Follow Us

Follow on Twitter    Follow on Facebook    YouTube Channel    Vimeo Channel    Tumblr    SoundCloud Channel    iPhone App    iPhone App

ما التنوير؟ غوغل، ويكيليكس، وإعادة تنظيم العالم

[novinite المصدر: موقع] [novinite المصدر: موقع]

هاري هالبن Harry Halpin

هل ساعد الإنترنت البشرية على الخروج من اللانضج كي يستعبدها مرة ثانية نظامُ مراقبةٍ شامل؟ سواءً كان الناس يعون هذه المسألة أم لا، يتردّد صدى هذا السؤال في تجربتنا الرقمية اليومية، وفي الطريقة التي تُفْرَز وتُرْصَد بها الملفات الصغيرة، وفي جَمْع وكالة الأمن القومي للبيانات الوصفية (الميتاداتا) الخاصة بالبريد الإلكتروني والمكالمات الهاتفية، وفي الطبيعة الغريبة للإعلانات التي تظهر في جداول بحث غوغل والفيسبوك. لكن لا حاجة كي يشير المرء إلى وكالة الأمن القومي من أجل إلقاء اللوم. وبقدر ما هو من الصعب تقسيم العالم بين رقمي على نحو صارم ومتناظر، فإن مهمة غوغل في "تنظيم معلومات العالم" تتضمن الآن بصورة متزايدة تنظيم الحياة نفسها. ونعرف جميعاً الآن كيف تُشْرع غوغل ببناء الشبكة من خلال محرّك بحثها، وببناء وسائل اتصالنا من خلال أجهزة هواتفها النقالة، ولكن ما لا يعرفه الناس جيداً هو أن غوغل تخطط لإعادة تنظيم بنى المجتمع ككل. ففي كتابهما "العصر الرقمي الجديد: إعادة تشكيل مستقبل البشر والأمم والأعمال" يقول كلٌّ من المدير التنفيذي السابق لغوغل إيريك شميت Eric Schmidt والمخطط السابق في وزارة الخارجية الأميركية جاريد كوهن Jared Cohen: "لن يُقْدمَ البشر في المستقبل على الحفظ الاحتياطي لمعلوماتهم فقط، بل سيحفظون حكومتهم أيضاً" في مؤسسات رقمية قادرة على الصمود في وجه الأزمة. ويبدو غوغل، في عالم يتّسم بدول قومية منهارة وبرابرة جدد كتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، حاجزاً في وجه القضاء على طريقة الحياة الغربية.

لكن المنخرطين في العالم الرقمي ليسوا جميعاً مؤيدين لخطة غوغل المتعلقة بالمستقبل. فقد وصف جوليان أسانج Julian Assange "العصر الرقمي الجديد" بأنه "إنجاز له تأثير سلبيٌّ لا يمتلك أي مؤلف مشارك فيه الإمكانية كي يرى، أو اللغة كي يعبّر عن الشر المركزي الهائل الذي يقوم ببنائه". أسانج “المُحْتَجَز”، والذي ليس من النوع الذي يفوّت فرصة لتسريبٍ، نشرَ نصَّ نقاشٍ حول مستقبل الإنترنت أجراه طول الليل مع إيريك شميت وعدد من معاونيه في كتابه الجديد: "حين اجتمع غوغل مع ويكيليكس"، والذي طُبع على غلافه تحت شعار غوغل المائل الانتقاد الحاد: "أشعر بالشر". وعلى مستوى ما، إن ما يمكن أن يضيع في هذا الجدل بين ويكيليكس وغوغل هو إن كانت حقبتنا الرقمية ستقود أم لا إلى تنوير رقمي جديد أم إلى حكم يتسم بسيطرة اجتماعية يفرضها الروبوت يستمر ألف عام. وتكهن بالأمر نفسه منذ عقود مؤسس السبرانية (علم الضبط) نوربرت واينر Norbert Wiener في كتابه "الاستخدام البشري للكائنات البشرية” حين قال: “إن الساعة متأخرة جداً، وخيار الخير والشر يقرع بابنا".

إن أسلوب كتاب "حين اجتمع غوغل مع ويكيليكس" غير تقليدي بالنسبة لكتاب. ويتألف من مجموعة مقالات قصيرة تدور حول موضوع رئيسي غني، ويقدم حواراً سقراطياً جديداً مدهشاً بين شميت وأسانج ، يلعب فيه شميت دور "مينو" Meno حديث بالنسبة لأسانج . أسانج – الذي هو في بيئته الطبيعية – يشرح كلَّ شيءٍ من “تور” Tor إلى “بيتكوين” Bitcoin (العملة الرقمية) للمدير التنفيذي الهادئ، الذي بدا، على نحو غريب، كأنه لا يعرف شيئاً عن الإنترنت الذي تمتلك عنه غوغل وجهة نظر شاملة، بالرغم من أن أسئلته الدقيقة والمحفّزة أشارت أيضاً إلى أنه يمتلك خلفية فكرية غنية. وربما كان شميت يلعب دوره فحسب، كما يقول أسانج فيما بعد في الكتاب، وربما كانت الزيارة كلها عملية احتيال كبيرة لتصيد المعلومات عن ويكيليكس وكانت غوغل تعمل كوكيل بحيث أن "وزارة الخارجية الأميركية تسللت فعلاً إلى مركز قيادة ويكيليكس وطلبت مني غداء مجانياً".

