بعد أكثر من عقد كامل على انقلاب الثالث من يوليو 2013، تراكمت مدونة بحثية متزايدة الكثافة تحاول أن تفكّ شفرة الكيان السياسي الذي نشأ في مصر تحت حكم عبد الفتاح السيسي (2014- )، وأن تحدد موقعه من التاريخ السياسي المصري الممتد منذ حركة الضباط الأحرار عام 1952. ثلاثة كتب صدرت في غضون عامين تقريباً تمثل ثلاث زوايا رؤية مختلفة لهذا السؤال ذاته، رغم اختلاف مواقع أصحابها ومناهجهم ومرجعياتهم الفكرية اختلافاً واسعاً.
الكتاب الأول، "مصر في عهد السيسي: أمة على الحافة" للصحفي والمحلل السياسي ماجد مندور، الصادر عن دار آي بي توريس عام 2023، يقدّم قراءة تستند إلى إطار تصنيفي كلاسيكي في دراسة العلاقات المدنية العسكرية طوّره صمويل فاينر، ويوظّفه لتتبع موقع المؤسسة العسكرية عبر الأنظمة المتعاقبة منذ عبد الناصر حتى السيسي. الكتاب الثاني، "جمهورية مصر التسلطية الجديدة"، فهو مجلد جماعي حرّره روبرت سبرينجبورج وعبد الفتاح ماضي، وصدر عن دار لين رينر عام 2025 بالتعاون مع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، ويضم ثلاثة عشر فصلاً لعدد من أبرز المتخصصين في الشأن المصري، من بينهم عماد الدين شاهين وناثان براون وبروس رذرفورد وحسام الحملاوي نفسه صاحب الكتاب الثالث الذي عنونه: "الثورة المضادة في مصر: جمهورية السيسي الجديدة" للصحفي والباحث، الصادر عن دار فيرسو عام 2026. والكتاب مبنيّ على أطروحة دكتوراه أنجزها المؤلف في الجامعة الحرة ببرلين تحت إشراف كيليا هاردرز وخالد فهمي، ويقدّم أعمق قراءة مؤسسية متاحة حتى الآن لتاريخ جهاز القمع المصري وتحوّلاته.
ورغم هذا التباين المنهجي والسياسي الواسع، فإن الكتب الثلاثة تلتقي حول السؤال ذاته الذي يصوغه عبد الفتاح ماضي بوضوح شديد في مستهل المجلد الجماعي: هل يسعى توجّه نظام السيسي إلى استعادة النظام الأساسي الذي ساد من 1952 إلى 2011، أم أنه يطمح إلى خلق نظام جديد لم تشهده مصر من قبل؟
هذا السؤال، الذي يبدو للوهلة الأولى سؤالاً تصنيفياً بسيطاً، يخفي في طياته ثلاث مسائل متشابكة تتناولها هذه القراءة تباعاً: طبيعة العلاقة البنيوية بين "الجمهورية الجديدة" وجمهورية يوليو التي سبقتها، وطبيعة الاقتصاد السياسي الذي أنتجته هذه العلاقة أو انبثق عنها، ثم القراءات المتباينة التي تطرحها الكتب الثلاثة لمآلات هذه التجربة ومستقبلها المحتمل.
ويجدر التنبيه منذ البداية إلى أن الكتب الثلاثة تشترك في موقف نقدي واحد إزاء الشعار الرسمي؛ فلا مندور ولا الحملاوي ولا معظم كتّاب المجلد الجماعي يتعاملون مع عبارة "الجمهورية الجديدة" بوصفها وصفاً محايداً، بل باعتبارها ادعاءً سياسياً ينبغي فحصه لا التسليم به. يصوغ عماد الدين شاهين وعبد الرحمن محمد في بحقهما المشترك هذا الموقف المنهجي بأكثر الصيغ وضوحاً حين يكتبان أنهما لا يأخذان "أطروحة الجمهورية الجديدة على محمل الجد"، بل يتعاملان معها بوصفها شعاراً تسوّقه سلطة السيسي لتثبيت شرعية جديدة، ونشر الأمل في تغيير وتنمية مقبلين، أو لحشد الدعم من أطراف خارجية.
هذا الموقف النقدي المشترك هو نقطة الانطلاق التي تسمح بمقارنة الكتب الثلاثة رغم اختلافها، إذ تتفق جميعها على أن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت "الجمهورية الجديدة" حقيقة قائمة، بل ما الذي يكشفه هذا الشعار ذاته حين يُفكَّك سياسياً واقتصادياً ومؤسسياً.
القسم الأول: امتداد أم قطيعة؟
من المفارقات الدالة أن السلطة نفسها هي أول من يصرّ على لغة القطيعة الحادة. يورد حسام الحملاوي في كتابه أن السيسي دأب على وصف الثالث من يوليو 2013 بأنه "ميلاد جمهورية جديدة"، وأن "مصر قبل الثلاثين من يونيو ليست هي مصر بعد الثلاثين من يونيو"، في مقابل ما يسمّيه "الجمهورية الأولى" التي "أنشأتها وهيمنت عليها المؤسسة العسكرية منذ 1952". هذه الصياغة الرسمية، بقطيعتها الحادة بين "جمهورية أولى" امتدت من قيام النظام الجمهوري حتى 2013 و"جمهورية ثانية" ولدت من رحم الدم في ميدان رابعة، هي بالضبط ما تسعى الكتب الثلاثة، كل بطريقته، إلى اختبار صحته أو تفنيده.
