهيئات عقائدية عبر ثلاث زوايا. أولاً: انقلاب ناعم على استقلال القضاء وخرق المادة 88. ينص الدستور العراقي الصريح على أن "القضاة مستقلون، لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون". لكن الآليات التي فرضتها المدونة، بإلزام المحاكم بالتقيد بأحكام المدونة التي أعدها المجلس العلمي في ديوان الوقف الشيعي كمرجع حاكم عند اختيارها، تفرغ استقلال السلطة القضائية من محتواه. يتحول القاضي هنا من حارس مستقل للدستور والقانون إلى منفذ لمدونة أعدتها جهة غير قضائية، مما يمثل مصادرة صريحة للولاية القضائية للدولة.
ثانياً: انتقال السيادة لجهات غير خاضعة للمساءلة الديمقراطية. في الأنظمة الدستورية، تكمن الشرعية والسيادة في الشعب ومؤسساته المنتخبة الخاضعة للرقابة والمحاسبة. أما إسناد البت في القواعد الحاكمة للأسرة إلى هيئات مرجعية ومجالس أوقاف موازية، فهو انتقال صارخ للكلمة العليا في البلاد إلى مؤسسات لا تملك شرعية انتخابية، ولا تخضع لمراقبة البرلمان، ولا يملك المواطن حق الطعن الفعال في قراراتها. هذا الانتقال يسلخ القضاء عن صفته الوطنية الجامعة ويسلمه لمنظومة مغلقة غير قابلة للمساءلة.
ثالثاً: تأسيس "القضاء الموازي" وخدمة الذراع السياسي. ليس الإصرار على فرض هذه المجالس وتكريس وصايتها مسألة تعبدية أو دينية مجردة، بل هو أداة هيمنة سياسية وجيوسياسية مكشوفة. إن القوى والأحزاب السياسية الشيعية تعتمد استراتيجية "تأسيس السلطات الموازية" عبر خلق أجهزة قضائية وتربوية ودينية تعمل خارج هيكل الدولة الرسمي ولكن بغطاء منها. ربط حياة المواطن اليومية ومعاملاته الأسرية بهذه المنظومة الموازية يعيد تشكيل ولاءات الأفراد اليومية ليكون للذراع السياسي والديني الموالي، مما يحول "القضاء الموازي" إلى حارس أيديولوجي يرسخ الهيمنة السياسية كأمر واقع لا مفر منه.
سؤال الدستور: وثيقة عليا أم نص يُعطَّل بالتشريعات الفرعية؟
يُفترض بالدستور أن يكون الوثيقة القانونية العليا والناظمة التي تُقيد كافة التشريعات الأدنى وتلزمها بمبادئ العدالة والمساواة وحماية الحقوق والحريات الأساسية. غير أن سريان مدونة الأحكام الشرعية أثبت عملياً إمكانية التفاف القوى السياسية على العقد الدستوري المكتوب، وتفريغ بنوده السيادية عبر تشريعات فرعية تنقض روح الدستور وتُعطل أحكامه. عبر مصادرة مبدأ المساواة وحظر التمييز (خرق المادة 14): تُقر المادة أن "العراقيين متساوون أمام القانون دون تمييزٍ بسبب الجنس أو العرق أو المذهب". غير أن الممارسة العملية لتطبيق المدونة كشفت عن تكريس نمط تمييزي قانوني يعيد تقسيم المواطنين وفق جنسهم وانتمائهم المذهبي. إخضاع النساء لأحكام فقهية سلبتهن أهليتهن القانونية في بعض جوانب عقد الزواج، وسهّلت إجراءات الطلاق من جانب واحد، وجردتهن من استقلاليتهن في مسائل الحضانة والإدارة المالية، يُعد كسراً صريحاً لمبدأ المساواة الدستورية وتحويلاً للمرأة من شريكة في المواطنة إلى طرف أدنى قانونياً.
كذلك تقويض حماية الأسرة والطفولة من خلال خرق المادة 29 التي تنص على أن "الأسرة أساس المجتمع، وتحافظ الدولة على كيانها وقيمها الدينية والأخلاقية والوطنية، وتكفل حماية الأمومة والطفولة". إلا أن المدونة ضربت هذا التكفل الدستوري في الصميم؛ إذ شرعنت حرمان الأم من حق الحضانة وفق اشتراطات مذهبية، وسوّغت عملياً توسيع زواج القاصرات عبر معايير البلوغ، وسلب الأطفال حقهم الأصيل في الحماية والتربية السليمة. إن تسليم المصير الإنساني للأطفال والنساء لتأويلات فقهية متزمتة يفرغ التزام الدولة بحماية الأسرة من أي مضمون واقعي.
ولا يمكن نسيان ضرب العلوية الدستورية عبر المدونة، إذ يُعتبر هذا أمراً أسلوباً خطيراً يتلخص في إلغاء سريان النص الدستوري العام لحساب الفتوى أو النص الشرعي الفرعي. فعندما يُجبر القاضي على رهن أحكامه بمدونة مذهبية تغلب الفتاوى المرجعية على المبادئ الدستورية الشاملة، تُقلب الهرمية القانونية للجمهورية رأساً على عقب حيث تصبح الفتوى الفرعية أعلى مرتبة وحاكمية من الدستور نفسه، مما يحول وثيقة الحقوق الوطنية إلى مجرد إعلان شكلي يُعطل عند أول تعارض مع القوانين الفرعية.