لكنَّ النقاش بين أسانج وشميت يتسم بنبرة رفاقية. وبينما يستبعد أسانج إمكانية حدوث تنظيم سياسي جذري أساسي إلا أنه يفكر بفرضية جديدة حول تغيّر اجتماعي تقوده المعلومات: مفادها بما أن "ما يعرفه المرء يمكن التأثير به بطريقة غير خطيّة (...) تستطيع تغيير سلوك كثير من البشر بكمية قليلة من المعلومات". ويقوم ويكيليكس، من خلال منبره المجهول، بإزالة "القيود" عن "عمل نقل المعلومات" (العمل الذي، كما يقول أسانج، يقوم به كلٌّ من غوغل وويكيليكس)، مما يسمح لويكيليكس بنشر"المعلومات التي تميل الحكومات إلى فرض الرقابة عليها”، وهذا سيدفع الناس إلى الاشتغال على المعلومات". بتعبير آخر، إذا حصل الناس على المعلومات الصحيحة فإنهم سيتمكنون من تحرير أنفسهم من عبء الحكومات الظالمة. وهذه إعادة صياغة مباشرة لعبارة عصر الأنوار”كونوا شجعاناً في طلب المعرفة!" التي أطْلقها لأول مرة عمانويل كانط سنة 1784 وكُررت الآن هنا بعد 230 سنة، في عام 2014.

تأسّس ويكيليكس على إيمان قوي بقدرة البشر الفطرية على معرفة الظلم ومحاولة رفعه حالما يتم تعريفهم عليه، إذ حالما "يُعْلن عن الخطط التي تملكها المنظمات القوية، فإن الجماهير ستعارضها". وهنا لا يبزغ أبداً الاعتراض الكانطي البديهي على هذه الفرضية: أن الناس، حتى حين يمتلكون المعلومات الصحيحة، إما أنهم لا يعملون بسبب الكسل وإما يخافون من القيام بالفعل بسبب جبنهم. ويرى شميت أن هناك نوعاً جيداً من الفيزياء الاجتماعية التي تنطوي عليها نظرية ويكيليكس في التغير الاجتماعي، قائلاً إن أسانج " فيزيائي متدرب بالأصل". ويمكن أن تبدو نظرية أسانج في المعطيات المفتوحة في التغير الاجتماعي متساوقة مع رؤية غوغل في تنظيم معلومات العالم، وهذا واضح مما يقوله شميت:"أنا أحاول أن أفهم الحجة ضد رؤيتك، التي نتعاطف معها على ما يبدو". وإذا كان ويكيليكس مشتركاً في الفلسفة الوضعية نفسها التي تحفزها المعلومات، ما الذي يمنعه من أن يكون مجرد فكرة أخرى من أفكار غوغل التي تهدف إلى فتح معطيات العالم لمحرك بحثها؟

يتبين لنا في النهاية أن أسانج وشميت يمتلكان أفكاراً مختلفة جداً حول السيادة والحقيقة. واضعاً في ذهنه رؤية داعش الذكية حول استخدام الإعلام الاجتماعي، صار شميت مهووساً بفكرة أن كميات من المعلومات المضللة ستُطْلق على الشبكة كي تغذي جنون العظمة والانحلال الاجتماعي. بالمقابل، يعبّر أسانج عما يمكن أن يُدعى فقط نظرية في الحقيقة قائمة على معطيات كبيرة، قائلاً إنه بالرغم من أن ويكيليكس حريص على عمليات التنقيح كي يتجنب النقد فإنه “إذا كانت المعلومات صحيحة فإنه لا يهمنا من أين تأتي"، وهكذا فإن ويكيليكس "سيجعل الناس يتقاتلون مع الحقيقة، وحين تُرفع الجثث سيكون هناك رصاصات حقيقة في جميع الأمكنة، ولا بأس في هذا". ذلك أن شميت المطلع على كميات المعلومات الكبيرة الغامضة معرفياً التي تتوسّطها محركات البحث، يؤمن بقوة الحقيقة أقل مما يؤمن بقوة الآلات: إن نسخة غوغل من الحقيقة مؤتمتة في "القصة الحديثة للتصنيف" بأن "الشبكة مليئة بالبريد الضار لكن البريد الضار يحصل على مرتبة منخفضة بسبب النفوذ وبنية الرابط وهلمجرا".

لا يؤيد شميت وكوهن نظرية أسانج الراديكالية في تغير اجتماعي تدفع إليه المعلومات، قائلين في كتابهما: "لماذا جوليان أسانج، على وجه التحديد، هو من يقرر ما المعلومات ذات الصلة بالمصلحة العامة؟" وبعد أن يسلّما بأن هناك أنواعاً من الأسرار تحتاج الدول إلى الحفاظ عليها، يلفت شميت وكوهن الانتباه إلى ويكيليكس مؤتمت بشكل كامل، طالما أن "البشر لا الكمبيوترات يديرون الأشياء في عالمنا فإننا سنواجه مسائل إصدار حكم كهذه".

وعلى نحو مشابه، لا غوغل ولا ويكيليكس يدعمان في الحقيقة مجتمعاً شفافاً على نحو جذري فيه كل شيء، بدءاً من حياتنا الجنسية وانتهاء بميلنا الوراثي للإصابة بمرض السرطان، هو لقمة سائغة متاحة لأي عضو من الجمهور. وبالرغم مما قاله لاري بيج Larry Page وسيرغي برين Sergey Brin عن احتمال وجود "دول مصغرة لغوغل حيث يُعْفى غوغل من القوانين القومية، ويمكن أن يواصل تقدمه دون عائق"، إلا أن غوغل ما يزال تابعاً قانونياً للولايات المتحدة وبالتالي يخضع للقضاء الأميركي. وفي أحد الحوارات الأكثر طرافة في الكتاب طلب أسانج من شميت تسريباً من غوغل لمطالب القانون الوطني فأجاب شميت أنه بينما هو شخصياً "انتقد عدة مرات القانونين الوطنيين 1 و2 لأنهما غير شفافين، ولأن أوامر القاضي خفية وهلمجرا (...) فإن القوانين واضحة تماماً حول غوغل في الولايات المتحدة". لكن شميت قال لأسانج – هامساً له – إن تسريب معلومات حكومية لغوغل مخالف للقانون. ومن الواضح بالنسبة لشميت وكوهن أن هناك أسراراً يجب أن تحافظ عليها الحكومة.