يقدّم ماجد مندور الإجابة الأكثر حسماً لصالح أطروحة القطيعة. يستعير مندور من صمويل فاينر تصنيفاً ثلاثياً للأنظمة العسكرية: الحكم غير المباشر، الذي ينقسم بدوره إلى محدود وكامل، حيث تمارس المؤسسة العسكرية ضغطاً أو ابتزازاً على حكومة مدنية دون أن تتولى السلطة مباشرة؛ والحكم الثنائي، حيث تتقاسم المؤسسة العسكرية السلطة مع شريك مدني ضمن ائتلاف حاكم، وهو النموذج الذي يمثله بيرون في الأرجنتين؛ والحكم المباشر، الذي قد يتخذ صورة "شبه مدنية" حين تتوارى المؤسسة العسكرية خلف واجهة مدنية شكلية. يوظّف مندور هذا التصنيف ليعيد قراءة تاريخ مصر الجمهوري بأكمله: فالنظام الناصري، رغم تأسيسه الانقلابي عام 1952، يصنَّف بوصفه حكماً مباشراً "شبه مدني" اتخذ صورته النهائية عام 1956 بعد فترة انتقالية، قبل أن يدخل عبد الناصر في صراع طويل مع عبد الحكيم عامر الذي حوّل المؤسسة العسكرية إلى إقطاعية شخصية، صراع لم يحسمه عبد الناصر لصالحه إلا بعد هزيمة 1967 وتطهير أكثر من ألف ضابط، لينتقل النظام تدريجياً نحو صيغة الحكم الثنائي. أما السادات فواصل سياسة تقليص نفوذ المؤسسة العسكرية عبر "فرّق تسد"، وأعاد تفعيل الاتحاد الاشتراكي في صورة منابر تحوّلت إلى أحزاب بموجب القانون 40 لسنة 1977، مقابل تعويض الجيش بالاستقلال الاقتصادي الكامل عن الموازنة العامة بموجب القانون 32 لسنة 1979. وحين تولى حسني مبارك الحكم، استمر النمط الثنائي، لكن بثقل عسكري متصاعد داخل الائتلاف الحاكم، عبر ما يسميه مندور "بدل الولاء" الذي مُنح للضباط منذ 1991 مقابل ولائهم وابتعادهم الشكلي عن السياسة، وعبر توسّع اقتصادي عسكري متسارع تحت وزير الدفاع أبو غزالة. وفي المقابل، يخلص مندور إلى أن نظام السيسي يمثّل، لأول مرة في التاريخ الجمهوري المصري، حكماً عسكرياً مباشراً غير مقنّع بأي غطاء مدني حقيقي؛ فلا حزب حاكم جماهيري كالحزب الوطني الديمقراطي يوازن سلطة المؤسسة العسكرية أو يمتصّ غضب الشارع. "المؤسسة العسكرية تتصرف الآن بوصفها حزباً حاكماً"، تملي السياسات العامة وتمتد سيطرتها إلى السلطتين القضائية والتشريعية. من هنا تأتي عبارة مندور الحاسمة بأن نظام السيسي "يمثل قطيعة جذرية في التاريخ المصري الحديث"، وأنه "مختلف اختلافاً بيّناً عن الأنظمة اللاحقة لعام 1952"، رغم إقراره بعنصر استمرارية واحد لا يُنكر، هو الدور المركزي الذي لعبته المؤسسة العسكرية في جميع الأنظمة منذ 1952 بلا استثناء.
في المقابل، يقدّم شاهين وعبدالرحمن، في فصلهما ضمن المجلد الجماعي، قراءة أكثر تركيباً ترفض التسليم بلغة "الجمهورية الجديدة" من حيث المبدأ، لكنها ترفض أيضاً حسم السؤال لصالح القطيعة الكاملة كما يفعل مندور. يذهب شاهين/عبدالرحمن إلى أن "الجمهورية الجديدة" المزعومة لا تقوم على رؤية جديدة أو واضحة، بل هي مجموعة سياسات تسعى في الأساس إلى ضمان استمرارية النظام واستقراره، عبر ما يصفه روبرت سبرينجبورج بـ"مثلث السيسي المصيري"، أي مزيج متغيّر من القوة الناعمة والقوة الخشنة والدعم الخارجي. يبرهن شاهين/عبدالرحمن على هذا الادعاء بالعودة إلى مصدر الخطة التنموية الكبرى التي يتباهى بها السيسي، وهي الخطة الاستراتيجية القومية للتنمية العمرانية 2052: فهذه الخطة، كما يوثّقان، ليست ابتكاراً جديداً، بل صيغة محدَّثة لخطة "مصر 2000" التي وُضعت في عهد السادات، مرّت بعدة نسخ متلاحقة عامي 2005 و2007 و2009 و2010 قبل أن يعيد السيسي تسويقها باعتبارها ثمرة "تنسيق واسع بين خبراء مصريين ودوليين". يخلص شاهين/عبدالرحمن من هذا إلى أن السيسي "لم يمتلك رؤيته الخاصة لجمهورية جديدة"، بل اعتمد على رؤى قديمة لم تُنفَّذ من قِبل الأنظمة السابقة، إلى جانب خطط إقليمية ودولية تركّز على إعادة بناء البنية التحتية المصرية ودمج مصر في نظام إقليمي ودولي جديد.
لكنهما لا يقفان عند نفي الجدة الشكلية، بل يحددان موضعاً محدداً يريان فيه تحولاً حقيقياً وعميقاً، وهو العلاقة بين الدولة والمجتمع. فحتى التسعينيات، كما يكتبان، كان المصريون يتوجهون إلى الدولة طلباً للوظائف والخدمات وحماية الأسعار، في إطار عقد اجتماعي تأسس مع جمهورية يوليو: توفّر الدولة الاحتياجات الأساسية للمواطنين مقابل احتكارها السلطوي للسياسة. هذا العقد، الذي يصفه شاهين/عبدالرحمن بأنه "ركيزة جمهورية يوليو"، هو بالضبط ما يسعى السيسي إلى قلبه، حين يدعو المواطنين إلى تغيير نظرتهم للدولة، وحين يطالب الدولة بالتوقف عن لعب دور "الراعي"، لا للمواطن العادي فحسب بل حتى لطبقة رجال الأعمال المحاسيب التي طالما استفادت من سياسات الحماية والدعم. بدلاً من ذلك، يعاد توجيه تحالفات الدولة نحو أطراف جديدة، هي رأس المال الأجنبي والاستثمارات الأجنبية، وتصبح مسألة بيع الأصول للأجانب أو منحهم وضعاً تفضيلياً في السوق المحلي أمراً غير مستهجن ما دام يخدم "المصلحة العامة" ويؤمّن مصدر دعم جديداً للنظام. وفي موازاة ذلك، يلاحظ الباحثان انقلاباً في نظرة النظام إلى العالم الخارجي: فبينما كانت القومية السائدة في جمهورية يوليو تنظر إلى الأجانب باعتبارهم مستعمرين أو سائحين، يسعى السيسي إلى استعادة صورة مصر "الكوزموبوليتانية" المنفتحة على العالم، مستحضراً نشأته في وسط القاهرة القديمة وأجوائها التعددية. هذا الانقلاب في العقد الاجتماعي، لا الشكل المؤسسي للسلطوية بحد ذاته، هو ما يرى فيه الكاتبان أنه التحول الجوهري الفعلي وراء شعار "الجمهورية الجديدة".
يتقاطع مع هذا التحليل ما يطرحه عبد الفتاح ماضي في مقدمته للمجلد الجماعي بشأن استمرارية المحسوبية كأداة حكم، وإن تغيّرت وسائطها المؤسسية جذرياً. فالمحسوبية، كما يلاحظ ماضي، استمرت في مصر بعد 2013، لكن دون نظام الحزب الواحد الذي ميّز حقبة عبد الناصر، ودون نظام الحزب المهيمن الذي ميّز حقبتي السادات ومبارك؛ بل باتت تُدار عبر الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، وعبر شبكة واسعة من الضباط المتقاعدين، وعبر احتكار الموارد المالية والمعلوماتية. هنا بالتحديد يكمن جوهر إشكالية "امتداد أم قطيعة" كما يصوغها ماضي: المنطق ذاته، أي توزيع الولاءات وشراء الصمت السياسي، يستمر، لكن الوسيط المؤسسي الذي يحمل هذا المنطق تغيّر تغيّراً بنيوياً، من الحزب إلى الجهاز الأمني.