المدونة الجعفرية في قراءة أوسع
لا يمكن قراءة الإصرار السياسي على تثبيت "المدونة الجعفرية" وسريانها بمعزل عن صراع النفوذ الجيوسياسي المحتدم المخيم على المنطقة؛ فالشرق الأوسط يخوض معركة إعادة تشكيل لموازين القوى بين محور إقليمي تقوده إيران ويعتمد على شبكات ولاء عقائدية عابرة للحدود، وبين الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين الذين يمارسون ضغوطاتهم عبر الشروط الحقوقية والملفات الاستراتيجية. وفي هذا الاستقطاب المركب، تستغل القوى الموالية لإيران الرفض الغربي للمدونة لشحن الشارع وشيطنة أي رفض وطني داخلي باعتباره "إملاءً أمريكياً غربياً". غير أن الحرب في هذا الصراع الشامل لا تُدار بالسلاح والصواريخ فحسب، بل عبر سلاح التشريع والهندسة الاجتماعية؛ إذ يسعى النفوذ الإقليمي لتعويض خساراته وتراجعاته الاستراتيجية من خلال تحويل هيمنته السياسية العابرة إلى تغيير بنيوي دائم في ثقافة ومؤسسات المجتمع العراقي.
تأتي هذه الهيمنة الناعمة كاستراتيجية صراع إقليمية حاسمة، حيث تدرك القوى الموالية للمشروع الإيراني أن السيطرة على الحكومة والبرلمان تظل متغيرة ومرهونة بالتقلبات الانتخابية، بينما تشكيل قوانين الأسرة وتأسيس قضاء موازٍ يمنحها نفوذاً مستداماً لا يزول بتبدل الحكومات. إن ربط الخلية الأولى للمجتمع بمرجعيات ومجالس عقائدية موازية يمثل اقتطاعاً صريحاً لجزء حاسم من السيادة الوطنية وإلحاقه بمحور النفوذ الخارجي، مما يجعل المجتمع العراقي مجرد عمق استراتيجي ومجالاً حيوياً خاضعاً بالكامل لأجندات الصراع الإقليمي.
وفي مواجهة الرفض المجتمعي والمدني، تلجأ هذه القوى بانتظام إلى إشهار اتهامات "العمالة للسفارات الغربية" و"تنفيذ أجندات التغريب" ضد كل حراك حقوقي يرفض المدونة، في أسلوب مبتذل للابتزاز السياسي للهروب من حقيقة تفريغهم للدولة من سيادتها. غير أن الرد الوطني الحاسم يتطلب قلب الطاولة بنزع شرعية هذه السردية وتأكيد أن المطالبة بتطبيق الدستور العراقي ليست خيانة أو تبعية، بل إن الانتهاك الأكبر والأخطر لسيادة العراق يكمن في تسليم القضاء والمؤسسات الوطنية لجهات موازية تتبع توجيهات وفتاوى عابرة للحدود ليبقى الدفاع عن استقلال القضاء والمواطنة هو الفعل الأكثر أصالة ووطنية في وجه كافة أشكال التبعية.
الاختيار التاريخي دولة قانون أم كانتونات فتاوى؟
إن معركة الرفض المبدئي لسريان "مدونة الأحكام الشرعية" ليست مجرد نزاع قانوني عابر حول نصوص وفصول، كما أنها ليست مناهضة للدين أو الفقه؛ بل هي مواجهة وجودية ووطنية كبرى ضد تجريد الدولة العراقية الحديثة من ولايتها الجامعة وتجريد نسيجها المجتمعي من قيم العقد الاجتماعي والمواطنة. إن الخطورة الحقيقية للمدونة تتجاوز الأضرار الحقوقية المباشرة التي ألحقتها بكرامة النساء وحماية الأطفال طوال عامٍ كامل، لتمسّ صلب شرعية الجمهورية وبنيتها الدستورية، عبر شرعنة قضاء موازٍ يُلغي سيادة القانون، ويُخضع الأفراد لسلطات ما قبل الدولة من أعراف فقهية وعشائرية، ويفتح ثغرة نفاذ في الجدار الوطني يتسلل منها النفوذ الإقليمي لرهن مصير البلاد بالصراعات الخارجية.
يقف العراق اليوم أمام مفترق طرق تاريخي واختيار حاسم لا يحتمل الرمادية أو الحلول الترقيعية: إما الانتصار لمفهوم دولة القانون والمواطنة المتساوية التي يستند فيها الجميع إلى دستور موحد وقضاء مستقل يضمن الحقوق والكرامة دون تمييز مذهبي أو جندري، وإما الاستسلام المباشر لتفكيك الجمهورية وتحويلها إلى كانتونات فتاوى وهويات فرعية مغلقة تُدار بأساليب الهندسة الاجتماعية لصالح شبكات نفوذ عابرة للحدود. إن صيانة الخلية الأولى للمجتمع ( الأسرة ) وحراسة استقلال القضاء (المادة 88) ليسا رفاهية حقوقية أو ترفاً بل هما خط الدفاع الأول والأخير لصيانة الأمن القومي الداخلي، واستعادة هيبة الدولة، وحماية أجيال العراق القادمة من ارتدادات التفكك والتنازل عن السيادة.