يتنبأ شميت وكوهن بعالم خاضع لنظام شمولي يسوده تحديد كليٌّ للهويات. إذ ينبغي، من أجل الحفاظ على النظام على جبهة الوطن، أن تكون هوية السكان معروفة بشكل كامل. وأضافا أن “معظم المتطرفين سيستخدمون أدوات التشويش كي يغطوا مساراتهم ويتفادوا تحديد هويتهم” مما سيتطلب "سجلات أشخاص مجهولين” لأولئك الذين يرفضون الانضمام إلى خدمة هوية مركزية كـ”غوغل بلاس”. بالمقابل، يؤيد أسانج في النهاية حق المُضْطَهدين باللجوء إلى السرية بما أن "المنظمات التي تفتقر للقوة تميل إلى السرية، وهذا من وجهة نظري شرعي لأن المنظمات تحتاج إلى السرية كونها بلا قوة". وقد كان الأمل العظيم لـ “حركة الحق بالتشفير” cypherpunk movement هو أن الرياضيات المحضة في شكل أدوات تشفيرية مثل “بيتكوين” و”البريد المشفر” يمكن أن تحمي الأفراد بشكل كامل من دول رقابية كابوسية. لكن من الواضح أنه إذا جعلت تكنولوجيا مثل ويكيليكس السرية تنتمي إلي الماضي، فإن السرية ستتوقف عن كونها امتيازاً للأقوياء وللضعفاء.... وفي السيناريوهات المستقبلية الأكثر ترجيحاً، إن الحكومات والشركات الغنية بالموارد، والتي يعارضها ويكيليكس، هي التي ستستخدم التشفير لا الناشطون الجماهيريون.

كان أسانج متألقاً حين ناقش كيف تتقاطع الفلسفة مع الإنترنت بطرق مفاجئة، وكيف حُوِّلتْ المسألة الفلسفية لتسمية الأشياء إلى مشكلة هندسية عملية على الشبكة:"لدينا حالياً نظام بعناوين (URLs ) حيث البنية التي نقوم ببناء حضارتنا عليها هي النوع الأسوأ من البلاستيسين القابل للتخيل”. إن الشبكة، كأضخم صرح معلوماتي تم بناؤه، تجسّد على نحو ملموس التراكم الأفضل لمعرفتنا المشتركة، بما أن تقدمنا "مبنيٌّ على سجلنا الفكري الكامل، ويجب أن يكون سجلنا الفكري كبيراً قدر الإمكان إذا كان يجب أن تكون البشرية متقدمة قدر الإمكان". إن الخطأ القاتل هو أن العناوين (موقع الموارد الموحدة، حيث أي بند مهم يمكن أن يُمْنح اسماً مثل http://example.org) يمكن أن يتغير محتواها أو يختفي دون أي تنويه أو حتى أرشيف، مما يجعل الشبكة مادة تكنولوجية تفاعلية ملائمة للرقابة على نحو غريب. بالطبع، سيفضل أسانج ألا "يثق بالشبكات التابعة" وبدلاً من ذلك "يسمي ملف فيديو أو قطعةَ نصٍّ بطريقة مقترنة جوهرياً بالمعلومات المحتواة هناك". ويلخص كيف يمكن أن يُفْعَل هذا من خلال تقنيات تشفير معروفة جيداً تبني الاسم من الشيء نفسه".

وبالرغم من أنه لا يوجد خلل تقني في اقتراح أسانج، فإن هذه المقاربة التقنية الصرفة لحل مشكلة منح الأسماء كانت مطبقة تقريباً في “نيمكوين” NameCoin وأنظمة أخرى مشابهة، ولم تفلح حتى الآن في جذب جميع الهواة لاستخدامها. وبالرغم من أن القدرة على تسمية بشر وأمكنة جديدة وأشياء أخرى على الأرض كانت مرة حكراً على الدولة القومية، فإن الهيئة المقرِّرة على الإنترنت هي حالياً “شركة الإنترنت للأسماء والأرقام الممنوحة” المستقلة حديثاً، والتي تسيطر على البنية التحتية التقنية المركزية التي تمنح أسماء لمخدمات بدعم ضمني من حكومة الولايات المتحدة. إن مشكلة التسمية لا تكشف ألغازها الداخلية بسهولة للمهندسين، ذلك أنها في النهاية ليست مشكلة تكنولوجيا بل إدارة.

على أي حال فكّر أسانج بمسألة الإدارة: إن نصه غير المعروف في العالم الافتراضي والذي ينتمي إلى فترة ما قبل ويكيليكس ويحمل عنوان "المؤامرة كإدارة” ينظر إلى المؤامرات الإرهابية كشبكات ويطبق المنظور نفسه على الحكومات:"نوسع فهمنا للمنظمات الإرهابية ونسقطه على مبتكريه بحيث يصبح سكيناً لتشريح مؤامرات القوة المستخدمة لتدعيم الحكومة الاستبدادية". إن اعتماد شبكة التحليل نفسها المستخدمة لفحص الإرهابيين من أجل فحص سلوك الدول القومية ينم عن عبقرية. لكن افتراض أسانج الضمني بأن طرائق تحليل الشبكة فعالة في صد الإرهابيين افتراض إشكالي في ضوء فشل "الحرب على الإرهاب" بالرغم من المعطيات الكبيرة ووكالة الأمن القومي. وإذا افترضنا أن تكوين تصور عن العالم من زاوية الشبكات هو فعال حقاً، من الممكن أيضاً إيقاف الظلم المفروض على البشر العاديين من قبل الدول القومية والشركات بوسائل تحليل الشبكة. وبعد النظر في طرق مختلفة في القضاء على المؤامرات من زاوية تحليل الشبكة، ينهي أسانج على نحو غامض نصه قائلاً:

“سنرى فيما بعد كيف أن التكنولوجيا والاستبصارات في الدوافع السيكولوجية للمتآمرين يمكن أن يقدموا لنا طرقاً عملية لمنع، أو للحد من، التواصل الفعال بين المتآمرين الاستبداديين، ويولّدوا مقاومة فعالة للتخطيط الاستبدادي وينشئوا حوافز قوية لأشكال أكثر إنسانية من الحكم”.

لم تكن هناك تتمة أبداً، على الأقل بالإنكليزية. وكما يلائم داعية تشفيرٍ أطلق أسانج بدلاً من ذلك الشفرة العاملة لويكيليكس.

***
من المهم أن نعود إلى وجهة نظر أسانج في العالم كمؤامرة من أجل أن نفهم حدود كتاب "حين اجتمع غوغل مع ويكيليكس". إن الفرضية الأساسية للكتاب هي أن هناك مؤامرة تحدث وهي عملية الدمج بين الاستراتيجية الجغرافية السياسية للولايات المتحدة وشركة غوغل التي لم تكن شريرة مرة. وقد بُحثت الفرضية جيداً وعلى نحو دقيق، وتبيّنَ أن شميت عضو في مجلس إدارة “مؤسسة أميركا الجديدة”، ويحضر مؤتمرات بيلدربيرغ. وعلى نحو غريب بما يكفي، وفي استثمارٍ فعّال للموقف تبرع شميت بالمبلغ نفسه )ولو كان قليلاً( لكل من الحزبين الديمقراطي والجمهوري. والأسوأ من ذلك أن موقع “ستراتفور ويكيليكس” كشف أن مساعد شميت، الذي كان يعمل سابقاً في وزارة الخارجية جاريد كوهن، ما يزال يهبط بالمظلة على الحدود الإيرانية، ليس فقط من أجل غارات أو صور سيلفي مثيرة، بل أيضاً كي يساعد في "القيام بأمور لا تستطيع السي آي إيه القيام بها”، وهذه علاقة مناسبة بما أن "حكومة الولايات المتحدة تستطيع حينئذ أن تنكر معرفتها بالأمر وتترك غوغل يتحمل العواقب". هل تعمل غوغل بدأب على تغيير الأنظمة في أنحاء العالم، وضد بلدان مثل إيران وروسيا والصين تفرض رقابة على الإنترنت؟ إذا كان هذا صحيحاً، فإن أعداءها يصطفون بشكل جيد مع أعداء وزارة الخارجية الأميركية.
لكن هذا قد يكون مخالفاً لظاهر الأمور: إن إشكالية المؤامرات تكمن في أن المؤامرات موجودة في جميع الأمكنة وغير موجودة في أي مكان. وأينما بحث المرء عن مؤامرة يمكن أن يعثر عليها. وقد كان المراسل الصحفي الجوّال ياشا ليفين Yasha Levine الذي يعمل في “باندوديلي” أحد أول المراسلين الذين أشاروا، على نحو صحيح، إلى أن غوغل تساعد في إنشاء آليات مراقبة للحكومة الأمريكية، “وتلمّح رسائله الإلكترونية التي بعثها من أوكلاند إلى وجود مجمع غوغل للمراقبة العسكرية"، وهذه حقيقة ذكرها أسانج في كتابه. إن “تور”، شبكة إخفاء الهوية التي تشكل الأساس لتقديم المواد لويكيليكس لفتت أيضاً انتباه ليفين. ويكشف ليفين أن "جميع المنخرطين تقريباً في تطوير “تور” كانوا مموَّلين من الحكومة الأميركية، أو هم مُمَوَّلون حالياً”، بما فيه رفيق أسانج الدائم في السلاح جاكوب أبلباوم Jacob Appelbaum. إنها في الحقيقة مسألة تتعلق بسجل تور العام أن الحكومة الأميركية و(غوغل) موّلا “تور”، النظام نفسه الذي مكّن عمل كلٍّ من ويكيليكس وسنودن. ومن المحزن بما يكفي لدماغ ليفين الذي يدمن نظرية المؤامرة أن تحليل الجغرافيا السياسية لعصر المعلومات المعاصر يتطلب أكثر من بحث سريع في غوغل.

إن شيئاً ما في نظرية ليفين في المؤامرة يبدو مغلوطاً بفضل ما كشفه سنودن، الذي أظهر أن وكالة الأمن القومي لم تتمكن من إخفاء هوية “تور”، ولجأت بدلاً من ذلك إلى تهكير “متصفح موزيلا فايرفوكس”. ولو كانت هناك طريقة سرية ما لعملاء الحكومة كي يخفوا هوية شبكة “تور” ويدخلوا إليها، لما اضطروا إلى الوقوع في مشكلة تهكير “فايرفوكس”. وبما أن تور مشروع مصدر مفتوح فإن أي فخ تُصْليه وكالة الأمن القومي في تور يمكن أن يُكْتشف، ويمكن أن يتحقق منه أي شخص يتمتع بكفاءة تقنية يقوم بفحص دقيق لمصدر شفرة “تور” بالتفصيل، كما بينتْ مؤخراً المعلومات التي كُشفتْ حول الكثير من الفيروسات في مشاريع المصدر الجماهيري المفتوح. للأسف، سيتطلب هذا الكثير من العمل التقني بالنسبة للمسكين ليفين. وتغفل نظرية ليفين في المؤامرة أيضاً ذكر أن الحكومة الأميركية، من خلال مكتب الأبحاث التابع للبحرية ووكالة مشاريع أبحاث الدفاع المتقدمة (داربا)، موّلتْ تقريباً جميع أبحاث علم الكمبيوتر في الولايات المتحدة، بما فيه الإنترنت. وفي الحقيقة يجب التصفيق لـ”تور” على الأقل لكونه شفافاً على شبكتهم مع مموليهم ولمطالبته بأن الجميع (بما فيه وكلاء الحكومة الذين يعملون بشكل سري ونشطاء حقوق الإنسان أيضاً) يحتاجون إلى السرية.