يضيف ماضي نفسه، في فصله المستقل عن العلاقات المدنية العسكرية ضمن المجلد ذاته، تصنيفاً آخر يستحق الوقوف عنده، إذ يرى أن السيسي، رغم خلفيته العسكرية، "يعمل كحاكم مدني يسعى لتأسيس نظام شخصاني"، على غرار أنظمة عربية أخرى تشكلت عبر انقلابات عسكرية. يميّز ماضي هنا بين ثلاثة أطراف في معادلة الحكم: النظام السياسي الذي يقوده السيسي بوصفه حاكماً شخصانياً يحشد الولاء من مؤسسات مدنية متنوعة، والمجال العسكري الأوسع الذي يضم القوات المسلحة وأجهزة الأمن والمخابرات، والجمهور الذي يمثل تهديداً كامناً للنظام متى نجح في التعبئة الجماعية. هذا التصنيف يختلف اختلافاً دقيقاً لكنه مهم عن تصنيف مندور القائم على "الحكم العسكري المباشر": فبينما يرى مندور أن المؤسسة العسكرية ذاتها هي الفاعل الحاكم، يرى ماضي أن السيسي فرد يوظّف خلفيته العسكرية لبناء نظام شخصاني يقف، من الناحية الوظيفية، فوق المؤسسة العسكرية لا داخلها فحسب، مستنداً في ذلك إلى مقارنات إقليمية مع أنظمة عربية أخرى نشأت من رحم انقلابات عسكرية لكنها تطورت لاحقاً في اتجاه الحكم الشخصاني الفردي.
هذا التمايز الدقيق بين "حكم عسكري مؤسسي" و"حكم شخصاني ذي خلفية عسكرية" يضيف طبقة تحليلية أخرى لجدل الاستمرار والقطيعة، إذ يفتح سؤالاً لم تُجب عنه الكتب الثلاثة بشكل حاسم: هل الفاعل الذي تحقق له التفرد بالسلطة هو المؤسسة العسكرية بوصفها كتلة، أم الرئيس الفرد الذي يستخدم هذه المؤسسة كإحدى أدواته المتعددة؟
يذهب ناثان براون، في فصله شبه الختامي من المجلد الجماعي، إلى أبعد من ذلك في تفكيك السؤال ذاته، مقترحاً أن المشكلة لا تكمن في صعوبة التمييز بين "الحاكم" و"النظام" و"الدولة" في مصر بقدر ما تكمن في أن درجة قابلية هذا التمييز للتحقق تتغيّر عبر الزمن ذاته. يلاحظ براون أن هذا التمييز "تلاشى" في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، إبّان تأسيس الدولة الناصرية، ثم "عاد تدريجياً" على مدى العقود الأربعة التالية بدءاً من 1971، وبلغ أقصى درجات وضوحه في الفترة الانتقالية بين 2011 و2013، قبل أن "يتلاشى مجدداً وبشكل حاد" منذ 2013. بعبارة أخرى، فإن ما يسمّيه براون "التماهي" بين الحاكم والنظام والدولة ليس سمة ثابتة للسلطوية المصرية، بل متغيّر تاريخي يتقلّب صعوداً وهبوطاً؛ وحين يُقرأ نظام السيسي من هذه الزاوية بالذات، فإنه لا يمثل قطيعة عن نمط السادات ومبارك الثنائي فحسب، بل يمثل عودة، لا تطابقاً بل تشابهاً بنيوياً، إلى اللحظة التأسيسية الناصرية ذاتها، حين كانت الدولة والنظام والحاكم كياناً واحداً بالكاد يُفصل بعضه عن بعض. هذه القراءة تفتح أفقاً تحليلياً مختلفاً تماماً عن ثنائية "امتداد أم قطيعة" الخطية البسيطة: فنظام السيسي، وفق منطق براون، ليس امتداداً لجمهورية يوليو بمعناها الممتد من 1952 إلى 2011 ولا قطيعة معها بالمطلق، بل هو انبعاث حلزوني لمنطق تأسيسي بعينه، بعد أن غاب لأربعة عقود متصلة.
يضيف حسام الحملاوي إلى هذا الجدل بعداً مؤسسياً دقيقاً نادراً ما تتناوله الكتابات الأخرى بهذا العمق، مستمداً من أطروحته الأكاديمية التي اعتمدت على مقابلات موسّعة مع فاعلين من مختلف المعسكرات السياسية. يفتتح الحملاوي كتابه بفصل عنوانه "جهاز مجزّأ"، يتتبع فيه نسب جهاز القمع المصري إلى عمليات بناء الدولة الحديثة في القرن التاسع عشر على يد محمد علي، ثم إلى إعادة الهيكلة الاستعمارية البريطانية، قبل أن يخلص إلى أن "المخطط" الذي لا يزال قائماً حتى اليوم "تبلور وتكرّس" على يد الضباط الأحرار عام 1952. من هذه الزاوية، فإن أدوات القمع ذاتها، أي الجيش والشرطة والمخابرات العامة وبنيتها القانونية، تحمل استمرارية مؤسسية غير منقطعة تمتد لأكثر من سبعين عاماً، بل لأكثر من قرن إذا ما احتُسبت الجذور العثمانية والاستعمارية. غير أن الحملاوي يحدد بدقة موضع القطيعة الحقيقية في نظره: فهذا الجهاز، رغم استمراريته المؤسسية، ظل عبر تاريخه الطويل جهازاً مجزَّأً، تتنافس مكوناته، أي الجيش والشرطة والمخابرات العامة، بقدر ما تتعاون. أما مع السيسي، فيرى الحملاوي أن ما تحقق هو، حرفياً، "لأول مرة منذ 1952"، توحيد هذا الجهاز المجزأ وتمكينه من الهيمنة الكاملة على الدولة. والنتيجة، كما يصوغها في عبارة لافتة تختصر أطروحة الكتاب بأكمله، هي "جمهورية بلا عقد اجتماعي، خالية من أي هيمنة بالمعنى الغرامشي، غارقة في حرب وجودية ضد شعبها، تعمل أقرب إلى نموذج المحتل الاستعماري منها إلى حكومة وطنية".