إذا كان ليفين يبحث عن إناء مال سحري لم تلْمسه شرور هذا العالم يستطيع دوماً أن ينظر إلى رب عمله “باندوديلي”. إن ليفين و”باندوديلي” ممولان علناً من “جريلوك بارتنرز”، الشركة التي تتقاسم شركاء رئيسيين مع “إن-كيو-تيل”، مشروع الأعمال التابع للسي آي إيه. وهكذا يستطيع المرء القول إن السي آي يه مولت ياشا ليفين حين كشف أن وزارة الخارجية مولت “تور” من أجل الدفاع عن عملاء السي آي إيه. إن المشكلة في نظريات المؤامرة (بما فيه أي تحليل للمؤامرات كشبكات) هي أن المرء يواجه على الفور الواقع غير القابل للقياس للرأسمالية المتأخرة: كل شيء مترابط بالفعل. وسواء كنتم تحبون هذا أم لا، من المحتمل أن الجميع مرتبطون بكلٍّ من تنظيم الدولة الإسلامية وبالرئيس أوباما داخل بعض الروابط. إن نظرية المؤامرة ليست نظرية، بل غياب للنظرية. وبدلاً من تفسير العالم، تشير المؤامرات التي تشمل الكوكب بشكل غير كامل إلى عالم يتجاوز البنى التصورية الضعيفة لمنظّر المؤامرة.

يمتلك أسانج، جوهرياً، خلفية ذهنية عقلانية وعلمية، وهو مستاء جداً مما يبدو كمؤامرات لا أساس لها في مصادر رئيسية كالوثائق المسربة:"أنا مستاء دوماً لأنه يتم إلهاء الناس بمؤامرات مزيفة مثل هجمات الحادي عشر من أيلول، بينما نقدم أدلة على مؤامرات حقيقية من أجل الحرب أو الاحتيال المالي الضخم في جميع الأمكنة حولنا”. ومن الغريب جداً إن إحدى نظريات المؤامرة قالت إن ويكيليكس عملية حكومية أميركية هدفت إلي العمل على تغيير النظام في تونس وهو "مبرمج للهجوم على الصين"، وزعمت النظرية أن ويكيليكس يحقق رغبة الباحث القانوني الأميركي كاس سنشتاين Cass Sunstein بإنجاز "اختراق معرفي" للمجموعات التي تنتج نظريات مؤامرة من أجل إضعافها. بتعبير آخر، إن ويكيليكس وتشيلسي ماننغ Chelsea Manning (وإدوارد سنودن) هم مجرد عرض جانبي غير مؤذ لمنعنا من فهم المؤامرات الحقيقية، والتي لا شك أنها، بالنسبة لبعض منظري مؤامرة الحادي عشر من أيلول الموهومين، تتضمن طبعة جديدة من بروتوكولات حكماء صهيون للقرن الواحد والعشرين.

هناك مؤامرات حقيقية، لكن المشكلة هي أن العلاقات التي تحكم عالمنا هي أسرار مكشوفة للجميع، بالكاد تتطلب أية وثائق سرية. ويجب أن يكون واضحاً نسبياً أن شركة قوية كغوغل ستدخل في مرحلة ما صفوف المجمع العسكري الصناعي وتنخرط في تعبئة عالية المستوى وتحالفات استراتيجية مع الدولة القومية التي هي خاضعة لسلطانها القضائي. إن هذا السلوك غير مفاجئ خاصة في عصرنا المزعج حيث، بعد هجوم النيوليبرالية ضد بقايا الديمقراطية الاجتماعية، من الصعب أن نعرف الفرق بين دولة أو شركة. هذا لا يعني أنه لا توجد أسرار حقيقية يُحْدث كشفها تأثيراً عالمياً وتاريخياً، بما أن المرء يستطيع أن يرجع سقوط بن علي إلى كشف ويكيليكس بأن الحكومة الأميركية ستتوقف عن دعم بن علي. وكانت تسريبات سنودن مفاجأة لكثيرين، بينهم جماعة وكالة الأمن القومي. بهذا الخصوص، ما من شك في أن أسانج وماننغ وهاموند وسنودن وإلسبرغ وآخرين لا يُحصى لهم عدد لم يجازفوا مقابل لا شيء. ذلك أن مفهوم التسريب نفسه انتقل الآن إلى التيار الرئيسي بعد إطلاق “سكيور دروب” SecureDrop الذي ابتكره المرحوم آرون سوارتز Aaron Swartz، والذي يسمح تقريباً لأي منبر إعلامي بأن يصبح ويكيليكس، ومن المحتمل أن تحتوي الصحافة قريباً جداً ودوماً على رابط مع "مصدرها الرئيسي".