هذه الصياغة الحادة، التي ينبغي التعامل معها كحكم تحليلي صريح لا كوصف محايد، تضع الحملاوي في موقع أقرب إلى مندور من حيث حسم السؤال لصالح القطيعة، وإن اختلف موضع القطيعة عند كل منهما: فبينما يحدد مندور القطيعة في انتقال المؤسسة العسكرية من حكم ثنائي إلى حكم مباشر، يحددها الحملاوي في انتقال جهاز القمع من التجزؤ التنافسي إلى الوحدة القيادية.
حين تُقرأ هذه المواقف الأربعة معاً، أي تصنيف مندور القائم على شكل الحكم العسكري، وقراءة شاهين/عبدالرحمن لانقلاب العقد الاجتماعي، وملاحظة ماضي حول استمرار منطق المحسوبية عبر وسيط مؤسسي جديد، وإطار براون التحليلي لتذبذب التماهي بين الحاكم والنظام والدولة، وأطروحة الحملاوي حول توحيد جهاز قمع ظل مجزأً طوال تاريخه، يتضح أن الإجماع الحقيقي بين الكتب الثلاثة لا ينصبّ على الإجابة عن سؤال "امتداد أم قطيعة"، بل على رفض المسلّمة الضمنية التي يقوم عليها السؤال نفسه حين يُطرح كثنائية بسيطة. فكل قراءة من هذه القراءات تحدد موضعاً مختلفاً للتغيير، سواء كان شكل الحكم أو العقد الاجتماعي أو الوسيط المؤسسي للمحسوبية أو درجة التماهي بين الحاكم والنظام والدولة أو مدى وحدة جهاز القمع، وتخلص، من موضعها الخاص، إلى وجود قطيعة حقيقية في هذا الموضع بالذات، بينما تُبقي على أو تفترض استمرارية أعمق في مواضع أخرى لا تقع في بؤرة اهتمامها المباشر.
النتيجة الصافية لهذا التفكيك المتعدد الأبعاد هي أن "الجمهورية الجديدة"، حين تُفحص بهذه الدقة، تكشف عن نفسها كطفرة بنيوية داخل استمرارية مؤسسية أعمق، لا كقطيعة مطلقة ولا كامتداد بسيط، وهذا بالضبط ما سيتكرر، بصيغ مختلفة، حين ننتقل إلى فحص الاقتصاد السياسي لهذه الجمهورية.
القسم الثاني: اقتصاد سياسي لدولة ريعية بلا ريع
يقدّم روبرت سبرينجبورج، في فصله عن "الشرعية بلا نمو اقتصادي" ضمن المجلد الجماعي، الصياغة الأكثر إحكاماً في التعبير لفهم الاقتصاد السياسي لجمهورية السيسي، حين يصف مصر بأنها "دولة ريعية، لكن تفتقر إلى الريوع الكبيرة من النوع الذي تجنيه دول مجلس التعاون الخليجي من النفط والغاز". هذه الصياغة المتناقضة ظاهرياً، أي دولة ريعية بلا ريع، تختصر المعضلة البنيوية التي تحكم كل سياسة اقتصادية اتخذها النظام منذ 2013. فالدول الريعية الحقيقية، كما يشرح سبرينجبورج، لا تعتمد استثماراتها الرأسمالية الكبرى على عوائد إنتاجية، بل على دوافع الشرعنة السياسية وأحياناً النزوة الشخصية للحاكم؛ فهي استثمارات مصمَّمة لإنتاج عوائد سياسية لا اقتصادية، داخلياً وخارجياً. مصر السيسي، في غياب عوائد الهيدروكربونات الوفيرة، تحاكي هذا النمط دون أن تملك موارده، فتنتج مشروعات ضخمة، منها العاصمة الإدارية الجديدة، والقطار السريع الذي يُفترض أن يربطها بالحدود الليبية، والمتحف المصري الكبير، ومفاعلات الضبعة النووية، و"مدينة الفضاء"، يقصد منها بالأساس أن تكون مربحة سياسياً لا اقتصادياً.
على جانب الإيرادات، يوثّق سبرينجبورج أن نسبة الضرائب إلى الناتج المحلي الإجمالي في مصر منخفضة ومتراجعة، من 13.2 بالمئة عام 2020/2021 إلى 12.8 بالمئة عام 2021/2022، مقارنة بمعدل 35 بالمئة في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، و21 بالمئة في المغرب وتونس. يربط سبرينجبورج هذا الانخفاض بوعي النظام بالعلاقة الكلاسيكية في العلوم السياسية بين الضريبة والمطالبة بالتمثيل السياسي، إلى جانب إحجامه عن فرض ضرائب حقيقية على الأثرياء، وقصور إداري في التحصيل. والبديل عن الريع الغائب والضريبة المتجنَّبة هو الدَّين السيادي، الذي يتحول بذلك إلى الوظيفة البنيوية التي كان يُفترض أن يؤديها الريع في دولة ريعية حقيقية. من هنا يفهم القارئ إصرار صندوق النقد الدولي المتكرر على شروط لم تُستوفَ، مثل التعويم الكامل للعملة وخصخصة الشركات المملوكة للجيش، وتوقّف المفاوضات وتعليقها أكثر من مرة بين 2022 و2024.
يمنح حسام الحملاوي هذا التشخيص المجرد كثافته البشرية الملموسة في خاتمة كتابه، المعنونة "إلى أين تمضي الجمهورية الثانية؟"، حيث يحشد سلسلة من المؤشرات الرقمية القاسية. فالدَّين الخارجي طويل الأجل ارتفع من 41.7 مليار دولار عند تولي السيسي الحكم عام 2014 إلى 152.9 مليار دولار بحلول منتصف 2024، بينما بلغ إجمالي ما سددته مصر كخدمة للدَّين الخارجي خلال هذا العقد 132.7 مليار دولار. تراجعت قيمة الجنيه المصري أمام الدولار بنسبة تقارب 462 بالمئة منذ أول تعويم عام 2016، بينما قفز التضخم الحضري إلى 35.7 بالمئة وفق البيانات الحكومية ذاتها، وبلغ تضخم أسعار الغذاء 72 بالمئة مطلع 2024. توقفت الحكومة عن نشر بيانات معدل الفقر منذ ديسمبر 2020. انخفض الإنفاق الحكومي على الصحة من 1.7 بالمئة من الناتج المحلي عام 2014/2015 إلى 1.4 بالمئة عام 2023/2024، بينما هاجر نحو 150 ألف طبيب مصري، وارتفع عدد المصريين المقيمين خارج البلاد من نحو ستة ملايين عام 2013 إلى 14 مليوناً عام 2024، بزيادة قدرها 133 بالمئة. هذه الأرقام، التي يوردها الحملاوي بدقة إحصائية صارمة مدعومة بمصادر رسمية ودولية، هي المقابل المعيشي المباشر لتشخيص سبرينجبورج المجرد: حين تسعى دولة إلى شرعية عبر بنية تحتية استعراضية بلا ريع حقيقي يمولها، فإن الفاتورة تُحصَّل من جيوب مواطنيها الأكثر فقراً.
يقدّم ماجد مندور إضافة تحليلية مهمة لهذا المشهد عبر مفهومه المركزي عن "الرأسمالية المعسكرة"، الذي يصفه بأنه طور جديد من أطوار التراكم الرأسمالي لم تشهد مصر الحديثة له مثيلاً من حيث الحجم. في هذا النموذج، لا تكتفي المؤسسة العسكرية بدور الحارس السياسي للنظام، بل تتحول إلى الفاعل الاقتصادي الرئيسي فيه: تنفذ مشروعات بمعزل عن اعتبارات الجدوى الاقتصادية، وتتحكم في توزيع الموارد وتنفيذ المشروعات الحكومية الكبرى، وتنافس الفاعلين الاقتصاديين الآخرين في آن واحد الذي تنظمهم وتشرف عليهم. يرى مندور في هذا التداخل مصدر هشاشة بنيوية عميقة للنظام: فأي إصلاح حقيقي لهذا النموذج يستلزم أن تتنازل المؤسسة العسكرية عن الامتيازات الاقتصادية ذاتها التي تشكل آلية شراء الولاء داخلها وخارجها، وهو ما يجعل الإصلاح الجاد، لا الإصلاح الخطابي الموجّه لصندوق النقد الدولي، أمراً يكاد يكون مستحيلاً على النظام نفسه أن يبادر إليه.
ثمة ملاحظة دقيقة يشترك فيها شاهين/عبدالرحمن مع هذا التحليل تستحق التوقف عندها، إذ يصف المؤسسة العسكرية في عهد السيسي بأنها تعمل "كذراع تنفيذية" يعتمد عليها الرئيس لتنفيذ سياساته، لا كمركز قوة قادر على الضغط عليه أو فرض رؤيته، بل إن الرئيس نفسه هو من يشرف على الجوانب المالية لمعظم أنشطة المؤسسة العسكرية وتوزيعها وتشغيلها، وهو ما يصفه شاهين/عبدالرحمن حرفياً بأنه "ابتكار جديد على نظام يوليو 1952". هذه الملاحظة تكشف عن مفارقة دقيقة يمكن أن تفوت القارئ العجول: فبينما فقد عبد الناصر السيطرة تدريجياً على عبد الحكيم عامر وتحول الجيش إلى إقطاعية شخصية بعيدة عن رقابة الرئاسة، حقق السيسي دمجاً غير مسبوق بين السلطة الرئاسية والسلطة الاقتصادية العسكرية في شخص واحد، وهذا الدمج تحديداً، لا وجود المؤسسة العسكرية في الاقتصاد بحد ذاته الذي يعود إلى عهد السادات، هو ما يمثل العنصر الجديد حقاً في اقتصاد الجمهورية الجديدة السياسي.
يفتح شاهين/عبدالرحمن بعداً إضافياً لا يحظى بالقدر ذاته من الاهتمام في كتابي مندور والحملاوي، هو البعد الإقليمي لهذا الاقتصاد السياسي. يوثّق شاهين أن نموذج التنمية الذي تبناه السيسي يقوم على إعادة توجيه جذرية بعيداً عن المنطق التنموي الوطني الذي ربط التنمية تاريخياً بالاستقلال والسيادة الوطنية والتحكم الذاتي في الموارد المحلية ورعاية الفئات محدودة الدخل، وهو ما يصفه شاهين/عبدالرحمن بأنه "ركيزة جمهورية يوليو"، نحو منطق بديل قوامه التكامل الإقليمي والتبعية الدولية. في هذا النموذج البديل، تسهم مصر بجزء كبير من ثروتها الطبيعية، أي المواقع الأثرية والسياحية والأراضي الزراعية، بوصفها فرصاً للاستثمار والنشاط الاقتصادي المشترك، إضافة إلى مواردها البشرية وسوقها الاستهلاكية، بينما تتولى أطراف أخرى، يخص شاهين/عبدالرحمن بالذكر إسرائيل وتركيا في مجال التكنولوجيا، ودول الخليج والمؤسسات المالية الدولية في مجال التمويل، دور الممول والمستثمر. يقدّم الباحثان ملف سد النهضة الإثيوبي بوصفه المثال الأوضح على هذا المنطق في الممارسة: فقبول مصر بالسد، وربط هذا القبول بمشروعات طاقة إقليمية ومبادرة "الحزام الأخضر" الزراعية وشراكات تحلية مياه مع أطراف إسرائيلية وخليجية ودولية، رغم المطالبات الشعبية المتكررة بموقف أكثر حزماً، يعكس، في قراءتهما، أولوية منطق التكامل الإقليمي عبر التبعية على منطق صيانة السيادة الوطنية الذي عرّف الأخلاقية التنموية التأسيسية لجمهورية يوليو.
يقدّم كل من سبرينجبورج والحملاوي مثالاً مصاحباً حديثاً يجسّد هذا المنطق بأكثر صوره تجسّداً: صفقة بيع منطقة رأس الحكمة على الساحل الشمالي لصندوق الثروة السيادي الإماراتي مقابل 35 مليار دولار في فبراير 2024. يشير سبرينجبورج إلى هذه الصفقة، إلى جانب حزمة قروض صندوق النقد والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي التي وصلت مجتمعة إلى نحو 54 مليار دولار في الربع الأول من 2024، بوصفها مؤشراً لا على الثقة في الاقتصاد المصري، بل على الخوف الدولي من احتمال انهياره وما قد يجرّه ذلك من تداعيات إقليمية. ويذهب الحملاوي إلى استنتاج مماثل حين يكتب أن اندلاع حرب غزة في أكتوبر 2023 أثبت أن القاهرة "لا تزال ذات صلة" بالسياسة الإقليمية، ليس بفعل قوتها الناعمة أو الخشنة، بل لأنها ببساطة "أكبر من أن تسقط"، وأن تدفق الأموال الطارئ لم يغيّر النموذج الاقتصادي القائم على مشروعات "الفيلة البيضاء" الممولة بالدَّين والمُدارة من المؤسسة العسكرية وشركائها، بدليل إعلان توسعة العاصمة الإدارية الجديدة في يناير 2024 ذاته، أي في اللحظة ذاتها التي كان النظام فيها يستجدي المساعدات لتجنب الانهيار.