ربما يكشف قمع الدولة المسعور لويكيليكس قصة أكثر عمقاً: إذا لم تكن سلطة الدولة في النهاية مؤسسة على الدفاع عن مواطنيها وعن العدالة والحقوق، فإن الوحشية الموجودة إذاً في قلب رد الولايات المتحدة على ماننغ وسنودن تصبح قابلة للفهم بأنها أكثر من غرور قوة فحسب. ويشير القضاء على احتمال السرية إلى نهاية النزاهة الوحيدة المتبقية للدولة، القائمة الآن على السيطرة على السكان من خلال الإرهاب. "إن السر نفسه يصبح اللغز الكبير للشكل السياسي في الحداثة" (كيجيل، المجال العام من خارج الغرب"، 2015).

هل من المحتمل أن ويكيليكس، في بحثه عن أسرار مثل البرقيات الدبلوماسية أو ملفات تجسس لم يفهم أن الأسرار العظيمة لعصرنا هي سلاسل الإنتاج والتوزيع واستهلاك السلع التي تربط رأسماليتنا القائمة على المعلومات مع بعضها بعضاً؟ إن كيفية وصول حبة طماطم إلى مخزنهم المحلي يشكل لغزاً كبيراً لمعظم الناس. ويمكن أن تبدو السلسلة المتنامية الإحكام من الإمدادات العالمية عادية لكنها معقدة على نحو مذهل، وهذه أنواع الأسرار الضرورية لحل مشكلات الطعام والكهرباء والمأوى التي واجهتْها تقريباً جميع البلدان بعد الثورة. إن عدم القدرة على مواجهة هذه المشكلات الأكثر مادية كان سبب فشل ثوريي ساحة التحرير مثلاً، الذين بسبب افتقارهم لهذه المعرفة تم إغراؤهم في النهاية لتسليم ثورتهم إلى العسكر. وليس الإنترنت بعيداً جداً عن هذه التدفقات العالمية العابرة للقومية لجميع السلع المادية، بما أن الإنترنت يؤثر في الإنتاج الذي يتم في الوقت المناسب ويثوّر الإمدادات.ونفهم من وجهة النظر هذه جميع مناورات غوغل المختلفة في وضع الخريطة الكونية، وأجهزة الاستشعار، والمراقبة المنتشرة بشكل واضح بما أن شركة هدفها الربح ستستفيد من فرص السوق الجديد المتضمنة في هذا الانتقال داخل سلسلة القيمة الرأسمالية. هل يستطيع شميت أو أسانج حتى أن يتخيلا ما سينطوي عليه "وضع الخريطة المعرفي" (بحسب فريدريك جيمسون) الذي تحتاج إليه الثورة الحقيقية؟

إن غموض العالم الحالي للثورة السبرانية داخل الرأسمالية يمكن مقارنته مع الدورات الأقل تطوراً لرأسمالية الثورة الصناعية المبكرة، حيث كان يمكن على الأقل ربط إنتاج السلع بمعامل صناعية معينة بوضوح. وقد غذّتْ هذا الفهم ثوراتُ العمال الأولى، كما لو أنه كان يتم التفكير بسهولة بأن هذه المصانع يمكن أن تُحكم ذاتياً وبشكل مستقل. وكان تحليل دور المعمل داخل الرأسمالية الصناعية في نهاية القرن التاسع عشر هو الذي جعل النظرية المفترض أنها "علمية" لكارل ماركس تحل مكان العدد الكبير من نظريات المؤامرة الأولى التي هيمنت على الحركات الثورية منذ القرن الثامن عشر فصاعداً، بما أن "الظلم (...) لا ينشأ من الحكم السياسي للبرجوازية، بل على العكس، إن الحكم السياسي للبرجوازية ينشأ من علاقات الإنتاج الحديثة هذه" (ماركس، مقال ضد كارل هاينزين). في النهاية، إذا استطاع العمال أن يفهموا معرفياً كيف يديرون مصنعهم، ما فائدة مالك المصنع؟ ونظراً لفشل الثورة العالمية بعد الثورة الصناعية، نظَّرَ الجميع حينها، من ستالين إلى حركات تحرر قومي متنوعة، حول كيف يستطيعون، على الأقل، الاستيلاء على وسائل الإنتاج في دولة قومية واحدة. وفي أعقاب فشل الحركات القومية والعمالية، ما يجب أن يكون بديهياً هو أن ثورة القرن الواحد والعشرين (والتي يشكل فيها غوغل نموذجاً) لم يُنَظَّر لها بعد بشكل ملائم، بالرغم من أن منظّرين مختلفين من غريمان Greeman إلى لوفنيك Lovnik بدأوا المهمة الضخمة. وبعد نهاية الحركات العمالية التقليدية ورؤيتها الصناعية لمجتمع حر مستقبلي، بدا كأنه لا يوجد مخيال عالمي متماسك بديل، ذلك أنه "منذ السبعينيات على الأقل، انهزم الفاعلون الأصليون كالنقابات والكنائس تحت هجوم متواصل من دولتيّة السوق الحرة، مما حوّل "المجتمع المدني" إلى سوق شراء للفئات السياسية ومصالح الشركات التي تتطلع إلى فرض النفوذ من بعد".