عند جمع هذه الخيوط معاً، أي مفهوم سبرينجبورج عن الدولة الريعية بلا ريع، ومفهوم مندور عن الرأسمالية المعسكرة، وقراءة شاهين/عبدالرحمن للتكامل الإقليمي والتبعية كبديل عن العقد التنموي الوطني ليوليو، وأمثلة الحملاوي الإحصائية والمعيشية، يتضح أن الكتب الثلاثة، رغم اختلاف مفرداتها، تتفق على تشخيص واحد جوهري: أن السياسة الاقتصادية في عهد السيسي ليست مستقلة عن حسابات البقاء السياسي وتراكم رأس المال المؤسسي القمعي، بل هي بالكامل تابعة لها، وأن هذه التبعية بالذات، لا العوامل الخارجية أو البنيوية وحدها، هي التفسير الأول لضعف الأداء الاقتصادي.
ويصوغ سبرينجبورج هذا الرفض للتفسير البنيوي بأكثر الصيغ صراحة حين يكتب أن "العقبات الأساسية أمام نمو اقتصادي أسرع ليست بنيوية"، بل "سياسات رديئة ناتجة عن عملية صنع قرار بدائية نسبياً تهيمن عليها المؤسسة العسكرية"، وهي مؤسسة، كما يضيف، "لم تُصمَّم أو تُجهَّز لصياغة أو تنفيذ سياسات اقتصادية معقدة بالضرورة". هذا الحكم القاسي، الذي يشاركه فيه مندور والحملاوي وإن بمفردات مختلفة، يضع الاقتصاد السياسي في قلب أي تفسير جاد لطبيعة "الجمهورية الجديدة"، لا كملحق فني تابع للتحليل السياسي، بل كموضع تتكشف فيه، ربما بأوضح مما تتكشف في أي موضع آخر، طبيعة العلاقة الملتبسة بين الاستمرار والقطيعة التي بحثناها في القسم السابق.
القسم الثالث: مآلات الجمهورية الجديدة
حين ننتقل إلى قراءات الكتب الثلاثة لمستقبل هذه التجربة، نجد طيفاً من السيناريوهات يمتد من التوقع الحذر بالاستمرار إلى الانهيار، لكن يلتقي، كما سنرى، حول قاسم مشترك أعمق من أي تفاوت ظاهري بين هذه القراءات.
يطرح ماجد مندور السيناريو الأكثر تشاؤماً على النظام من بين الكتب الثلاثة، إذ يرجّح مساراً من "التآكل البطيء يعقبه انهيار سريع"، على غرار ما جرى لنظام مبارك عام 2011. يستند هذا الترجيح إلى قناعته بأن النموذج الحالي للرأسمالية المعسكرة لن يفشل فقط في تخفيف الفقر إلى مستوى يمنح النظام شرعية، بل سيولّد أزمات متكررة تجعل استخلاص الثروة من الجمهور أكثر صعوبة على النخبة العسكرية تدريجياً، وهو ما سيقوّض قدرة النظام على ممارسة عنفه المنظم بفعالية حين يحين اختباره الحقيقي. لكن مندور يحرص، بأمانة تحليلية تُحسب له، على ألا يقدّم هذا السيناريو باعتباره حتمية آلية، بل يربطه صراحة بشرط سياسي لم يتحقق بعد، هو تبلور المقاومة الجزئية المتناثرة، من الاحتجاجات العمالية إلى مقاومة سكان جزيرة الوراق لمخططات التطوير العمراني إلى الاحتجاجات المحدودة التي اندلعت عامي 2019 و2020، في مشروع سياسي متماسك عبر ما يسميه، مستعيراً مصطلح غرامشي، "حرب المواقع" الطويلة الأمد. وهو يقر صراحة بأن المعارضة، وقت كتابته، "منهكة تماماً" بفعل قمع النظام، وأن غياب هذا التبلور يجعل السيناريو احتمالاً لا يقيناً.
يتجنب حسام الحملاوي تقديم تنبؤ حاسم واحد، مفضّلاً أن يختم كتابه بمعطى بالغ الحداثة يعود إلى نوفمبر 2025، أي إلى ما يكاد يكون آخر لحظة زمنية أمكن للكتاب توثيقها قبل صدوره. يوثّق الحملاوي أزمة برلمانية اندلعت في ذلك الشهر، حين أثار التدخل الفظّ لجهاز الأمن الوطني في هندسة نتائج الانتخابات البرلمانية ردّ فعل مضاداً من الأحزاب المدعومة من المخابرات العامة والمخابرات الحربية، وتبنّت قنوات اتحاد ضباط الجيش السابقين مواقف علنية، وتمرّد مرشحون موالون للنظام، وأصدرت جهات قضائية بيانات متضاربة اتهم بعضها بعضاً ضمنياً بالتواطؤ أو التقصير. يقرأ الحملاوي تدخل السيسي الاستثنائي لإلغاء نتائج الجولة الأولى في تسع عشرة دائرة انتخابية لا بوصفه استعراضاً للقوة، بل بوصفه "علامة خوف": خوف من أن الجهاز ذاته الذي دمجه السيسي في قيادة موحدة بدأ يتنازع مع نفسه. يختم الحملاوي كتابه بعبارة تحمل نبرة تحذيرية أكثر منها تنبؤية صريحة: "الوحدة لم تنهر، لكن شقوقها باتت الآن مرئية لمن يريد أن يرى، والشقوق في التحالفات الأمنية السلطوية نادراً ما تظل صغيرة".
في المقابل، يقدّم روبرت سبرينجبورج، في فصلَيه المتكاملين عن الاقتصاد وعن "مثلث السيسي المصيري" اللذين يختم بهما المجلد الجماعي، القراءة الأكثر تحفظاً مؤسسياً بين الكتب الثلاثة. يستشهد سبرينجبورج بحالات مقارنة مثل زيمبابوي وفنزويلا ليبرهن على أن الانهيار الاقتصادي الحاد لا يطيح بالضرورة بالأنظمة السلطوية، إذ إن مزيج القمع وتوظيف الرموز القومية والاقتصادية لكسب الولاء وإفقار شرائح واسعة من السكان بما يجرّدها من القدرة على الفعل السياسي "مزيج فعّال، بل يبدو أكثر فعالية من جاذبية الديمقراطية ذاتها"، كما يوضح باستحضار المثال التونسي حيث يدفع الانهيار الاقتصادي المتفاقم مزيداً من التأييد الشعبي للرئيس قيس سعيّد. يخلص سبرينجبورج إلى أن السيناريو الأرجح في الأجلين القصير والمتوسط هو استمرار الوضع الراهن، في ظل غياب معارضة منظمة ذات وزن حقيقي واستمرار الدعم الإقليمي والدولي الواسع للنظام، وأن أرجح مسار لأي تغيير سياسي سيكون داخل النظام نفسه، عبر استبدال السيسي بضباط ساخطين، دون أن يعني ذلك، حتى في هذا السيناريو، إصلاحات جوهرية، على غرار ما جرى بعد ثورة 2011 حين أعاد النظام إنتاج استمراريته بأدوات أخرى. يستكمل سبرينجبورج هذا التحليل بنموذجه التفسيري عن "المثلث المصيري" الذي يربط جدلياً بين القوة الناعمة والقوة الخشنة والدعم الخارجي في علاقة عكسية شبه هيغلية، حيث يستلزم تراجع أحد الأضلاع تعويضاً من الضلعين الآخرين؛ وحين يلاحظ التآكل المطرد للقوة الناعمة منذ منتصف العقد، والاعتماد المتزايد على القوة الخشنة والدعم الخارجي كتعويض، فإن ذلك يشي، في قراءته، بنظام يدير تراجعه أكثر مما ينهار أو يتجدد فعلياً.