وبالرغم من أن المرض قد شُخِّص، فإن العلاج غير متوفّر. وليس من قبيل المصادفة أن حركات عالمية تدعو إلى الشفافية والعدالة كالربيع العربي والحركة المضادة للتقشف في أسبانيا، وحركة احتلوا وول ستريت، ظهروا في أعقاب المعلومات التي كشفها ويكيليكس. والواقع أن المرء يستطيع أن يميز تشابهات ليست خفية جداً بين "حركات الساحات" والحركات الثورية السابقة. خذوا مثلاً التحليل الطبقي البدائي المتضمن في شعار "99% إزاء 1%" وعودة ظهور ما بدا أنه مجالس العمال التقليديين في ساحات جميع المدن تقريباً، ولو أن مجالس العمال دون عمال أو حتى معمل. إن هذا الجيل من الشبان العاطلين عن العمل والبارعين تقنياً يضيف بشكل طبيعي عاملاً جديداً إلى التكتيكات السابقة في الصراعات الاجتماعية في المصانع، كما شهدت أحداث ساحة التحرير والمحلة الكبرى. وبما أن الحصار على وسائل الإنتاج تعثّر بسرعة صار جلياً أن حركة احتلّوا وول ستريت صُيِّرتْ بروليتارية بالمعنى الذي قصده برنارد ستيغلرBernard Stiegler وليس كارل ماركس. إن الفائض السكاني للمخيمات المحتلة جُرد من معرفته حول كيف عمل عالمه، وهكذا فشلت ببطء حركة احتلوا وول ستريت بما أنها لم تكن قادرة على صقل استراتيجية ثورية وغاصت أكثر في نظريات المؤامرة التي تتضمن الاحتياطي الفيدرالي. فقد استُخدمت وظيفة المؤامرات لتبرير ضعف الحركة الخاص بنقل اللوم من مشاكلها إلى عصبة عالمية سرية ما.

إن الفرق بين مؤامرة ونظرية ثورية يكمن في أن أية نظرية ثورية يجب أن تستند إلى تحليل منهجي للسر المفتوح للحياة اليومية والذي يشمل تدفق السلع الرأسمالية وأيضاً بنى جهاز الشرطة والنظام المدرسي والقانون وحتى الإنترنت. ويمكن أن يُفَسَّر هذا العالم ويُفكَّر به من جديد من أجل الوصول إلى أساليب واعية تفتح الطريق إلى الأمام لحل المشكلات متعددة القطبية، والتي تتسلسل من البطالة الجماهيرية إلى الكارثة المناخية العالمية التي ستواجه الأجيال القادمة. وإذا ما وُضِعَ اللوم على حكومات وشركات أو أفراد معينين (أو حتى سلالات!)، فإن نظريات المؤامرة تحرف الانتباه عن المصادر البنيوية الفعلية للمشكلة. ويبين الباب الدوار لقادة سياسيين جدد معينين في أوربا كم هي قليلة السيطرة الحقيقية التي يملكها أفراد معينون في الحكم. وإذا كانت الولايات المتحدة الأميركية ستنهار بسبب انخفاض قيمة الدولار غداً، يمكن أن يتوقع المرء أنه من المحتمل أن تصعد الصين كي تلعب الدور نفسه على المسرح العالمي. إن أسانج المحتجز في السفارة الأكوادورية لا يشبه أحداً أكثر مما يشبه أوغست بلانكي Auguste Blanqui الذي سجنته السلطات في اللحظة التي كانت تحتاج إليه فيها كومونة باريس. كلاهما يشترك في شعور غير قابل للاهتزاز بالعدالة الاجتماعية يمتزج مع جبرية معينة حول احتمالات الربح، وإيمان بالتكنولوجيا. وقد مجّد بلانكي في زمنه الصحافة المطبوعة كتكنولوجيا ثورية قائلاً "إن مصدر التقدم هو إيصال الفكر، والشر هو كل ما يمنع إيصاله، والجيد هو كل ما يفضّله ويكثر منه". على أي حال، لا يرقى أسانج إلى مستوى بلانكي حين، في تركيزه على كشف المؤامرة من الأعلى، يفشل في أن يذكر أن ما هناك حاجة إليه هو مؤامرة من الأسفل لها روح الجمعيات السرية التي نُسيتْ منذ وقت طويل والتي خدمت كقلب كومونة باريس. وكما قال أحد الأصدقاء: إن الثوريين هم الذين يستمتعون بالتآمر بصورة طبيعية. وبما أن أسانج ملاحق حالياً بتهمة التآمر والتجسس من قبل هيئة المحلفين الكبرى في الولايات المتحدة، قد لا يكون من مصحلته أن يعترف بهذه الحقيقة.

***
يمكن أن نتوقع حالة من اليأس إزاء دولة الرقابة الكلية، إلا أن تمردات 2011 (التي تتواصل في هذه اللحظة في هونغ كونغ) أظهرت أن "تغيراً جيلياً" يجري حيث، كما كتب أسانج، يتحول الشبان المتصلون فيما بينهم والعاطلون عن العمل إلى“جمهور عام، إلى بشر يتمتعون بثقافة مشتركة وقيم مشتركة وتطلعات مشتركة". وإذا ما افترضنا أن غالبية هذه الشريحة السكانية هي فائض لمجتمع رأسمالي عالمي آلي على نحو متزايد، سيشتبه المرء أن الحل لما يدعوه مساعد شميت "ردكلة شباب الإنترنت المتعلمين" هو ربما أكثر خطراً مما يدركه حتى أسانج. إن غوغل، كمحرك بحث يستطيع أن ينتقل بسهولة لا من اختيار الذاكرات الرقمية فحسب بل أيضاً السكان. وكما يتذكر الألمان في بحثهم الفاشل للحفاظ على الخصوصية إن الخطر الكبير الذي يهدد أي نظام مراقبة هو أنه من أجل الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي سيصبح آلة قتل. وبالرغم من ذلك إن الشباب اليوم هم أكثر اتصالاً وذكاء وأسرع مناورة من أي جيل سابق، وما يبقيهم في الخلف أكثر من أي شيء آخر هو الافتقار الكلي إلى استراتيجية ورؤية مشتركة لعالم مستقبلي.
ثمة حاجة إلى فهم للإمكانيات التي يقدمها الإنترنت يتخطى كلاً من غوغل وأسانج، ومن الغريب بما يكفي أن رؤية كهذه كانت في قلب الإنترنت منذ إطلاقه. فقد أدرك دوغلاس إنغلبارت Douglas Engelbart، المهندس المتواضع المعروف اليوم أكثر لأنه ساعد في إنشاء الإنترنت الأول والفأرة، أنه بما "أن تعقيد وإلحاحية المشاكل التي نواجهها نحن البشر الراسخون تزداد بشكل أسرع من قدراتنا الكلية على الفهم والتعامل معها"، نحتاج إلى إنشاء الشبكة كي "نرفع معدل ذكائنا الجمعي إلى الحد الأعلى… وكي نسرّع التطور الطبيعي المشترك لأداتنا وأنظمتنا البشرية".

إن ديالكتيكاً رقميّاً مفتوحاً يدرك أن الشبكة هي في الوقت نفسه الخطر الأعظم الذي يواجه البشرية وأملها العلاجي الأخير، هو المقاربة النظرية المطلوبة كي تقودنا في هذه الأزمنة المضطربة. وكما قال برنارد ستيغلر، إن الشبكة ليست خطوة جديدة في تخزين ذكرياتنا فقط، بل أيضاً علاج وسمّ وكبش فداء، لم تُفهم تأثيراته بعد في كل شيء من مقدراتنا العصبية إلى تنظيمنا الاجتماعي. وبالرغم من أننا نستطيع أن نلمح وَجْهيْ خصائص الإنترنت في كتابيْ شميت-كوهن وأسانج، فإننا، إذا غيرنا موقعنا ونظرنا إلى الظاهرة نفسها من الأعلى، يمكن أن نتمكن من معرفة أن الشبكة ليست ساحة معركة بين الخير والشر فحسب، بل أيضاً قوة تقوم بتحويل المفاهيم نفسها التي ورثناها من التنوير (الفرد والعقل والجماهير والمعرفة) إلى كوكبة غير متبلورة بعد من المفاهيم حول الذكاء الجمعي واللوغاريتمات وجمع المعلومات الجماعي والمعطيات الكبيرة. ونستطيع التأثير في تحويل هذه المفاهيم إلى فرضية مادية جديدة للتنظيم البشري الاجتماعي من خلال الصراع الاجتماعي على التطور التقني للإنترنت، محاكين الانقلابات المفهومية والاجتماعية الكبرى التي رافقت وصول المعمل الصناعي. وكما عبر سنودن عن الأمر في دعمه لفكرة تيم بيرنير لي Tim Berners-Lee عن “ميثاق عظيم” Magna Carta للشبكة، فإن الخصوصية والسرية يمكن أن تُنقشا في شفرة الشبكة نفسها. وفي سيرورة هذا الصراع، نستطيع أن نكتشف إمكانيات جديدة للحياة كي نتغلب على الأزمة، بما أن الأزمة هي في جهازنا الفلسفي (أو الافتقار إليه) بقدر ما هي في البنية التحتية السياسية والاقتصادية التي ورثناها من القرن التاسع عشر. ويجب أن نقاتل اليوم من أجل شبكة تساعد البشرية كي تحصل على الأفق المفتوح للحرية وكي تعمل على هذه الإمكانيات.

إن التضاد بين ويكيليكس وغوغل أكثر تعقيداً مما يبدو من زاوية الاستراتيجية والتكتيك، وأعمق من معركة تبسيطية بين شخصيتي أسانج وشميت. وبالرغم من أن تكنولوجيا متل “بيتكوين” يمكن أن تقدم التقنيات لإنشاء مستقبل أقل مركزية، فإن القوة العملاقة الواضحة التي يمكن أن تعيد بناء المجتمع (بما فيه الحكومة الأميركية) هي بشكل جلي جهاز غوغل التقني الضخم. وفي الوقت الذي كانت فيه غوغل تنشىء محركات مراقبتها الضخمة، خدم موظف من غوغل في المجلس الاستشاري لويكيليكس وعلّق على تصميم أولي لبنيته التحتية. ومؤخراً صمم موظفون في غوغل في أوقات فراغهم أدوات اتصال سرية هي أكثر استخداماً بالرغم من أنها ما تزال تجريبية.

حين التقيت بجوليان أسانج في السفارة الإكوادورية سألته: هل جمهوره المثالي هو فعلاً موظفو غوغل وليس الجمهور العام أم لا؟ بدا مرهقاً بعد ظهوره أمام الضيوف كصورة ثلاثية الأبعاد ضخمة في لقاء لكبار الشخصيات الأميركية، حيث كان إريك شميت حاضراً أيضاً. فتح أسانج فمه مبتسماً وهو يفكّر بسؤالي وقال إنه تبين له أنه يقدم الكتاب بحسم 20% لموظفي غوغل. فلتُزْهر ألف مؤامرة!

[المصدر: “لوس أنجلوس ريفيو أوف بوكس”]

[ترجمة: أسامة إسبر]

* هاري هالبن Harry Halpin أستاذ مساعد في "اتحاد الشبكة العالمية" في معهد ماساتشوسيتس للتكنولوجيا، وباحث زائر في مركز بومبديو للبحث والإبداع في فرنسا.

If you prefer, email your comments to info@jadaliyya.com.

Announcements

 

D E V E L O P M E N T S

Jadaliyya Relaunches its Vox Populi page!


 


 

F O R    T H E    C L A S S R O O M 

Critical Readings in Political Economy: 1967


 

The 1967 Defeat and the Conditions of the Now: A Roundtable


 

E N G A G E M E N T 

SUBSCRIBE TO ARAB STUDIES JOURNAL

Pages/Sections

Archive