يقدّم عبد الفتاح ماضي، في ختام فصله عن العلاقات المدنية العسكرية، تفسيراً آلياً إضافياً للسيناريو ذاته الذي يطرحه سبرينجبورج حول احتمال الإطاحة بالسيسي من داخل النخبة العسكرية، فيمنحه آلية سببية أوضح بدل أن يتركه احتمالاً عاماً. يشير ماضي إلى أن التنازلات الممنوحة للمؤسسة العسكرية، رغم أنها صُمِّمت أصلاً لضمان ولائها ومنع الانقلابات، "عزّزت استقلاليتها الذاتية" بشكل غير مقصود، وأن غياب حزب سياسي متماسك يُلزم النظام بالاعتماد المستمر على المؤسسة العسكرية والضباط المتقاعدين، وأن غياب مسار واضح ومحدد لخلافة الرئاسة يُبقي الانقلاب مساراً ممكناً عملياً لأي ضابط طموح، خصوصاً إذا تعرضت امتيازات المؤسسة العسكرية لضغط مالي خارجي أو تصاعد استياء شعبي واسع. يخلص ماضي إلى أن "قبضة النظام الحديدية ستظل قوية وستستمر ما دامت المعارضة منقسمة"، لكنه يحذر في الوقت ذاته من أن إجراءات منع الانقلاب لا تضمن بالضرورة الحصانة من تدخل عسكري مستقبلي، إذ إن الممارسات السلطوية المستمرة وغياب مسار خلافة رئاسية واضح يبقيان الانقلاب احتمالاً حياً لا مجرد فرضية نظرية. بهذا يلتقي ماضي مع سبرينجبورج في تحديد الموقع ذاته للتغيير المحتمل، أي المسار داخل النخبة العسكرية، لكنه يضيف إلى تحليله البعد المؤسسي الدقيق الذي يفسر لماذا يبقى هذا المسار مرجّحاً تحديداً، لا مجرد ممكن بين احتمالات أخرى متكافئة.
أما ناثان براون فيقدّم التصنيف الأكثر تفصيلاً للسيناريوهات المحتملة. يستبعد براون احتمال انتفاضة شعبية جماهيرية على غرار 2011، مستنداً إلى الفارق الشاسع في الكثافة التنظيمية بين المجال العام المُعبّأ عام 2011 والمجال العام المُفرّغ اليوم، مرجحاً أن أي اندلاع شعبي محتمل سيكون أقرب إلى نمط انتفاضة الخبز عام 1977 المحتواة منه إلى قطيعة ثورية حقيقية. ويناقش احتمال انشقاق داخل النخبة أو المؤسسات، معتبراً إياه ممكناً نظرياً لكن معتماً تجريبياً، شبيهاً بغموض السياسة الملكية السعودية في النصف الثاني من القرن الماضي حيث تحل الإشاعة محل التحليل الجاد لغياب أي بديل. أما احتمال الانفتاح التكتيكي، فيستبعده براون صراحة، مذكّراً القارئ بمقالته الخاصة "ربيع السيسي" التي كتبها قبل انتخاب السيسي رئيساً متوقعاً فيها انفراجة محدودة على غرار أسلافه، توقّع لم يتحقق طوال عقد كامل، بحسب اعترافه الصريح بأن توقعه كان "إما قصير النظر بشكل ملحوظ أو سابقاً لأوانه بشكل مأساوي". يخلص براون إلى أن المسار التطوري الأوضح في الأجل القصير هو نمط "أكثر تكنوقراطية"، حيث تتحمل الدولة كامل المسؤولية عن التحديات الاقتصادية والصحية والبيئية والتعليمية والتنموية، فتستوعب كل اللوم عن الإخفاقات بينما يمكن تبديل التكنوقراط متى تكشّف عجزهم دون أن يُمس جوهر السلطة. لكنه يحدد بوضوح طبيعة هذا المسار: إنه ليس تغييراً للنظام، بل "نكهة معدَّلة قليلاً" لما يسميه "دولة النظام البوليسي" المصرية، نظام سياسي "قد لا يدوم إلى الأبد لكنه لا يُظهر أي مؤشر على الفشل عدا في تحقيق آمال 2011".
اللافت حين تُقرأ هذه القراءات الأربع معاً، أي انهيار مندور التدريجي المشروط بتبلور معارضة منظمة، وتحذير الحملاوي من شقوق داخل جهاز أمني موحَّد بدأ يتصدع لأول مرة، واستمرارية سبرينجبورج المدارة عبر تعويض متبادل بين أضلاع "المثلث المصيري"، وتكنوقراطية براون المقيّدة التي لا تعني تغييراً بل إعادة تغليف، أن أياً من هذه القراءات الأربع، رغم تباين مواقعها السياسية والمنهجية على نحو واسع، لا يتوقع انتقالاً ديمقراطياً حقيقياً، ولا يتوقع في المقابل استقراراً دائماً بلا اضطراب. يتقاطع الطيف الكامل من التوقعات عند افتراض مشترك واحد: أن أي تغيير محتمل سيكون، على الأرجح، تغييراً داخل الحقل السلطوي ذاته، سواء عبر إعادة تشكيل نخبوية أو إعادة تغليف تكنوقراطية أو تصدع داخل جهاز القمع، لا انتقالاً نحو تعددية سياسية حقيقية.
هذا التقارب، الصادر عن صحفي يساري منفي، وأكاديمي مصري مختص في العلاقات المدنية العسكري، وأكاديمي أمريكي متخصص في العلاقة العسكرية الاقتصادية، وباحث ليبرالي مرتبط بمؤسسة كارنيغي متخصص في السلطوية المقارنة، يستحق التوقف عنده بوصفه دلالة تحليلية بحد ذاته، لا مجرد صدفة توافق. ويجدر التنبيه أخيراً إلى أن هذه الكتب أُنجزت في معظمها بين عامي 2022 و2025، وأن قدرة الحملاوي على إلحاق معطى نوفمبر 2025 بلحظة صدور كتابه الأخيرة تكشف عن وتيرة تسارع الأحداث التي قد تجعل خط الأساس الذي يستند إليه سبرينجبورج في ترجيح "استمرار الوضع الراهن" أكثر هشاشة مما بدا عليه وقت كتابة فصله.
خاتمة نقدية: تقييم مقارن ومساءلة الحدود
عند التقييم المقارن لهذه الكتب الثلاثة بوصفها مساهمات علمية، لا مجرد مصادر معلومات، تتكشف نقاط قوة وحدود مختلفة لكل منها. تكمن قوة كتاب مندور في انضباطه المنهجي: فتوظيفه المتّسق لتصنيف فاينر عبر الامتداد الكامل لتاريخ مصر الجمهوري يمنح الكتاب ثقلاً مقارناً تاريخياً حقيقياً، رغم اعتماده بالأساس على مصادر ثانوية صحفية وأكاديمية سابقة أكثر من اعتماده على بحث ميداني أصيل. أما حدّه الأبرز فيكمن في أن أطروحة "القطيعة الجذرية"، رغم قوة حجتها، تُصاغ أحياناً بحسم يتجاوز ما تسمح به الأدلة المطروحة، وتحديداً حين يقارَن بدقة براون الأكثر تحفظاً في التعامل مع السؤال ذاته.
يتفوق كتاب الحملاوي، في المقابل، بكثافة مصادره الأولية غير المسبوقة: فهو مبني على أطروحة دكتوراه استندت إلى مقابلات موسّعة مع فاعلين من معسكرات سياسية متعارضة، من قيادات جبهة الإنقاذ الوطني إلى مصادر إسلامية، وهو ما يمنحه نسيجاً تفصيلياً مؤسسياً حول كيفية تنظيم جهاز القمع وإعادة تنظيمه لا يقدّم أي من الكتابين الآخرين ما يضاهيه. لكن موقع الحملاوي السياسي المعلن، فالكتاب مهدى إلى رفاقه في الاشتراكيين الثوريين، ويفتتح بسردية شخصية عن تعذيبه، يمنح الكتاب قوة تفسيرية حية، لكنه يعني أيضاً أن الحكم التحليلي والتقييم المعياري متداخلان أحياناً في نسيج واحد، وهو ما ينبغي للقارئ أن يتنبه له بوعي دون أن يُفهم ذلك تقليلاً من قيمة الشهادة أو الدقة التوثيقية للكتاب.
أما المجلد الجماعي الذي حرره سبرينجبورج وماضي فتكمن قوته في التعددية المنهجية: فانخراط ثلاثة عشر متخصصاً يتيح مساءلة سؤال "ما مدى جدة الجمهورية الجديدة" من زوايا مؤسسية متعددة في آن واحد، من التعليم إلى الدين إلى القضاء إلى السياسة الخارجية إلى حقوق الإنسان إلى الاقتصاد، وهو ما ينتج، عبر فصل براون تحديداً، أكثر إطار تحليلي تركيباً بين الكتب الثلاثة لمعالجة إشكالية الاستمرار والقطيعة، لأنه يرفض الثنائية نفسها لصالح متغيّر تاريخي متذبذب. غير أن الطبيعة الجماعية للمشروع، الذي أشرف عليه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، تعني أن فصوله تصل أحياناً إلى استنتاجات متوازية متقاربة أكثر مما تتحاور فيما بينها حواراً نقدياً مباشراً، وأن سؤال ماضي التأطيري الافتتاحي، رغم دقته، يحصل من مساهمي الكتاب على إجابات متفاوتة دون أن يفرض المحرران توليفة واحدة، وهو أمر يمكن قراءته بوصفه أمانة علمية تعكس خلافاً حقيقياً بين المتخصصين لا توافقاً زائفاً، بقدر ما يمكن قراءته حداً منهجياً في تماسك المشروع الجماعي ككل.
ثمة نقطة عمياء مشتركة بين الكتب الثلاثة تستحق الإشارة إليها في ختام هذه القراءة. فرغم أن الكتب الثلاثة تصف تجريبياً النمط ذاته، من تكامل شاهين/عبد الرحمن الإقليمي القائم على التبعية إلى دولة سبرينجبورج الريعية بلا ريع إلى صفقة رأس الحكمة عند الحملاوي وسبرينجبورج إلى أزمات بيع الأصول عند مندور، فإن أياً منها لا يطوّر بعمق مقارن كافٍ التمييز النظري بين الاحتفاظ الشكلي والقانوني بالسيادة، من حيث الملكية والولاية الإقليمية، وبين التنازل الفعلي عن السيطرة التشغيلية لصالح رأس المال الأجنبي، وهو تمييز من شأنه أن يشحذ بدقة أكبر التحليل الاقتصادي السياسي الذي تقترب منه الكتب الثلاثة جميعاً دون أن تكتمل صياغته النظرية. هذا ليس نقداً بقدر ما هو إشارة إلى أن الأجندة البحثية التي ترسمها هذه الكتب الثلاثة مجتمعة لا تزال أجندة مفتوحة، وأن أفضل ما يمكن أن يفعله قارئها المتخصص هو أن يواصل من حيث توقفت.
حين نعود، في ختام هذه القراءة المقارنة، إلى سؤال ماضي التأطيري الذي افتتحنا به، هل تسعى "الجمهورية الجديدة" إلى استعادة نظام يوليو أم إلى خلق نظام لم تشهده مصر من قبل، فإن الإجابة الأكثر أمانة لمضمون الكتب الثلاثة مجتمعة ليست "امتداد" صريح ولا "قطيعة" مطلقة، بل شيء أقرب إلى طفرة بنيوية داخل استمرارية مؤسسية أعمق. فالجهاز ذاته، ومنطق تعيين الأفراد وتدويرهم داخله، وحتى بعض الأدوات القانونية بعينها، تحمل نسباً غير منقطع يمتد إلى 1952 بل إلى ما قبله؛ لكن توحيد القيادة داخل جهاز ظل مجزأً عبر تاريخه، والدمج غير المسبوق بين السلطة الرئاسية والسلطة الاقتصادية العسكرية في شخص واحد، وانقلاب العقد الاجتماعي القديم نحو تبعية إقليمية ودولية جديدة، تنتج معاً نظاماً سياسياً شكله جديد بلا شك، حتى حين تبقى أدواته قديمة. هذه العلاقة الجدلية بين الاستمرار والقطيعة، التي لا تلتقطها ثنائية "امتداد أم قطيعة" الخام بمفردها، قد تكون أقوى سبب يجعل هذه الكتب الثلاثة، رغم اختلافها الواسع في الموقع والمنهج والأسلوب، تستحق أن تُقرأ معاً لا منفصلة، إذ يكمل كل منها ما يعجز الآخران عن تقديمه بمفردهما.